ملخص
تكشف البرقيات البريطانية أن الأزمة التي أعقبت قمة واشنطن لم تكن في نظر لندن مجرد جولة أخرى من الخلاف الفلسطيني - الإسرائيلي، فقد كان الدبلوماسيون البريطانيون يخشون من أن يؤدي غياب التقدم في الخليل إلى دورة جديدة من العنف، وأن يؤدي الرد الإسرائيلي عليها إلى مزيد من العزلة والضغط الدولي
تكشف برقيات دبلوماسية بريطانية سرية أرسلت من إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 1996 جانباً من الأجواء السياسية المتوترة التي أعقبت قمة واشنطن، وتقدم تقييماً بريطانياً لسياسة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الأشهر الأولى من حكمه، وللمأزق الذي واجهه في المفاوضات مع الفلسطينيين، لا سيما في شأن إعادة الانتشار في الخليل، وتكشف الوثائق عن قلق إسرائيلي متزايد من المواقف الأوروبية، وصل إلى حد اتهام الاتحاد الأوروبي باتخاذ موقف "منحاز" للفلسطينيين ومحاولة ممارسة ضغوط سياسية على إسرائيل.
وجاءت إحدى البرقيات من السفارة البريطانية في إسرائيل في الثاني من أكتوبر 1996 تحت عنوان "عملية السلام في الشرق الأوسط: إسرائيل: الآفاق بعد قمة واشنطن"، في وقت كانت فيه المنطقة تواجه أزمة خطرة أعقبت المواجهات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، بينما سعت قمة واشنطن إلى احتواء التصعيد وإعادة الأطراف إلى مسار التفاوض.
وقالت البرقية إن المحيطين بنتنياهو حاولوا تقديم قمة واشنطن باعتبارها نجاحاً لإسرائيل، بينما كان رد فعل الرأي العام والسياسيين الإسرائيليين أكثر اختلاطاً، وأشارت إلى وجود آمال بأن تقود محادثات مع الفلسطينيين إلى تقدم مبكر، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن صبر الفلسطينيين قد ينفد سريعاً إذا لم توفر إسرائيل مخرجاً من الأزمة.
وذكرت الوثيقة أن أنصار نتنياهو كانوا سعداء برفضه تقديم تنازلات، أو في الأقل عدم تقديم تنازلات جوهرية خلال القمة نفسها. وتحدثوا عن نجاحه، من وجهة نظرهم، في مقاومة الضغوط التي مورست عليه لتحديد موعد لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الخليل، غير أن السفارة البريطانية لم تشارك هذا التفاؤل بصورة كاملة، فقد وصفت ردود الفعل داخل إسرائيل بأنها "مختلطة"، وأكدت أن خصوم نتنياهو اعتبروا أسلوبه المتشدد غير كافٍ لإخراج عملية السلام من أزمتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونقلت البرقية أن هناك شعوراً لدى بعض الإسرائيليين بأن نتنياهو وياسر عرفات، على رغم خلافاتهما الحادة، أصبحا يمتلكان فهماً أفضل لما يمكن توقعه من بعضهما بعضاً بعد اجتماعات واشنطن، وأشارت إلى أن مجرد جلوسهما في محادثات مباشرة ساعد على إعادة بناء قدر من الثقة، ولو بصورة محدودة، بعد التدهور الخطر الذي شهدته العلاقات، لكن الدبلوماسيين البريطانيين حذروا من المبالغة في أهمية هذا التطور، وقالت الوثيقة إن الثقة التي ربما أعيد بناؤها جزئياً كانت لا تزال هشة للغاية، وإن هناك أيضاً أسباباً تدعو إلى الشك في أن مفاوضات الخليل يمكن أن تحقق اختراقاً سريعاً إذا لم يتغير شيء جوهري على الأرض. وتحدثت البرقية عن مخاوف من أن يؤدي غياب التقدم إلى عودة الاضطرابات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وذكرت أن الفلسطينيين كانوا ينتظرون نتائج ملموسة من المفاوضات، وأن استمرار الجمود يمكن أن يفتح الباب أمام تجدد أعمال العنف.
وفي هذا السياق، أشارت الوثيقة إلى أن مدينة الخليل كانت تمثل الاختبار المباشر لمدى استعداد حكومة نتنياهو لتنفيذ الالتزامات السابقة والمضي في عملية السلام، ورأت أن التوصل إلى اتفاق في شأن إعادة الانتشار الإسرائيلي يمكن أن يوفر مخرجاً من الأزمة، بينما قد يؤدي استمرار المماطلة إلى تفاقم التوتر.
