Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المجتمع الإيراني "المصاب بـصدمة" يراوده الأمل

طبيب نفسي يقول إن الضغوط المتواصلة والتجارب المتكررة المسببة لانعدام الأمان لا تمنح الأفراد فرصة للتعافي والعودة لحياتهم الطبيعية

الناس لم يعُد لديهم حتى مزاج للشجار أو الانفعال (أ ف ب)

ملخص

بناء على تجاربه المباشرة مع واقع المجتمع الإيراني اليوم، يقول الطبيب إنه يلاحظ بوضوح أن الناس يمنحون بعضهم بعضاً الأمل في أن الأيام الصعبة تقترب من نهايتها، وأن تغييراً كبيراً بات وشيكاً. ويرى أن هذا الشعور بالأمل هو ما عزز قدرة المجتمع على الصمود.

"حوّل النظام الإيراني الحياة في إيران إلى أشغال شاقة، فهو يتدخل حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية. تخرج من المنزل للتسوق فتواجه الغلاء والتضخم. تريد إرسال رسالة عبر ’واتساب‘ أو الاطلاع على بعض المنشورات في ’إنستغرام‘، فتجد حجب الإنترنت أمامك. وإذا اضطررت إلى مراجعة طبيب أو مركز صحي، فقد تصبح مشكلات العلاج أحياناً أشد إنهاكاً من المرض نفسه. وحتى الملابس التي تريد ارتداءها لا تملك دائماً حرية اختيارها. وربما تخرج لشراء شيء بسيط من آخر الشارع، فيوقفك عنصر من ’الباسيج‘ ويفتش هاتفك بكل ما يحويه من أمور خاصة. هل يمكن العيش بهدوء في مثل هذه الظروف؟ الناس غاضبون بشدة، وحزينون ومستنزفون نفسياً، وربما لا يزال الأمل في تغيير الأوضاع هو الأمر الوحيد الذي يبقيهم صامدين".

هذه شهادة أحد سكان شرق طهران الذي يؤكد أن تراكم الضغوط والمشكلات والمتاعب التي تفرضها السلطة على الناس وضع المجتمع أمام مستويات مرتفعة من القلق والاستنزاف النفسي والغضب، إلى درجة أنه أينما نظرت، بين كبار السن والشباب وحتى الأطفال، تكاد لا تجد أحداً في حال جيدة. ويضيف أن هذا الوضع أصبح أكثر وضوحاً وتصاعداً بعد أحداث القتل التي شهدها يناير (كانون الثاني) الماضي.

ويصف طبيب نفسي مقيم في طهران الحال النفسية للمجتمع الإيراني في الظروف الحالية، قائلاً "ما أراه حولي وبين مراجعي هو نوع من أنواع الصدمة النفسية الجماعية والمتراكمة، إذ إن المجتمع تعرض بصورة متعاقبة لصدمات تبدأ بالغلاء والفقر، مروراً بأحداث القتل في يناير الماضي، ثم الإعدامات والقمع. المجتمع يعاني صدمة عميقة، أو ما يمكن وصفه بأنه مجتمع مصاب بالصدمة النفسية".

وبحسب هذا الطبيب، فإن الضغوط المستمرة والتجارب المتكررة التي تهدد الإحساس بالأمان لا تمنح الأفراد فرصة للتعافي والعودة للوضع الطبيعي. ويذكر أن كثيراً من مراجعيه يعانون إنهاكاً شديداً وقلقاً مزمناً واضطرابات في النوم وتراجعاً في التركيز وشعوراً عميقاً بالعجز، وأن عدم القدرة على توقع ما سيحدث يجعل العقل والجسد لدى كثر في حال تأهب دائم.

