ملخص
بدأت حركة صائدي المتحرشين في بريطانيا بمبادرة فردية عام 2009، أطلقها رجل يعمل تحت اسم مستعار، وتحولت إلى شبكة تجاوزت 150 فريقاً، نفذت 1148 مواجهة مصورة عام 2021، وتكشف الأرقام أن الشرطة التي تحذر من هذه الجماعات علناً صارت تعتمد على أدلتها، وبين حكم قضائي أجاز استخدام هذه الأدلة، وأحكام سجن نالها صيادون تجاوزوا الخط، تتسع مساحة رمادية بين محاكمة تبث مباشرة، وأخرى تنعقد بعد شهور.
يفتتح مارك دي روند كتابه "العدالة المظلمة: داخل عالم صيادي المتحرشين" (Dark Justice: Inside the World of Pedophile Hunters) بليلة في لندن، فريق يطلق على نفسه اسم "كوبرا" اختصاراً لعبارة "أطفال على الإنترنت يقاومون الإساءة"، يستعد لمواجهة رجل جمعت ضده إحدى طعوم الفريق، وهي بالغة تنتحل شخصية طفلة، ما يوازي 20 غيغابايت من المحادثات والصور، ويقود المجموعة رجل يعرف باسم "جاي"، ويتحرك معها الباحث من منزل إلى آخر، في مطاردة تنتهي من دون هدفها تلك الليلة.
الكتاب يستند إلى ملازمة المؤلف لـ "صيادي المتحرشين" من 2018 إلى 2022، وإلى تحليل 356799 كلمة من محادثات الفريق الداخلية، و831 صفحة من ملاحظات ميدانية ومقابلات، وهو أوسع عمل أكاديمي حتى الآن على جماعة من هذا النوع في بريطانيا.
وما يجعل الكتاب مادة سياسية لا أدبية فقط أن صاحبه لا يُدين ولا يُمجد، فهو ينقل عن أفراد الفريق شعورهم بأنهم "خط الدفاع الأخير"، في مجتمع تخلت مؤسساته عن واجبها، وينقل في المقابل شهادات أقارب لأشخاص جرى دهم منازلهم، ووصفوا رعبهم من غرباء يطرقون الباب ويطالبون بخروج أحد أفراد الأسرة أمام كاميرا مفتوحة، وفي إحدى العمليات التي رافقها الباحث، أقدم رجل مسنّ على الانتحار بعد اتهامه.
الموقف الرسمي لم يتغير في جوهره منذ 10 أعوام، ففي عام 2017، قال المسؤول الوطني عن حماية الطفل في "مجلس قادة الشرطة الوطني" سايمون بايلي لـ "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، إن جماعات الاقتصاص الذاتي "تعرض حياة الأطفال للخطر"، وفي سبتمبر (أيلول) من العام نفسه، تحدثت مفوضة شرطة العاصمة آنذاك كريسيدا ديك عن "مخاوف جدية" إزاء نشاطها، لكنها أقرت بأن الشرطة لا تستطيع تجاهل أعداد الإدانات التي أثمرتها، ولم تستبعد تعاوناً محدوداً.
وبعد عامين، اتخذ مساعد رئيس الشرطة داني فايزوفيتش، المسؤول في المجلس نفسه عن ملف الجماعات الناشطة في مجال الاستغلال الجنسي للأطفال عبر الإنترنت، لهجة أقسى، إذ اتهم بعض جماعات "صائدي المتحرشين" بارتكاب جرائم ابتزاز وتهديد وعنف بحق من تستهدفهم، وقال إنها حين تزعم أنها تعمل لمصلحة الأطفال، فإنها في الغالب تعمل لمصلحة نفسها، ولرغبتها في تضخيم ذاتها.