وقالت البرقية إن المتفائلين كانوا يأملون في أن يقرر نتنياهو القيام بتحركات مبكرة في شأن الخليل، وربما إظهار قدر من المرونة في قضايا أخرى، وهو ما يمكن أن يخفف الضغط عن عرفات ويمنح المفاوضات فرصة جديدة.
لكنها أكدت أن فرص حدوث ذلك لم تكن تبدو كبيرة، فالخطر، بحسب التقييم البريطاني، كان يتمثل في اندلاع اضطرابات جديدة في الأراضي المحتلة، مما سيجعل مفاوضات الخليل أكثر صعوبة. وأشارت الوثيقة إلى معضلة أخرى أمام نتنياهو، إذ إن تجدد العنف قد يدفعه إلى إدانته باعتباره خرقاً لتعهدات وقف العنف التي جرى تأكيدها في واشنطن، ومن ثم يصبح أكثر تردداً في التفكير في إعادة الانتشار من الخليل.
نتنياهو و"القائد المحاصر"
وتقدم البرقية البريطانية تقييماً لافتاً لأسلوب نتنياهو في إدارة الأزمة، فقد ذكرت أنه ظهر طوال تلك الفترة وكأنه يستمتع بدور "القائد المحاصر" الذي يتحدى الضغوط ويدافع عن أمن إسرائيل، وأشارت إلى أنه بدا أيضاً وكأنه يبالغ في تقدير قدرته على التحكم في الأحداث وتوجيهها، وحذرت من أن هذا الأسلوب يمكن أن يؤدي إلى أخطاء في الحسابات، لأن ثمن أي مواجهة متجددة مع الفلسطينيين لن يكون بسيطاً بالنسبة إلى إسرائيل نفسها.
وتحدثت الوثيقة بصورة خاصة عن الجيش الإسرائيلي، وقالت إنه في حال الرد بقوة على اضطرابات جديدة، فقد يتكبد خسائر كبيرة. وأكدت أن ذلك سيكون حساساً للغاية داخل مجتمع ينظر إلى مقتل جندي واحد باعتباره مأساة وطنية، ولذلك، رأت السفارة أن أي خسائر عسكرية كبيرة قد تولد ضغوطاً سياسية داخلية على حكومة نتنياهو، وربما تهدد استقرار الائتلاف الحكومي نفسه. ولم تقتصر الأخطار، وفق الوثيقة، على الساحة الداخلية، فقد أكدت أن نتنياهو كان معرضاً أيضاً لضغوط دولية متزايدة إذا استمرت الأزمة.
وذكرت الوثيقة أن "الكابوس" بالنسبة إلى إسرائيل يتمثل في تزامن اضطرابات جديدة في الأراضي الفلسطينية مع حوادث متجددة في جنوب لبنان، وتدهور إضافي في العلاقات مع مصر والأردن، وعودة الاضطرابات داخل الخط الأخضر، إلى جانب تراجع الثقة الدولية في الاقتصاد الإسرائيلي، مشيرة إلى أن مؤشرات القلق الدولي كانت قد بدأت تظهر بالفعل، وأن ثمة مخاوف من عدم وجود دعم دولي كبير لحكومة نتنياهو إذا أدت سياساتها إلى استمرار الأزمة، وحذرت من أن إسرائيل قد تواجه خطر العودة إلى نوع من "العزلة الجزئية" إذا لم تستطع إعادة عملية السلام إلى مسارها.
ومع ذلك، أكدت الوثيقة أن الأمور لم تصل بعد إلى هذه المرحلة، وأن مفاوضات الخليل لا تزال توفر قدراً من الأمل، لكنها شددت على أن نجاحها يحتاج إلى "تحول جذري" في نهج نتنياهو، وإلى إحساس أكبر بالإلحاح إذا كان المطلوب هو الخروج من الأزمة المباشرة.
وفي خاتمة شديدة الدلالة، قالت البرقية إن أنصار نتنياهو كانوا يهنئون أنفسهم لأنه لم يقدم تنازلات في واشنطن، لكن الخطر الحقيقي كان أن ينهار الوضع السياسي والأمني من تحت أقدام الحكومة إذا استمر الجمود.