وعلى رغم الحال النفسية المقلقة التي يعيشها كثير من الإيرانيين، فإن كلفة العلاج النفسي مرتفعة إلى حد يجعل أعداداً كبيرة تستبعده تماماً من نفقاتها. ويردف الطبيب أنه يعرف أشخاصاً لا يملكون حتى ثمن شريط واحد من الدواء، في وقت لا يجد كثير من المرضى، بسبب شدة القلق وتأثيره في حياتهم اليومية، بديلاً عن العلاج الدوائي.

ويمتد هذا الوضع ليطاول المعالجين أنفسهم أيضاً، فيقول "نحن أنفسنا وكثير من زملائنا وصلنا إلى حال من العجز والاستنزاف النفسي. المعالج ليس خارج هذا المجتمع، فهو يعيش المخاوف نفسها، ويقلق على أسرته، ويواجه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ذاتها. كما يشعر بالعجز عندما يرى أن قدرته على مساعدة الآخرين محدودة للغاية".

وخلال حديثه عن آثار أحداث القتل في يناير الماضي على أذهان الناس وحياتهم، يضيف "منذ أشهر أرى بوضوح أن الخوف من الفقد وقلق الانتظار ازدادا بشدة بين العائلات، ولا سيما الأسر التي لديها أبناء وبنات شباب".

ويوضح أن بين مراجعيه آباء وأمهات يؤكدون أنهم عندما يتأخر أبناؤهم الشباب في العودة للمنزل، يتبادر إلى أذهانهم تلقائياً أنهم ربما اعتُقلوا أو تعرضوا لمكروه، مما يجعل هذا القلق المستمر يعطل حياتهم.

ويرجح الطبيب أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى سرعة الاستثارة والسلوك العدواني والانسحاب الاجتماعي والاستنزاف النفسي الشديد، قائلاً "المجتمع مصاب بالصدمة، لكنه لم يخرج بعد من البيئة التي تسبب هذه الصدمة حتى تبدأ عملية التعافي".

الصدمة والقلق الجماعي

يظهر الخوف المستمر من فقدان الأحبة بوضوح في رواية أم لديها ابن يبلغ من العمر 18 سنة، وتحكي أنه في كل مرة يتأخر فيها ابنها في العودة للمنزل، يذهب ذهنها مباشرة إلى أسوأ الاحتمالات، وتعود أمام عينيها صور الشبان الذين قُتلوا خلال الاحتجاجات أو أُعدموا بعد اعتقالهم.

وتضيف أنه "إذا لم يرد على هاتفه أو تأخر بضع دقائق، أفقد القدرة على التفكير بصورة منطقية. أقول لنفسي ربما اعتقلوه، أو ربما أطلقوا النار عليه، أو ربما حدث أمر لا نعرف عنه شيئاً حتى الآن. تحولت هذه الفكرة إلى هاجس دائم، وهو أن ما حدث لأولئك الشبان قد يحدث عاجلاً أم آجلاً لابني".

وتتابع أن "قلق الأسر في السابق كان يتمحور حول كيفية توفير ثمن الملابس والطعام وحاجات الأبناء، أما اليوم فتجاوز كثير منا تلك المرحلة. لم نعُد نقلق فقط من العجز عن شراء الملابس لأطفالنا، بل نخشى، في ظل وجود النظام الإيراني، أن نفقد أبناءنا في أية لحظة".

ويقول الطبيب النفسي في طهران إن نوع القلق الذي يعيشه الآباء والأمهات اليوم لا يمكن اعتباره مجرد قلق اعتيادي من الوالدين على أبنائهم، بل يشبه نمطاً من "القلق الاستباقي".

وفي هذه الحالة، يتوقع الشخص وقوع كارثة قبل حدوث أي شيء، ويواصل ذهنه بصورة متكررة بناء سيناريوهات تهديدية. ومن الممكن أن يتحول تأخر قصير، أو عدم الرد على الهاتف، أو سماع صوت إطلاق نار أو سيارة إسعاف، إلى محفز يعيد بصورة لا إرادية صور اعتقال الشباب أو مقتلهم أو إعدامهم للذاكرة.