وعلى رغم ذلك لم تتوقف الظاهرة عن التمدد، فقد بدأت بشخص واحد يعمل تحت اسم مستعار هو "ستينسون هنتر"، من كوفنتري في إنجلترا، وتشير تقارير صحافية إلى أنه أطلق نشاطه من غرفة نومه عام 2009، غير أن أسلوبه لم يتبلور في شكله المعروف إلا بين عامي 2012 و2014، حين حول عمليات الاستدراج والمواجهة إلى مادة مصورة تُنشر على الإنترنت.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2014، عرض فيلم وثائقي عنه بعنوان (The Paedophile Hunter) "صياد المتحرشين"، ونال جائزة أفضل وثائقي عن موضوع معاصر في الدورة الـ42 لجوائز الوثائقيات البريطانية، وحينها كانت الصحافة المحلية تتحدث عن زهاء 10 جماعات فقط، ثم في عام 2020 قدّرتها الشرطة بنحو 90 مجموعة، ثم أحصى دي روند عام 2021 أكثر من 150، نفذت مجتمعة 1148 مواجهة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الكلفة البشرية ظهرت باكراً، ففي عام 2013 أقدم غاري كليري على الانتحار في ليستر شير بعد ملاحقة من "ليتزغو هانتينغ"، وانتحر مايكل باركس وهو مفرج عنه بكفالة، بعد استدراج من "ستينسون هنتر"، وكذلك أنهى مايكل داف حياته إثر مواجهة مع مجموعة تعرف باسم "ترو جستس"، وتشير الأدبيات الأكاديمية إلى حوادث خطأ في تحديد الهوية، من بينها حال شهيرة عام 2000، تعرض فيها منزل طبيبة أطفال للتخريب، بعد خلط بين لقبها المهني بالإنجليزية وكلمة "متحرش".
وفي المقابل، تحكي الأرقام قصة اعتماد رسمي متزايد، فوفق بيانات حصلت عليها "بي بي سي"، استند 20 من أصل 176 ملفاً من ملفات جريمة اللقاء بطفل بعد استدراج جنسي، إلى أدلة جمعها صيادون عام 2014، أي 11.3 في المئة، وارتفعت النسبة إلى 44 في المئة عام 2016 بواقع 114 ملفاً من 259، وفي 2017 بلغت 150 ملفاً من 302، أما عام 2018، فمن بين 403 أشخاص جرت ملاحقتهم بهذه التهمة، وُجّهت الاتهامات إلى أكثر من 250 منهم، بناء على مواد جمعتها هذه المجموعات، أي ما يتجاوز 60 في المئة، وبلغت النسبة 100 في المئة في بعض مناطق الشرطة.
وفي الفترة نفسها ارتفعت الإدانات بجرائم الاستدراج من 68 عام 2013 إلى 359 عام 2018، ولا يعني هذا الارتباط سببية مباشرة، إذ تزامن الصعود مع توسع الإنترنت في حياة الأطفال، ومع تمويل حكومي إضافي للشرطة بلغ 20 مليون جنيه إسترليني (27 مليون دولار)، أعلنته وزيرة الداخلية آنذاك آمبر رود عام 2017، لتوسيع عمل المحققين المتخفين على الشبكة.
الحسم القانوني جاء منتصف يوليو (تموز) 2020، ففي قضية "ساذرلاند ضد النائب العام"، رفضت المحكمة العليا البريطانية بالإجماع، برئاسة اللورد ريد، طعناً قدمه رجل دينَ بعد أن تواصل عام 2018 عبر تطبيق مواعدة مع شخص قال له إنه في الـ 13 من عمره، وأرسل إليه رسائل وصوراً جنسية، ثم اتفق على لقائه في محطة بارتيك في غلاسكو، حيث كان بانتظاره أعضاء مجموعة بثوا المواجهة على وسائل التواصل، وسلموا المواد إلى الشرطة.
رأت المحكمة أن طبيعة المراسلات لا تدخل في نطاق حماية "المادة الثامنة" من "الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان"، وأن المتهم لم يكن يملك توقعاً معقولاً للخصوصية، وأن على الدولة التزاماً إيجابياً بتفعيل "قانون العقوبات لحماية الأطفال"، وقبل ذلك كانت المحكمة العليا الإسكتلندية قد قضت بأن قانون صلاحيات التحقيق لا ينطبق، لأن الطُعم تصرف بمبادرة ذاتية لا بإيعاز من الشرطة، وبهذا صار للحركة غطاء قضائي ضمنياً، من دون ترخيص.
حين تجاوز الصيادون الخط جاء الرد متفاوتاً، ففي عام 2019 برّأت محكمة ليدز ستة من أعضاء "بريديتور إكسبوجر" من تهم الحبس غير القانوني والاعتداء، وفي عام 2023 نالت محكمة نيوكاسل أول عقوبتين بالسجن في بريطانيا بحق صيادين، هما سام ميلر وجيمس موس، بتهمة الحبس غير القانوني، بعد أن أوقعا رجلاً أرضاً وأهاناه في بث مباشر، ظناً منهما أنه مدان في جريمة اغتصاب، فسجن الأول تسعة أشهر، وحكم على الثاني بستة أشهر موقوفة التنفيذ، ورأت المحكمة أن الدافع كان "الدعاية والاستعراض، لا كشف الجناة".
وحظرت محكمة إدنبرة على غوردون بوكان، قائد مجموعة "وولف باك هانترز" التي يتابعها قرابة 150 ألف حساب، ممارسة "الصيد" ثلاثة أعوام، أما "ستينسون هنتر" نفسه، مؤسس النموذج، فأقرّ عام 2023 أمام المحكمة بملاحقة صحافية إسكتلندية، والتحريض عليها لدى نصف مليون متابع، ووُضع تحت إشراف الخدمة الاجتماعية، وسوار إلكتروني لثمانية شهور.
ولا يستطيع منتقدو هذه الجماعات إنكار أن آلاف الأدلة التي بُنيت عليها إدانات ما كانت لتوجد لولاها، وأن كثيراً من أعضائها ناجون من إساءات في طفولتهم، يتحركون بدافع لا يُختصر في البحث عن الشهرة، ومن جهة أخرى لا يستطيع مؤيدوها تجاهل أن البث المباشر ليس ضرورة إجرائية، إذ يمكن تسليم الأدلة إلى الشرطة، أو تأجيل النشر إلى ما بعد الإدانة، أو حجب وجه المستهدف، وهذا بالضبط ما يستوقف دي روند، الذي يخلُص إلى أن الفِرق تصرّ على البث، لأنه ذروة السردية التي تعيشها، لا لأنها تجهل البدائل، وأن الإدانة القضائية اللاحقة تصبح لدى بعضها تفصيلاً ثانوياً، ليقابل ذلك منطق الصيادين أنفسهم، ومفاده أن المشتبه فيهم يخرجون عادة بكفالة، وعلى الأهالي أن يعرفوا من يسكن بينهم.
ثمة دراسة نشرتها الباحثة آنا تيبيت عام 2024، استناداً إلى استطلاع إلكتروني، رصدت 3 اتجاهات للشارع حول "صيادي المتحرشين"، وهي تأييد شعبي واسع للاقتصاص الرقمي، وقلق من نشر البيانات الشخصية، بوصفه انتهاكاً لحقوق الإنسان، وضعف ثقة عام بمنظومة العدالة الجنائية، وتؤكد أرقام المشاهدة هذا الالتباس، فمواجهة واحدة لمجموعة "ذا هانتد وان" قرب مركز تجاري في كِنت عام 2017 حصدت 340 ألف مشاهدة، وأخرى في أكرينغتون عام 2018 تجاوزت 100 ألف، ونقل دي روند عن أحد الفرق فخره ببثين بلغا على التوالي ربع مليون، و100 ألف مشاهد، والجمهور إذن ليس ملحقاً بالظاهرة، بل هو شرط وجودها.
وفي عام 2017، حاولت الشرطة توسيع العمل المتخفي حتى يتقلص الطلب على البديل الأهلي في هذ المجال، لكنها اصطدمت بحجم الظاهرة وموازنات لا تجاريها، وواقع الحال اليوم يقول إن الشرطة تحذّر ولا تمنع، والنيابة تستخدم الأدلة ولا تباركها، والقضاء يقبلها من دون أن يرخص للطريقة.