أزمة جديدة مع الاتحاد الأوروبي
وفي برقية أخرى أرسلت من إسرائيل في الثالث من أكتوبر 1996، انتقلت السفارة البريطانية إلى أزمة موازية تتعلق بعلاقة إسرائيل بالاتحاد الأوروبي، تحديداً برد الفعل الإسرائيلي على "إعلان لوكسمبورغ". وكشفت البرقية أن وزارة الخارجية الإسرائيلية أرسلت احتجاجاً رسمياً أعربت فيه عن "خيبة أمل عميقة" تجاه الإعلان الأوروبي، واتهمت الاتحاد الأوروبي بتبني موقف "منحاز" واستخدام نبرة وصفتها إسرائيل بأنها "تهديدية".
وقالت الوثيقة إن الإسرائيليين اعتبروا أن الموقف الأوروبي لا يسهم في دفع عملية السلام إلى الأمام، بل قد يضر بها. ونقلت عن الخارجية الإسرائيلية اعتراضها على ما وصفته بتبني الاتحاد الأوروبي "موقفاً جزئياً" وبـ"لهجة تهديدية"، وأكد الجانب الإسرائيلي، بحسب البرقية، أن أوروبا ينبغي أن تتجنب اتخاذ مواقف يمكن أن تعرقل عملية السلام والمفاوضات الهادفة إلى تعزيزها.
لكن الاعتراض الإسرائيلي لم يقتصر على نص الإعلان نفسه، فقد كشفت الوثيقة عن مخاوف أعمق من احتمال استخدام الاتحاد الأوروبي أدوات اقتصادية وسياسية للضغط على حكومة نتنياهو. ونقلت البرقية عن السفير الفرنسي في إسرائيل حديثاً دار مع زملائه الأوروبيين، قال فيه إن مسؤولاً إسرائيلياً رفيعاً وصف إعلان لوكسمبورغ بأنه "غير ودي وتهديدي"، وذكرت أن القلق الإسرائيلي ارتبط أيضاً بما اعتبرته تل أبيب قائمة متزايدة من المطالب الأوروبية.
وفي المقابل، أوضح الجانب الفرنسي أن الإعلان كان "متوازناً"، وأنه يعكس قبل كل شيء القلق الشديد لدى الحكومات الأوروبية من التطورات التي شهدها الأسبوع السابق، بما في ذلك الانتشار الواسع للقوات والدبابات والأسلحة الثقيلة الإسرائيلية في الضفة الغربية.
الخوف من ورقة الاتفاق الاقتصادي
وتكشف البرقية أن أكثر ما أثار قلق إسرائيل لم يكن البيانات السياسية وحدها، بل احتمال انتقال الضغط الأوروبي إلى المجال الاقتصادي، فقد تحدث مسؤول إسرائيلي عن وجود "حملة" داخل الاتحاد الأوروبي لإبطاء أو وقف التصديق على اتفاق الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، محذراً من أن ضغوطاً من هذا النوع لن تؤدي إلى تخويف إسرائيل، لكن الوثيقة أشارت إلى أن مسألة التصديق كانت بالفعل موضع نقاش داخل برلمانات بعض الدول الأعضاء، وأن الأحداث الأخيرة قد تجعل العملية أكثر صعوبة، حتى في غياب "حملة" أوروبية منظمة ضد إسرائيل.
وذكرت البرقية أن مسؤولين من إيرلندا وإسبانيا والدنمارك أبلغوا عن اتصالات أجراها سفراء إسرائيل في عواصمهم مع وزارات الخارجية في شأن إعلان لوكسمبورغ، فيما تحدث دبلوماسي بلجيكي عن "تبادل حاد جداً" وقع مع السفير الإسرائيلي في بروكسل في شأن طريقة تعامل نتنياهو مع الأزمة.
وخلصت السفارة البريطانية إلى أن رد الفعل الإسرائيلي يكشف عن أن إعلان لوكسمبورغ أصاب نقطة حساسة لدى حكومة نتنياهو. وقالت إن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين أظهرت قلقاً حقيقياً من احتمال أن يعيد الاتحاد الأوروبي النظر في اتفاق الشراكة إذا تدهورت الأوضاع أكثر، مؤكدة أن الإسرائيليين كانوا يدركون أن هذا المجال تحديداً يمنح الاتحاد الأوروبي وسيلة ضغط حقيقية، بخلاف البيانات السياسية التي يمكن للحكومة الإسرائيلية تجاهلها بسهولة أكبر.
