ملخص
تكشف الإفادات التي وثقتها جهات حقوقية عن تعدد أنماط الاحتجاز، بما في ذلك الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمان المعتقل من التواصل مع أسرته أو محاميه، إلى جانب حالات تنكر فيها الجهات المحتجزة وجود الشخص لديها أو ترفض الكشف عن مصيره ومكان وجوده. وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح الغياب مجرد فقدان للاتصال، وإنما قد يأخذ طابع الاختفاء القسري وفق المعايير الدولية.
في الحروب، قد يكون الموت خبراً قاسياً لكنه واضح، بينما يترك الاختفاء القسري الأسر أمام سؤال بلا إجابة، أين ذهب الشخص؟ ومنذ اندلاع الحرب في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في منتصف أبريل (نيسان) 2023، وثقت جهات حقوقية حالات احتجاز سري واختفاء قسري، وسط عجز أسر كثيرة عن معرفة مصير ذويها أو أماكن وجودهم.
ويعرّف القانون الدولي الاختفاء القسري بأنه احتجاز شخص ثم إخفاء مصيره أو مكان وجوده، بما يحرمه من حماية القانون. وفي السودان، تتداخل هذه الحالات مع الاعتقال السري والاختطاف وفقدان الأشخاص أثناء النزوح، مما يصعّب حصر الحالات وتحديد المسؤوليات.
أنماط الاختفاء
لم تعد حالات الاختفاء في السودان مرتبطة فقط بأشخاص انقطعت أخبارهم أثناء المعارك أو النزوح، بل بات بعضها يبدأ من لحظة احتجاز واضحة، ثم يتحول تدرجاً إلى غياب لا تملك الأسرة في شأنه أي معلومة رسمية حيث يُقتاد الشخص من منزله أو مكان عمله أو إحدى نقاط التفتيش، ثم ينقطع الاتصال به، ولا تعرف أسرته الجهة التي نقلته إليها أو المكان الذي يُحتجز فيه.
وتكشف الإفادات التي وثقتها جهات حقوقية عن تعدد أنماط الاحتجاز، بما في ذلك الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمان المعتقل من التواصل مع أسرته أو محاميه، إلى جانب حالات تنكر فيها الجهات المحتجزة وجود الشخص لديها أو ترفض الكشف عن مصيره ومكان وجوده. وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح الغياب مجرد فقدان للاتصال، وإنما قد يأخذ طابع الاختفاء القسري وفق المعايير الدولية.
في السياق، أوضح الباحث في قضايا الاختفاء القسري مالك السيد أن "المشكلة الأساسية في مثل هذه الحالات تبدأ عندما يُحرم الشخص من الضمانات التي يفترض أن ترافق أي عملية احتجاز، وفي مقدمها تسجيل واقعة الاعتقال، وتحديد الجهة المسؤولة عنه، وإبلاغ الأسرة بمكان وجوده، وتمكينه من التواصل مع محاميه"، وأضاف السيد "الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي يمثل بيئة شديدة الخطورة، لأن غياب المعلومات يفتح المجال أمام الانتهاكات، ويجعل التحقق من ظروف الاحتجاز أو الحالة الصحية للمحتجز أمراً بالغ الصعوبة. وعندما تنكر الجهة المسؤولة وجود الشخص لديها، أو ترفض الإفصاح عن مكانه ومصيره، تنتقل القضية من مجرد احتجاز غير معلن إلى مستوى أكثر خطورة، خصوصاً إذا توافرت عناصر أخرى تنطبق عليها معايير الاختفاء القسري".
وبين السيد أن "الحرب في السودان جعلت عملية التحقق أكثر تعقيداً بسبب انهيار أو تعطل أجزاء من المؤسسات الرسمية، وتعدد مراكز النفوذ والسيطرة، وانتقال المحتجزين بين مواقع مختلفة. وفي بعض الحالات قد تحصل الأسرة على معلومات من أشخاص كانوا في المكان نفسه أو من أفراد داخل مؤسسات رسمية أو أمنية، لكن هذه المعلومات تظل بحاجة إلى التحقق، ولا يمكن اعتبارها بديلاً من السجل الرسمي الذي يحدد مكان الشخص ووضعه القانوني"، واستطرد أن "البحث عن المختفين يحتاج إلى آلية مركزية تجمع البلاغات وتطابق المعلومات بين الأسر والمستشفيات والسجون ومراكز الشرطة والجهات العسكرية والأمنية، ويتطلب حفظ الأدلة التي يمكن أن تساعد مستقبلاً في تحديد المسؤولية، بما في ذلك شهادات الشهود، وتوقيت الاعتقال، ومكانه، وأسماء الأشخاص الذين شاركوا فيه، وأي معلومات عن المواقع التي يُعتقد أن المحتجز نُقل إليها"، وأكد الباحث في قضايا الاختفاء القسري أن "مرور الوقت لا يقلل من أهمية البحث، بل يجعله أكثر إلحاحاً، لأن الأدلة قد تختفي، والشهود قد يفترقون، والمواقع قد تتغير، في وقت تظل الأسرة من دون إجابة، لذلك فإن التعامل مع حالات الاختفاء لا ينبغي أن ينتظر انتهاء الحرب، وإنما يحتاج إلى توثيق مستمر منذ اللحظة الأولى لغياب الشخص".