وتبقي هذه الأفكار المقتحمة للجهاز العصبي في حال تأهب حتى عندما لا توجد علامة محددة على وجود خطر فعلي.

وبحسب هذا الاختصاصي، فإن المجتمع الذي تتكرر فيه أخبار الاعتقال والقتل وأحكام الإعدام بحق الشباب يفقد تدريجاً الحدود بين "الخوف غير الواقعي" و"الإحساس بالخطر المبني على التجربة".

فذهن الأب أو الأم يستند إلى النماذج التي شاهدها سابقاً في المجتمع ويسقطها على حياة ابنه أو ابنته. ولذلك لا يمكن وصف هذا الوضع بأنه مجرد "وسواس فكري" أو رد فعل فردي، فربما يكون نتيجة التعرض الطويل لانعدام الأمان والأخبار العنيفة وتجارب الفقد التي لا تزال حية في الذاكرة الجماعية للمجتمع.

ويقول الطبيب "استمرار هذا الوضع يقود إلى فرط اليقظة، وهي حالة يراقب فيها الشخص باستمرار هاتفه والساعة والأخبار وحركة أفراد أسرته، ولا يشعر بالأمان حتى داخل منزله. والجسد بدوره يتفاعل مع هذه الحالة، فتظهر أعراض مثل خفقان القلب والأرق وتشنج العضلات واضطراب التركيز وسرعة الاستثارة ونوبات القلق".

ويضيف أن "في مثل هذه الظروف، بدلاً من أن يخصص الجهاز النفسي طاقته للحياة اليومية والعلاقات العاطفية والتخطيط للمستقبل، فإنه يستهلك قسماً كبيراً منها في رصد خطر قد يظهر في أية لحظة ومحاولة التصدي له".

ويشير الطبيب إلى أن آثار هذا القلق لا تقتصر على الأم وحدها، فالمراقبة المستمرة للاتصالات وحركة الأبناء والإصرار على بقائهم في المنزل والتحذيرات المتواصلة، قد تمتد إلى العلاقة بين الوالدين والأبناء.

ومن الممكن أن تدفع رغبة الأم في حماية ابنها إلى تقييد حريته واستقلاله من دون قصد، بينما يجد الابن نفسه عالقاً بين الشعور بالمسؤولية تجاه قلق أسرته والرغبة في مواصلة حياته الاجتماعية.

وهكذا، يمكن للقمع السياسي، حتى من دون دخول عناصر الأمن إلى المنزل بصورة مباشرة، أن يتسلل إلى أكثر العلاقات العائلية خصوصية، ويحوّل الخوف إلى عنصر دائم في الحياة اليومية.

الضغط النفسي الناتج من اختلال التوازن بين الدخل والنفقات

ويصف رجل من سكان مشهد المجتمع الإيراني اليوم بأنه عالق في مزيج من اليأس وانعدام الأمان والعجز، وهو مجتمع فقد الثقة تماماً بالمسؤولين الحكوميين، ويزداد انعزالاً يوماً بعد يوم تحت ضغط الفجوة المتنامية بين الدخل وكلف المعيشة.

ويقول "الناس لم يعُد لديهم حتى مزاج للشجار أو الانفعال. ربما كانت الضغوط في السابق تؤدي إلى الغضب والمواجهات، أما الآن، وبالمعنى الحقيقي للكلمة، فقد انكفأ الجميع على أنفسهم. في الشارع ومكان العمل ووسائل النقل العامة ترى الناس صامتين، وكل شخص غارق في أفكاره. وكأن المجتمع تجاوز حتى مرحلة الغضب ووصل إلى العجز".