وأشارت إلى أن الدبلوماسي البريطاني كان ينوي، إذا أثار الإسرائيليون الإعلان معه، الرد بصورة قوية وعلى الخطوط نفسها التي اتبعها السفير الفرنسي، أي الدفاع عن الموقف الأوروبي، باعتباره انعكاساً لمخاوف حقيقية من تطورات الأزمة، وليس انحيازاً سياسياً ضد إسرائيل.
صورة أوسع لأزمة نتنياهو
وتكشف البرقيتان معاً صورة أوسع للحظة سياسية دقيقة في خريف 1996، فمن جهة حاولت حكومة نتنياهو إظهار قمة واشنطن باعتبارها نجاحاً لأنها لم تضطر، بحسب روايتها، إلى تقديم تنازلات جوهرية تحت الضغط الأميركي. ومن جهة أخرى كان الدبلوماسيون البريطانيون يرون أن هذا "النجاح" يمكن أن يتحول سريعاً إلى مأزق إذا لم يتبعه تقدم ملموس في المفاوضات، فالخليل، كما توضح الوثائق، لم تكن مجرد قضية محلية تتعلق بإعادة انتشار القوات، بل أصبحت اختباراً لمدى استعداد نتنياهو للانتقال من مقاومة الضغوط إلى اتخاذ قرارات قادرة على إبقاء عملية السلام حية.
وفي الوقت نفسه تحدثت الوثائق عن دائرة من الأخطار يمكن أن تتسع سريعاً: احتجاجات فلسطينية، ومواجهات مع الجيش الإسرائيلي، وخسائر عسكرية إسرائيلية، وضغط داخلي على الحكومة، واضطرابات في جنوب لبنان، وتوتر مع مصر والأردن، وتراجع ثقة المجتمع الدولي. ويضاف إلى ذلك كما كشفت البرقية الثانية، خطر ظهور جبهة أوروبية أكثر تشدداً تجاه سياسات الحكومة الإسرائيلية. وتظهر الوثائق أن حكومة نتنياهو كانت شديدة الحساسية تجاه هذا الاحتمال، لا سيما عندما أصبح الحديث يتجاوز الإدانات الدبلوماسية إلى إمكان التأثير في اتفاق الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.
وهكذا، تكشف البرقيات البريطانية أن الأزمة التي أعقبت قمة واشنطن لم تكن في نظر لندن مجرد جولة أخرى من الخلاف الفلسطيني - الإسرائيلي، فقد كان الدبلوماسيون البريطانيون يخشون من أن يؤدي غياب التقدم في الخليل إلى دورة جديدة من العنف، وأن يؤدي الرد الإسرائيلي عليها إلى مزيد من العزلة والضغط الدولي.
وفي المقابل، كانت حكومة نتنياهو تراهن على أن الصمود أمام الضغوط وعدم تقديم تنازلات سريعة سيعززان موقفها التفاوضي، لكن الوثائق البريطانية حذرت من أن هذه السياسة تحمل في داخلها مخاطرة كبيرة: فكلما طال الجمود ازدادت احتمالات تجدد العنف، وكلما اتسعت المواجهات أصبح من الأصعب العودة إلى طاولة المفاوضات.
وبذلك، تقدم الوثائق صورة لحكومة إسرائيلية خرجت من قمة واشنطن معلنة أنها لم تتراجع، لكنها كانت، وفق التقييم البريطاني، تواجه في الوقت نفسه أزمة فلسطينية قابلة للانفجار، وضغوطاً دولية متصاعدة، وتوتراً مع أوروبا، وأخطاراً على علاقاتها الإقليمية واقتصادها.
وكان السؤال الذي طرحته البرقيات بصورة غير مباشرة هو ما إذا كان نتنياهو سيعتبر عدم تقديم تنازلات في واشنطن انتصاراً يمكن البناء عليه، أم أن هذا التشدد سيقوده إلى أزمة أوسع، وبالنسبة إلى الدبلوماسيين البريطانيين، ظل الأمل معقوداً على مفاوضات الخليل، لكنهم أكدوا أن نجاحها يحتاج إلى تغيير واضح في النهج وإحساس أكبر بالحاجة إلى التحرك قبل أن ينهار المسار السياسي تحت وطأة أزمة جديدة.