مصير مجهول
في يونيو (حزيران) 2025، اقتحم مسلحون منزل أحمد واقتادوه بعد الاعتداء عليه واتهامه بالتعاون مع الطرف الخصم. وحاولت الأسرة معرفة المكان الذي نُقل إليه، إلا أن أحد المسلحين أبلغها، وفق إفادة شقيقه، بأن عليها المضي قدماً وأن شقيقه لن يعود.
لم يكن لدى الأسرة بعد ذلك مسار واضح للبحث، لا جهة رسمية تؤكد مكان احتجازه، ولا معلومات موثوقة تحدد مصيره، وحتى الآن مصيره مجهول.
وقال السيد إن "هذه الحالة، التي وثقتها المنظمات الحقوقية، تختصر مأزق أسر كثيرة، فلحظة الاقتياد قد لا تستغرق سوى دقائق، لكن البحث عن الشخص يمكن أن يمتد أشهراً أو أعواماً. وبين سؤال وآخر، تضطر الأسرة إلى ملاحقة أي خيط محتمل، كالاتصال بمعارف، والسؤال في مراكز الاحتجاز والمستشفيات، والبحث عن شهود، والتواصل مع محامين ونشطاء، أملاً في الوصول إلى معلومة واحدة يمكن أن تقود إلى مكان الغائب"، وتابع "في حالات الاختفاء، لا تكمن المعاناة فقط في غياب الشخص، وإنما في غياب المعلومة أيضاً، فحتى عندما تصل الأسرة إلى خبر عن مكان محتمل للاحتجاز، تظل بحاجة إلى التأكد من أن الشخص موجود فعلاً هناك، ومعرفة حالته ومصيره والجهة المسؤولة عنه"، واختتم السيد قائلاً إن "هذه الشهادة توضح كيف يتحول الاحتجاز المعلن جزئياً إلى اختفاء عندما تتضارب المعلومات بين الجهات، أو تتوقف إحدى الجهات عن الاعتراف بوجود المحتجز لديها".
أسر معلقة
بالنسبة إلى عائلة المختفي، لا ينتهي الاختفاء عند لحظة اقتياده، بل يبدأ منها نوع آخر من المعاناة. فالأسرة لا تستطيع التعامل مع الشخص باعتباره متوفى، لأنها لا تملك دليلاً على وفاته، وفي الوقت نفسه لا تستطيع معاملته باعتباره حياً، لأنها لا تعرف مكانه ولا حالته الصحية ولا ظروف احتجازه، وهذه المنطقة الرمادية تترك الأسرة في حالة انتظار مستمرة.
في السياق، قال الناشط الحقوقي الرشيد جمعة "الأثر الذي يتركه اختفاء شخص في أسرته لا يرتبط فقط بغياب المعلومات، وإنما بما يمكن وصفه بحالة عدم اليقين المستمرة. فوفاة الشخص، على قسوتها، تمنح الأسرة في النهاية معلومة يمكن التعامل معها قانونياً واجتماعياً، بينما يُبقي الاختفاء القسري الأسرة أمام احتمالات مفتوحة لا تستطيع حسمها، لذلك تظل الأسرة في حالة بحث وانتظار، خصوصاً عندما لا تتلقى إخطاراً رسمياً بمكان وجود الشخص أو ظروف احتجازه أو مصيره"، وأردف جمعة "يزداد هذا العبء في سياق النزاع المسلح، إذ تتداخل عوامل عدة تجعل الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة. فقد تتغير السيطرة على المناطق ومقار الاحتجاز، وقد تنتقل مسؤولية المحتجز من جهة إلى أخرى، ويمكن أن تتعطل المؤسسات التي يفترض أن تحتفظ بسجلات المعتقلين أو تستجيب لاستفسارات ذويهم. ويؤدي النزوح الجماعي وانقطاع الاتصالات وتشتت أفراد الأسرة إلى إضعاف قدرتهم على جمع المعلومات والتحقق منها"، وواصل أن "الأسر غالباً ما تعتمد في بداية البحث على شبكاتها الشخصية، فتسأل الأقارب والجيران، وتبحث في المستشفيات ومراكز الشرطة ومقار الأجهزة الأمنية، وتحاول التواصل مع محامين أو ناشطين أو أشخاص لديهم صلات داخل المؤسسات، غير أن تعدد مصادر المعلومات لا يعني بالضرورة الوصول إلى الحقيقة، إذ قد تتلقى الأسرة روايات متناقضة في شأن مكان الشخص أو الجهة التي تحتجزه أو حتى وضعه الصحي"، وزاد "تكمن خطورة هذه المعلومات غير المؤكدة في أنها قد تتحول إلى دورة متكررة من الأمل والخيبة، فعندما تصل معلومة عن رؤية المختفي في مكان معين، قد تبدأ الأسرة إجراءات البحث على أساسها، ثم تكتشف أن الشخص الذي قدم المعلومة أخطأ في التعرف إليه أو أن المعلومات قديمة، وفي حالات أخرى، قد تكون المعلومة صحيحة جزئياً، لكنها لا تكفي لمعرفة مكان المحتجز أو مصيره الحالي".
ورأى جمعة أن "هذا التأثير لا يقتصر على الجانب النفسي، إذ يمكن أن تترتب على الاختفاء أعباء اجتماعية واقتصادية وقانونية، فقد تكون الأسرة غير قادرة على اتخاذ قرارات تتعلق بممتلكات المختفي أو التزاماته، وقد تضطر إلى تحمل أعباء مالية إضافية نتيجة السفر المتكرر والبحث والاستعانة بمحامين أو وسطاء للوصول إلى المعلومات"، ومضى الناشط الحقوقي في القول "من منظور حقوقي، فإن مسؤولية البحث عن المختفي لا ينبغي أن تقع على عاتق الأسرة وحدها، فوجود ادعاء باختفاء شخص يفرض على السلطات المختصة واجب التحري والبحث وتوفير المعلومات، وضمان قدرة الأسرة على معرفة مكان وجوده ووضعه القانوني، بما يتوافق مع الالتزامات الدولية المتعلقة بحالات الاختفاء القسري. وكلما طال غياب المعلومات الرسمية، أصبحت الأسرة أكثر عرضة للإشاعات والمعلومات المضللة، واتسعت الفجوة بين ما تعرفه عن قريبها وما تحتاج إلى معرفته لتحديد مصيره، لذلك، فإن معالجة معاناة الأسر تبدأ من الاعتراف بحقها في معرفة الحقيقة، ومن إنشاء آليات موثوقة لتلقي البلاغات وتسجيل حالات المفقودين والمختفين، والتحقق من أماكن الاحتجاز، ومطابقة المعلومات المتعلقة بالمستشفيات ومراكز الاحتجاز والوفيات"، وأكد أنه "بالنسبة إلى الأسرة، فإن العثور على الشخص لا يمثل نهاية البحث وحسب، بل يمثل أيضاً نهاية حالة الانتظار التي قد تستمر أشهراً أو أعواماً من دون إجابة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توثيق معقد
لا تبدأ معاناة أسر المختفين عند البحث عن ذويهم فقط، بل تمتد إلى محاولة إثبات ما حدث لهم. ففي كثير من الحالات لا تمتلك الأسرة وثيقة تؤكد الاعتقال، ولا تعرف الجهة التي اقتادت الشخص أو مكان احتجازه، مما يجعل توثيق الواقعة نفسها مهمة شاقة، خصوصاً في ظل الحرب وتضرر مؤسسات الدولة وتعدد الجهات المسيطرة على مناطق مختلفة.