ويضيف أن عدم التوازن بين الدخل والنفقات والعجز عن توفير أبسط متطلبات الحياة استنزفا الطاقة النفسية للناس "كل يوم يحسب الناس ما الذي يتعين عليهم حذفه من حياتهم، ومع ذلك لا تكفي مداخيلهم لتغطية نفقاتهم. لا توجد لديهم خطط للمستقبل، لأنهم لا يعرفون حتى ماذا سيحدث الأسبوع المقبل أو الشهر المقبل. وكأن الجميع انكمشوا داخل أنفسهم، ولا يفعلون سوى انتظار غد قد تتغير فيه الأوضاع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإضافة إلى العزلة والاستنزاف، تظهر في المجتمع مؤشرات إلى نوع من التضامن الخفي، وهو تضامن قد يدفع الخلافات الشخصية إلى الهامش عند مواجهة قوات السلطة.

ويروي شاب من سكان طهران، لتوضيح هذه الحالة، واقعة شجار في الشارع بين أحد أصدقائه وشاب آخر في عمره.

ويقول "كان صديقي يتشاجر في الشارع مع شاب لا يعرفه أصلاً. وعندما اقترب عدد من عناصر ’الباسيج‘ لمعرفة ما يجري، توقف الاثنان فجأة عن الشجار وقالا لـ’الباسيج‘ معاً ’هذا لا يعنيكم‘، وكأنهما نسيا خلال لحظة أنهما كانا يقفان ضد بعضهما قبل ثوانٍ، ووقفا معاً في مواجهة عناصر ’الباسيج‘".

ويضيف أن الواقعة بدت له ولأصدقائه غريبة إلى درجة أنهم ظلوا يتحدثون عنها فترة طويلة، "لم يكُن الأمر أن الشخصين تصالحا. وربما لو لم يأتِ عناصر ’الباسيج‘ لاستمر شجارهما، لكن وجود قوة حكومية ذكّرهما فجأة بأن الخلاف الأساس في مكان آخر. ربما كان بينهما خلاف، لكن أياً منهما لم يكُن يريد السماح لـ’الباسيج‘ بالتدخل".

ويرى هذا الشاب أن مثل هذا السلوك يكشف عن أن المجتمع، على رغم الخلافات الفردية والضغوط الاقتصادية والاستنزاف النفسي، وصل إلى نوع من الإدراك الجماعي في تحديد ما يُعدّه "عدواً مشتركاً".

ويقول "قد يختلف الناس في الشارع أو مكان العمل أو حتى داخل الأسرة، لكن عندما يتعلق الأمر بالحكومة وقوات القمع، تتغير فجأة الحدود بين القريب والغريب. شخصان لا يعرف أحدهما الآخر قد يقفان إلى جانب بعضهما في مواجهة قوة حكومية".

وفي تحليله لهذه الرواية، يشرح الطبيب النفسي في طهران أن "هذه الحكاية تكشف عن وجه آخر للوضع المعقد في المجتمع الإيراني، مجتمع يبدو أفراده ظاهرياً متفرقين وصامتين ومنشغلين بمشكلاتهم الشخصية، لكنهم يتلاحمون سريعاً عندما يواجهون خصماً جماعياً".

ويضيف أن هذا التضامن ليس منظماً أو معلناً بالضرورة، بل يشبه اتفاقاً غير مكتوب تشكل بفعل التجربة المشتركة مع التدخل والقمع، ويظهر في مواقف غير متوقعة.

وفي مثل هذه الظروف، قد تضع الخلافات اليومية الناس في مواجهة بعضهم بعضاً، لكن ظهور ممثلي السلطة يمكن أن يذكّرهم سريعاً بالمصدر الأكبر لعدم رضاهم، ويدفع الخلاف الشخصي إلى الهامش.

وبناء على تجاربه المباشرة مع واقع المجتمع الإيراني اليوم، يقول الطبيب إنه يلاحظ بوضوح أن الناس يمنحون بعضهم بعضاً الأمل في أن الأيام الصعبة تقترب من نهايتها، وأن تغييراً كبيراً بات وشيكاً، ويرى أن هذا الشعور بالأمل هو ما عزز قدرة المجتمع على الصمود.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير