ملخص
عائدات بيع الأصول أسهمت في خفض حجم الدين العام من 67.7% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 إلى 63.7% عام 2024، مع توجه نحو 60.5% بحلول 2028.
أطلق المغرب سياسة الخصخصة خلال تسعينيات القرن الماضي بهدف تقليص عجز الموازنة العامة للدولة، وذلك بضغط من المؤسسات المالية الدولية، شملت العملية تفويت بعض المؤسسات جزئياً أو كلياً للقطاع الخاص، في مجالات النقل، والاتصالات، والطاقة، وبلغت مداخيل تلك العملية ما بين عامي 1993 و2005 ما مجموعه 75 مليار درهم (8 مليارات دولار)، وعادت الدولة إلى تلك السياسة منذ عام 2019 عبر بيع أصولها في مجالات الصحة والتعليم في إطار مفهوم "التمويلات المبتكرة"، يجري من خلالها بيع أصول عقارية للخواص، وإبرام عقود كراء طويلة الأمد تنتهي بالتملك.
وبلغ حجم مداخيل تلك العملية إلى حدود عام 2025 حوالى 147 مليار درهم (15.6 مليار دولار)، إلا أن صندوق النقد الدولي حذر من عواقب عملية بيع الأصول تلك، بدعوى أنها قد تسهم في الرفع من مستوى جمود الموازنة.
ما الجدوى؟
أوضح صندوق النقد الدولي، في تقريره الخاص بمشاورات المادة الرابعة السنوية مع المغرب الصادر في مارس (آذار) الماضي، أنه على رغم ما توفره عملية بيع الأصول من موارد مالية، فإنها ترتب التزامات طويلة الأمد بالموازنة مرتبطة بأداء الإيجارات.
ويمكن أن تزيد من جمود الموازنة خلال الأعوام المقبلة، مسجلة تسارعاً ملحوظاً، إذ بلغت 25.1 مليار درهم ( 2.6 مليار دولار) عام 2022، و25.4 مليار عام 2023، ثم 35 مليار درهم (3.69 مليار دولار) عام 2024، قبل أن ترتفع إلى 40.1 مليار درهم (4.2 مليار دولار) خلال 2025.
أشار المتخصص في مجال حماية المال العام سمير بوزيد إلى أن التقرير تضمن تحليلاً مفصلاً لسياسة بيع الأصول العقارية للدولة التي انطلقت عام 2019، ووفقاً للتقرير، بلغت القيمة التراكمية لهذه المبيعات نحو 147 مليار درهم (15.6 مليار دولار) حتى نهاية عام 2025، مما يجعلها إحدى أكبر عمليات التصرف في المال العام التي شهدها المغرب خلال العقد الأخير.
وأوضح أن هذه العملية، على رغم ما وفرته من موارد مالية ساعدت على دعم الموازنة العامة، فإنها تضمنت تحذيراً من الصندوق مفاده أنها "ترتب التزامات موازنة طويلة الأمد مرتبطة بأداء الإيجارات، يمكن أن تزيد من جمود الموازنة خلال الأعوام المقبلة"، ومن هنا تبرز تساؤلات مشروعة حول مدى جدوى هذه السياسة، وما إذا كانت قد حققت الأهداف المعلنة منها، ومدى مواءمة الخيارات البديلة المتاحة.
ولفت المتخصص إلى أن السلطات المغربية تبرر هذه السياسة بأنها تهدف إلى "تحسين النجاعة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار الخاص"، فضلاً عن تعزيز الموارد المالية للدولة ودعم الاستثمارات العمومية والبرامج الاجتماعية، مع الحفاظ على استدامة الدين العام.
وتابع أن عائدات بيع الأصول أسهمت في خفض حجم الدين العام من 67.7 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022 إلى 63.7 في المئة عام 2024، مع توجه نحو 60.5 في المئة بحلول 2028، وفقاً لبيانات التقرير، وساعدت هذه الموارد في تمويل استثمارات عمومية وبرامج اجتماعية من دون اللجوء إلى اقتراض إضافي يُثقل كاهل الموازنة.
إلا أن التمييز المهم يكمن في طبيعة العملية ذاتها، بحسب المتحدث، موضحاً أن ما يجري في المغرب ليس "خصخصة" بالمعنى التقليدي للكلمة، حيث تُسلَّم إدارة مؤسسات أو مرافق عمومية للقطاع الخاص بهدف تحسين كفاءتها، بل هو بيع أصول عقارية يحتفظ فيه القطاع العام باستخدامها عبر عقود إيجار طويلة الأمد.
وزاد "بعبارة أخرى، لم يتحول الاستثمار الخاص إلى إدارة أو تطوير هذه الأصول، بل اقتصر دوره على تملكها العقاري، بينما ظلت الدولة مستأجرة في ممتلكاتها السابقة، لذا يمكن القول إن السياسة حققت هدفها المالي المباشر المتمثل في تعبئة الموارد وخفض نسبة الدين، لكن الأدلة على تحقيق هدف تحسين النجاعة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار الخاص المنتج تبقى محدودة، في الأقل بالمرحلة الراهنة".
من جانبه، استبعد المحلل الاقتصادي يوسف الناصري وجود صلة للنجاعة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار بسياسة بيع الأصول، وذلك لأن الاستثمارات تكون مهيكلة وتتبع سياسة اقتصادية واضحة. وأوضح أنه لو كانت تلك السياسة ناجعة لكانت الدول المتقدمة باعت أصولها العقارية منذ زمن طويل، وأن الهدف من بيع الدولة المغربية لأصولها هو فقط الحصول على السيولة لتمويل تظاهرة كأس العالم عام 2030، مشدداً على كون تلك الخطوة تشكل خطأ فادحاً لأن الدولة تبيع الأصل وتكتريه من الجهة نفسها، يعني أن المشتري يحصل على ثمن الأصل مرتين في الأقل، لذا فإن تلك العملية تعد حلاً ترقيعياً يضر بمالية الدولة أكثر مما يُصلحها.
توجه خاطئ
يثير اعتماد المملكة لآلية "التمويلات المبتكرة" الجدل حول مدى صواب تلك السياسة، باعتبار أن الأزمات الداعية إليها كانت مرحلية، لذا كان على الدولة إيجاد حلول بعيداً من منح أصولها العقارية للخواص، التي من شأنها المس بالسياسة الاقتصادية الدولة، باعتبار أن عمليات البيع تلك قد ترهن القرار الاقتصادي المغربي بيد شركات دولية كبرى.
أوضح الباحث في مجال الاقتصاد السياسي عبدالإله الخضري، أن تلك الآلية شرع في اعتمادها في عهد حكومة سعد الدين العثماني (2019 – 2021) كإجراء ظرفي محدود في إعادة الهيكلة المالية لبعض المؤسسات العمومية لم تتعدّ مداخيلها 1.5 مليار دولار، لكن سرعان ما جعلتها حكومة عزيز أخنوش (2022 – 2026) ركيزة "موازناتية" سنوية، قارة ومكثفة، توسعت بصورة غير مسبوقة لتضم البنيات التحتية الاجتماعية والسيادية الحيوية، من مستشفيات جامعية وكليات ومرافق تعليمية ومقرات إدارية.
من ناحيته، أشار المتخصص سمير بوزيد إلى تساؤل بعض المختصين عما إذا كانت الأزمات التي دفعت المغرب إلى اتباع هذا النهج، من جائحة "كوفيد-19" وتداعيات الحرب على أوكرانيا، والجفاف المتكرر، وكلفة إعادة الإعمار بعد زلزال الحوز، كانت أزمات مرحلية يمكن معالجتها بآليات أخرى، مثل الاقتراض المُهيَّأ بشروط موائمة، أو الإصلاح الضريبي، أو ترشيد النفقات الجارية. وأكد أن هذا الطرح يحمل وجهة نظر اقتصادية صحيحة من الناحية النظرية، فالاعتماد على بيع الأصول كمصدر تمويل يعني أن الدولة تستهلك جزءاً من رأسمالها الثابت لتمويل نفقاتها الجارية والرأسمالية، وهو ما يُضعف، نظرياً، قاعدتها الإنتاجية المستقبلية.
لكن، من الناحية العملية، رأى بوزيد أنه يتعين الاعتراف بأن بعض هذه الأزمات لم تكن "مرحلية" بالمعنى الضيق، إذ إن تغير المناخ والجفاف المتكرر ظاهرتان هيكليتان، وكلفة إعادة الإعمار بعد الزلازل تستدعي موارد ضخمة آنية لا يمكن تأجيلها، فضلاً عن ذلك، وفي ظل ضغوط دولية على الموازنة العمومية، كان بيع الأصول "الحل الأسرع" لتفادي الاقتراض المكثف الذي كان سيرفع عبء الدين العام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلص المتخصص المغربي إلى أن "الحل الأسرع" غالباً ما يحمل كلفة على المدى البعيد، والدليل أن صندوق النقد الدولي نفسه، على رغم تفهمه للسياق، يصر على أن الاعتماد على هذه الآلية يجب أن ينتهي بالكامل بحلول 2028، وأن يحل محلها "تقدم في تعبئة الإيرادات والتحكم في النفقات الجارية"، ومن هنا يتبين أن الصندوق يرى في هذه السياسة آلية طوارئ موقتة لا يمكن أن تتحول إلى نمط دائم، كما يضيف.
من ناحيته، أكد بنك المغرب (البنك المركزي) أن آلية "التمويلات المبتكرة" سينتهي العمل بها في عام 2028، لكن ذلك التوقف ستنتج منه إشكالية البحث عن برنامج جديد لتعويضه، في ظل ارتفاع حجم الإنفاق العام، إذ وضع البنك خيارات، منها إصلاح نظام التقاعد، وتوسيع الوعاء الضريبي، وإدماج القطاع غير المهيكل.
تحذير موضوعي
أوضح سمير بوزيد أن تحذير صندوق النقد الدولي في تقرير الـ30 من مارس الماضي، يُعد جاداً وموضوعياً، لكنه ليس "إنذاراً أحمر" بالمعنى الدرامي، ذلك أن الخطر يكمن في ثلاثة محاور رئيسة أولها التزامات الإيجار الطويلة الأمد، إذ أكد التقرير صراحة أن مبيعات الأصول العقارية "ترتب التزامات موازنة طويلة الأمد مرتبطة بأداء الإيجارات"، أي أن كل درهم تم جنيه من بيع أصل اليوم، سيُدفع جزء منه، مع الكلفة الضمنية، على صورة إيجارات لعقود مقبلة ثانيها، جمود الموازنة.
وحذّر الصندوق من أن هذه الالتزامات "يمكن أن تزيد من جمود الموازنة"، وهو ذلك الوضع الذي تصبح فيه نسبة كبيرة من النفقات العامة "مُلزمة" وغير قابلة للخفض (أجور، وديون، وإيجارات، ومعاشات)، مما يُقيّد حرية الحكومة في توجيه الموارد نحو الأولويات المتغيرة.
أما المحور الثالث فيتعلق بالفجوة المستقبلية، إذ مع توقع انخفاض موارد المبيعات من 2.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي 2025 إلى الصفر بحلول 2028، يحذر الصندوق من أنه "سيكون من الضروري تحديد أولويات النفقات الجارية والرأسمالية، ومواصلة خفض الدعم تدرجاً، وتنفيذ إصلاحات المؤسسات العمومية ونظام التقاعد".
وبالمجمل، يمكن القول، بحسب المتحدث، إن التحذير جدي من الناحية الهيكلية، لكنه يأتي في سياق "توصيات" وليس "تهديدات"، إذ يعترف الصندوق بالحاجة الموقتة إلى هذه السياسة ويُشيد بالتزام السلطات بإنهائها تدرجاً، غير أنه يرى أن الكلفة المخفية قد تفوق المنفعة المالية المباشرة، وبخاصة إذا لم تُحسَّن كفاءة الإنفاق العام.
من ناحيته، شدد المتخصص الاقتصادي يوسف الناصري على جدية تحذير صندوق النقد الدولي، موضحاً أن "الحل هو استجابة آنية للسيولة على حساب النجاعة المالية، كان بإمكان الدولة أن تعطي للقطاع الخاص بناء الملاعب واكتراءها كما تفعل دول عدة، لكن للأسف لا توجد هناك دراسة جدوى لتنظيم كأس العالم كما فعلت إسبانيا والبرتغال وغالبية الدول التي نظمت المونديال، لأن تنظيم تلك التظاهرة هو استثمار ووجب الأخذ به كمشروع اقتصادي".