في السياق، أشار جمال الدين سامي، المتخصص في توثيق الانتهاكات، إلى أن "إحدى أبرز مشكلات حالات الاختفاء القسري هي أن عملية التوثيق تبدأ غالباً من نقطة تفتقر فيها الأسرة إلى المعلومات الأساسية. فغياب أمر الاعتقال أو سجل الاحتجاز لا يعني أن الواقعة لم تحدث، لكنه يجعل إثباتها أكثر تعقيداً، ويزيد الحاجة إلى جمع الأدلة غير المباشرة، مثل شهادات شهود العيان، ورسائل التواصل، والمعلومات التي حصلت عليها الأسرة من جهات مختلفة"، وأضاف سامي أن "التوثيق في ظروف الحرب لا يقتصر على تسجيل اسم الشخص وتاريخ اختفائه، وإنما يتطلب بناء ملف متكامل يمكن مراجعته والتحقق من تفاصيله لاحقاً، ويشمل ذلك تحديد آخر مكان شوهد فيه الشخص، والجهة التي اقتادته إن أمكن، وأسماء الشهود، وأي معلومات عن أماكن احتجازه المحتملة أو عمليات نقله"، ورأى أن "صعوبة هذه المهمة تزداد عندما تكون المؤسسات الرسمية متضررة أو عندما تتغير السيطرة على المناطق، إذ قد لا تتمكن الأسرة من الوصول إلى السجلات أو الحصول على إجابة من جهة واحدة، وتضارب المعلومات بين الأجهزة أو الجهات المختلفة قد يؤدي إلى تسجيل بيانات غير مكتملة أو متناقضة"، ونوه إلى أنه "بموجب المعايير الدولية، تقع على السلطات مسؤولية تسجيل الأشخاص المحرومين من حريتهم، وإتاحة المعلومات المتعلقة بمكان وجودهم ومصيرهم لأسرهم ومحاميهم، وليس تحميل الأسرة وحدها عبء إثبات الواقعة والبحث عن المحتجز، لذلك، فإن وجود آليات موحدة لاستقبال البلاغات وتحديث سجلات المفقودين والمحتجزين والتحقق من المعلومات يمثل خطوة أساسية في التعامل مع ملف الاختفاء القسري". وخلص المتخصص في توثيق الانتهاكات إلى القول "في الحالة السودانية، يصبح التوثيق أكثر أهمية لأنه لا يخدم البحث عن المختفين فقط، وإنما يحافظ أيضاً على الأدلة التي قد تكون ضرورية مستقبلاً لكشف مصيرهم وتحديد المسؤوليات وتحقيق العدالة".
عدالة غائبة
لا ينتهي ملف الاختفاء القسري بمجرد العثور على الشخص أو معرفة مصيره، فالأسرة تحتاج أيضاً إلى معرفة ما حدث له، ومن المسؤول عنه، وما إذا تعرض للتعذيب أو القتل أثناء احتجازه، ويزداد تعقيد الوصول إلى العدالة في السودان مع استمرار الحرب وتراجع قدرة المؤسسات الرسمية والقضائية على العمل في مناطق واسعة.
في هذا الإطار، رأى المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان نجيب القاضي أن "قضية الاختفاء القسري لا تتعلق فقط بحرمان شخص من حريته، وإنما بإنكار المعلومات المتعلقة بمكان وجوده أو مصيره، مما يجعل المسؤولية القانونية مرتبطة أيضاً بواجب الدولة في البحث والتحقيق والكشف عن الحقيقة"، وتابع القاضي أن "العدالة تشمل في هذه الحالات معرفة ما إذا كان الشخص محتجزاً، وأين يوجد، والجهة التي تحتجزه، والظروف التي يعيش فيها، إضافة إلى التحقيق في أي ادعاءات تتعلق بالتعذيب أو سوء المعاملة أو الوفاة، ولا يفترض أن تتحمل الأسرة وحدها مسؤولية البحث، لأن السلطات المختصة مطالبة باتخاذ إجراءات فعالة فور تلقي معلومات عن شخص مفقود أو محتجز"، وبين أنه "في السودان، تجعل الحرب هذه الإجراءات أكثر صعوبة بسبب تضرر المؤسسات وتعدد الجهات المسلحة وتغير السيطرة على المناطق، وقد تواجه الأسر عوائق في تقديم البلاغات أو الوصول إلى المحامين أو الحصول على معلومات رسمية عن المحتجزين"، ولفت إلى أن "تعقيدات الحرب لا تلغي الحاجة إلى حفظ الملفات والأدلة، فكل بلاغ يوثق، وكل شهادة تحفظ، وكل معلومة يجري التحقق منها يمكن أن تصبح لاحقاً جزءاً من ملف يساعد في تحديد المسؤولية، ولهذا تظل آليات التوثيق المستقلة وحماية الشهود والأسر ضرورية، حتى عندما يتعذر إجراء تحقيق قضائي كامل في الوقت الراهن"، وانتهى المتخصص في القانون الدولي وحقوق الإنسان إلى القول "تكمن أهمية ذلك أيضاً في منع تحول الاختفاء إلى واقعة بلا أثر قانوني. فمع مرور الوقت قد تضيع الأدلة، ويتعذر الوصول إلى الشهود، وتتغير أماكن الاحتجاز، ويصبح تحديد المسؤولين أكثر صعوبة. لذلك فإن العدالة تبدأ أحياناً قبل المحاكمة، من خلال تسجيل الواقعة وحفظ الأدلة ومعرفة مصير الضحية".