Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المواضيع الكبرى لا تنتج روايات كبيرة

تختلف مكونات عالم النص الأدبي عن مكونات عوالم النصوص السياسية والتاريخية والدينية

إن نظرية البطل الإيجابي في الكتابة الروائية، كما هو متعارف عليه، قلصت من حرية الكاتب وحجمت من قوة التخييل (غيتي)

ملخص

صحيح، الكتابة الأدبية بالنسبة إلى المبدع هي متعة ذاتية أولاً، ولكن في فلسفتها الأعمق هي متعة تشاركية، فالروائي يكتب لكي يفتح كوة من ضوء على العالم، يأخذها من حياته أو من حياة الآخرين، ولكن في نهاية الكتابة، إذا ما كانت للكتابة نهاية، إذ في الواقع كل نص ينتهي هو مقدمة لنص آخر، ففي لحظة نهاية الكتابة يطل المبدع على الهوة أو الحفرة التي حفرها، ويتمنى أن يشاركه الآخرون مثل هذه المشاهدة.

الكتابة الأدبية، والرواية بصورة خاصة، لها منطقها القائم على جماليات اللغة والبناء المعماري للنص ورؤية العالم وهذا كله يشكل ما يسمى "أفق الاستقبال"، ومن هذا المنطق السردي الخاص، وفيه وبه ومنه، تتحدد علاقة القارئ بالنص الأدبي، من ناحية منسوب التأثير ودرجة الاستجابة الجمالية والسياسية، أي "لذة النص" كما سماها رولان بارت.

تختلف مكونات عالم النص الأدبي عن مكونات عالم النص السياسي وعن عوالم النص التاريخي والنص الديني، فكل نص له بنية لغوية وعمرانية مختلفة وله مقاصد واستراتيجيات مختلفة أيضاً.

الأدب يؤثر ويثير الزوابع السياسية والأيديولوجية بواسطة الجمال والإدهاش والإمتاع والسؤال والتشويش، وهذا التأثير كثيراً ما يكون خالداً عابراً للأجيال وللذوائق الموسمية، ويتعلق الأمر هنا ببعض النصوص التي تقرأ جيلاً بعد جيل، وتنتقل من حضارة إلى أخرى ومن لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى من دون أن تفقد طاقتها في الإسهام في صناعة قارئ، في كل زمن وفي كل جغرافيا، بمواصفات معينة.

صحيح، الكتابة الأدبية بالنسبة إلى المبدع هي متعة ذاتية أولاً، ولكن في فلسفتها الأعمق هي متعة تشاركية، فالروائي يكتب لكي يفتح كوة من ضوء على العالم، يأخذها من حياته أو من حياة الآخرين، ولكن في نهاية الكتابة، إذا ما كانت للكتابة نهاية، إذ في الواقع كل نص ينتهي هو مقدمة لنص آخر، ففي لحظة نهاية الكتابة يطل المبدع على الهوة أو الحفرة التي حفرها، ويتمنى أن يشاركه الآخرون مثل هذه المشاهدة.

كثير من الكتب الروائية الخالدة التي يقرأها البشر منذ قرون ليست تلك التي كتبت البطولات العظمى أو العمياء التي حققها "أبطال" خلدتهم الحروب الشرسة والفتوحات العقائدية القاسية والغزوات الاقتصادية العنصرية، بل هي تلك التي رسمت وتابعت سيرة أبطال "اليومي" بكل تلويناته النفسية والاجتماعية والسياسية، ويأتي تأثير هذه البطولة في القارئ من خلال هذه البساطة التي تشبه بساطة الجميع، إذ أفل وإلى الأبد زمن الكتابات التي كانت تطالب بشرط وجود البطل الإيجابي، فما "ينظر إليه سلباً" من زاوية سياسية أو اجتماعية قد يكون إيجاباً في الكتابة الأدبية، يتطلب في ذلك توافر الموهبة الروائية في طريقة تقديم هذا السلبي، ونعتقد بأن كتابة "السلبي" تتطلب مجهوداً أكبر من المجهود المبذول في كتابة الحالة الإيجابية، فالسلبي كي يتحول إلى إيجابي سردياً، على الروائي أن يكون خبيراً في تفاصيل الحالة وقادراً على تفكيكها.

لقد حنطت الواقعية الاشتراكية الأدب الروائي حين حولته إلى وصفة تحدد مفهوم البطولة وتحدد أفق انتظار القارئ من الناحية الأيديولوجية، وهي بذلك كرست نمطاً مسبق الصنع في الكتابة، لم يتخلص منه بعد كثرٌ من الكتاب العرب.

إن نظرية البطل الإيجابي في الكتابة الروائية، كما هو متعارف عليه، قلصت من حرية الكاتب وحجمت من قوة التخييل، وسحبت الكتابة إلى مربع أخلاقي وسياسي مسيج بأيديولوجيا أسمنتية مسلحة.

ويهرب روائيون كثر إلى الكتابة عن شخصيات متداولة أو معروفة كحيلة أدبية تساعدهم في الإثارة، أو هكذا يعتقدون، بنية اختصار الطريق إلى القارئ، لما لهذه الشخصيات من مكانة في المخيال الجمعي أو الفردي، شخصيات تنتمي إلى منطقة التاريخ كالزعماء والقادة، نابليون والقياصرة والأنبياء ومعمر القذافي والملك فاروق والأمير عبدالقادر وتشي غيفارا... وقد تكون منتمية إلى منطقة الفنون كبيكاسو ومايكل أنجيلو وفريدة كاهلو وبيتهوفن وموزار، وقد تكون منتمية إلى منطقة الفلسفة مثل كافكا وابن رشد وابن سينا وسبينوزا وأينشتاين...

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد الروائي الذي يأخذ هذ الشخصيات المعروفة ببطولتها كعكازة يستند إليها بغرض تحقيق فتح مهم في القراءة والاستقبال، إذ يتوهم بأن مثل هذه الشخصيات ذات البطولة المعروفة هي طريق سيار لنجاح النص، ولكن ينسى أن مثل هذه المواضيع الكبيرة والشخصيات الشهيرة لا تخلق نصاً روائياً كبيراً، لأن للرواية منطقها الخاص في بناء عالمها من الأشياء الصغيرة التي تتحول من خلال الكتابة الناجحة إلى أشياء كبرى.

من الممكن أن يكتب الروائي عن موضوع عادي جداً، مواضيع تصل إلى درجة السخف والهامشية، لكنه، وبقدرة الموهبة الإبداعية، يتمكن الروائي من الارتقاء بها إلى مدرج الخلود، فالمواضيع الهامشية حين تُتَناول سردياً من رؤية فلسفية مركبة تتحول إلى المركز، والمواضيع الكبرى إعلامياً وتاريخياً وسياسياً حين تجري مقاربتها من باب الدعاية والتسلق تتحول إلى الهامش.

وبعيداً من البطولة الحديدية المحنطة، كتب جنكيز أيتماتوف، الكاتب الروسي المعروف، قصة الكلب الوهمي البسيطة والشعبية، في روايته القصيرة "الكلب الأبلق الراكض على ضفة البحر"، لكنه استطاع أن يجعل من هذا النص مشتلة لثقافة معقدة فولكلورية وأسطورية، نصاً عن التضحية ومناهضة النرجسية والجرأة، وعلى رغم أن البطولة بسيطة (مغامرة صيد بحرية) فإن هذه الرواية تُعد واحدة من النصوص الخالدة لا لشيء إلا لأنها تمكنت من كتابة الإنسان في خوفه وتحديه بكثير من الشعرية وبعيداً من كل جرس أخلاقي أو سياسي.

وهناك آلاف الحكايات التي نسمعها عن اغتيال العجائز من قبل الشباب، لكن رواية "الجريمة والعقاب" لدوستويفسكي انطلقت من هذه الحادثة العابرة، حادثة تملأ يومياً صفحات المتفرقات في الصحف المحلية التي تستعمل للفّ السردين أكثر مما تستعمل للقراءة، ليصنع منها واحدة من عيون السرد العالمي التي تناولت مفهوم الصراع النفسي ما بين العقل والأخلاق، ومثلها رواية "مدام بوفاري" عام 1857، إذ استقى غوستاف فلوبير قصة بطلته إيما من صفحات المتفرقات، فالآنسة إيما تتزوج طبيباً غبياً وتعيش الملل، وتبحث عن مغامرات عاطفية وتتعرف إلى كثير من العشاق، وتصرف أموالاً كثيرة حتى تصبح مدانة، ثم تنتحر؟ حكاية تبدو في ظاهرها عادية وساذجة، لكن كتابتها المتقنة ووضعها في نسق فلسفي يقرأ البرجوازية الريفية جعلها من عيون الروايات العالمية التي لا تزال تقرأ حتى الآن وبشهية، ولا يبتعد مارسيل بروست في روايته الأشهر "البحث عن الزمن المفقود" من هذا العالم المحتفل بالأشياء الصغيرة، إذ تنطلق الرواية من حكاية رجل يتذكر كيف كان يغمس قطعة كعكة "المادلين" في كأس الشاي، ومن هذا التذكر تتدفق 3000 صفحة، مستعرضة قضايا المجتمع الفرنسي نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20، بجرأة كبيرة وبفلسفة تستعرض دلالة البحث عن المعنى في الحياة، وفي السياق نفسه يمكن التذكير برواية "أوليس" لجيمس جويس، وهي رواية تحكي حياة شخصية "ليوبولد بلوم" خلال يوم واحد، 16 يونيو (حزيران) عام 1904، وجباته ولقاءاته وأفكاره وهواجسه ونوباته السيكولوجية، لا شيء يبدو مهماً مما يحكى لكن كل شيء مثير ومشاكس ومهم جداً!

وفي الأدب الروائي العربي والمغاربي، فإن رواية "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ على سبيل المثال وهي واحدة من أجمل النصوص التي كتبها نجيب محفوظ، مستوحاة من قصة سفاح حقيقية عادية شغلت الرأي المصري في بداية الستينيات، لكن عبقرية الروائي استثمرت في هذه الواقعة ليصنع منها تحفة أدبية فلسفية نادرة، والأمر نفسه سنجده عند محمد ديب في ثلاثيته "الدار الكبيرة والنول والحريق" المكتوبة بالفرنسية التي تابع فيها ملحمة الشعب الجزائري البسيط في المدن، مدينة تلمسان نموذجاً، وفي القرى الفلاحية المجاورة لها "بني بوبلان"، وهو يصنع من خلال يومياته في البؤس مستقبل الثورة الذي سينطلق لاحقاً في أول نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954، فبدا هذا الهامش بكل بؤسه وجهله من يحرك عجلة التاريخ.

إن الرداءة في الكتابة الروائية لا يمكن أن يسترها أو ينقذها مضمون يتستر بشخصيات معروفة ومتداولة في الحروب أو الفن أو المعرفة، وإن المواضيع كما تحدث في الواقع أو حدثت في التاريخ تُعد ثانوية مهما كانت أهميتها إذا لم يتمكن الروائي من كتابتها برؤية فلسفية وأعاد تركيبها بلغة وعمران سردي محكم الصناعة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء