ملخص
يقدم كتاب "النقد الأدبي ونظرياته: من أفلاطون إلى ما بعد الاستعمار" للبريطانية بيلاجيا غوليماري (ترجمة حنان عبد المحسن مظفر - سلسلة عالم المعرفة- الكويت) رؤية بانورامية للنقد لأكثر من 2500 سنة في نحو 567 صفحة مكتنزة بالمعلومات.
تعمد الباحثة بيلاجيا غوليماري، المحاضرة في جامعة أكسفورد، في كتابها "النقد الأدبي ونظرياته: من أفلاطون إلى ما بعد الاستعمار" إلى الترتيب الزمني، جاعلة من أفلاطون نقطة الانطلاق. ومع كل فكرة من أفكار أفلاطون تذكر غوليماري إلى أي مدى أثّرت في النظرية الحديثة عند جان جاك رسو وبروتلد بريخت وجوليا كريستيفا ووالتر بنيامين، وكذلك عند منظري ما بعد البنيوية بخاصة في مشروع دولوز الفلسفي. وهي ترى في هذا الصدد أن أفكار أفلاطون تعرضت إلى مجموعة مذهلة من التفسيرات والاستنباطات، وقوبلت إما بالنقد العنيف أو الاحتضان القوي، لكنها خضعت في الوقت نفسه لإعادة صياغة، لتناسب هذا الفريق أو ذاك.
تتيح الآلية التي اعتمدتها غوليماري تتبع تطور النظر إلى الأدب عبر التاريخ؛ من اعتباره محاكاة لعالم المُثُل عند أفلاطون، إلى كونه محاكاةً للفعل الإنساني في كليته عند أرسطو. ثم النظر إليه بوصفه تعبيراً عن الذات لدى الرومانسيين، قبل أن يرتقي عند هيغل إلى مرتبة تجلٍّ للروح وللوعي التاريخي، ويصبح عند كانط موضوعاً للتجربة الجمالية الخالصة التي تستمد قيمتها من استقلالها عن المنفعة والمعرفة. ومع نيتشه لم يعد الأدب بحثاً عن الحقيقة بقدر ما هو عن إرادة الخلق وإعادة تقويم القيم، وقوةً قادرة على ابتكار العالم وليس تمثيله. ثم تذهب الوجودية إلى أن الأدب فعل من أفعال الحرية والالتزام، يواجه به الإنسان وجوده ويكشف مسؤوليته تجاه ذاته والعالم. ونظرت الماركسية للأدب على أنه انعكاس للواقع الاجتماعي وللبنية الاقتصادية والصراع الطبقي، ثم عُدّلت هذه الرؤية ليُنظر إليه ليس كانعكاس مرآوي للواقع، إنما إعادةً لبنائه عبر وعي المبدع ورؤيته.
البنيوية وما بعدها
تذهب غوليماري إلى فرويد ومدارس التحليل النفسي، التي غيرت النظرة إلى الأدب من محاكاة للواقع أو تعبير عن الذات، إلى اعتباره تجلياً للاوعي الفردي والجمعي، ومجالاً تنكشف فيه الرغبات المكبوتة والصراعات النفسية والرموز والأحلام. ثم وسَّع يونغ هذا التصور بربط الإبداع باللاوعي الجمعي والنماذج الأصلية التي تشترك فيها الإنسانية. بينما أبرز لاكان أن اللاوعي يتشكل داخل اللغة، مما جعل النص الأدبي مساحة تتقاطع فيه الرغبة والرمز.
ومع البنيوية انصرف الاهتمام من العالم الخارجي إلى النص ذاته، على أنه بنية لغوية مستقلة تحكمها علاقات داخلية. بينما زعزعت ما بعد البنيوية فكرة المعنى الواحد، وعدّت النص مساحة مفتوحة لتعدد التأويلات، يتشكل معناه في فعل القراءة أكثر مما يستقر في قصد المؤلف. وبلغ هذا التحول ذروته مع التفكيكية التي رأت أن النص لا يستقر على معنى نهائي، وأن كل معنى يحمل في داخله ما يقوضه، لتصبح القراءة عملية تفكيك مستمرة تكشف تناقضات الخطاب وانزياحاته.
ومع نظريات التلقي، ولا سيما عند هانس روبرت ياوس وفولفغانغ إيزر، أصبح الأدب حدثاً لا يكتمل إلا بفعل القراءة. فالمعنى لا يودع في النص مسبقاً، وإنما يتشكل من خلال تفاعل القارئ معه، في ضوء أفق توقعاته وخبراته وسياقه الثقافي. وبذلك يخلق كل قارئ نصه الخاص في كل مكان وزمان تبعاً لرؤيته وثقافته.
النظرية البريطانية
لا تغفل غوليماري رأي ت. أس. إليوت، فهو واحد من أكثر المبدعين والمنظرين الذين أثرت نظرتهم للأدب في الواقع الإبداعي العربي. نظر إليوت إلى الأدب على أنه حوار متصل مع التراث، واعتبر أن الإبداع لا يقوم على البوح الذاتي بقدر ما يقوم على صهر التجربة الفردية في بناء فني موضوعي، وهو ما عبّر عنه بمفهومي "التقليد والموهبة الفردية"، و"المعادل الموضوعي".
وتختم غوليماري فصول كتابها الإثني عشر بدراسات ما بعد الاستعمار التي نظرت إلى الأدب على أنه أداة لمقاومة الهيمنة الثقافية وإعادة كتابة التاريخ من منظور المهمشين، من دون أن تتجاهل النقد النسوي باعتباره مجالاً لكشف البنى الذكورية وإبراز الخبرة النسوية. قبل أن تنتهي إلى تيارات ما بعد الحداثة التي نظرت للأدب كخطاب ثوري يهدم السرديات الكبرى، ويحتفي بالتعدد والتشظي والتناص، ويرفض أي معنى نهائي أو حقيقة مطلقة للنص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تحولات كبيرة استطاعت غوليماري أن تقبض عليها في مجلد واحد يشمل دراسات أكثر من 2500 عام من النقد الأدبي، بطريقة مفهومة وغنية بالمعلومات. ويلاحظ أنها أفردت فيه مساحة واسعة للنقاد والمنظرين الإنجليز، من خلال الفصل الثامن وهو أطول فصول الكتاب. وفي هذا الفصل تناولت بإسهاب النقد الديناميكي البريطاني العابر للحدود الوطنية في القرن العشرين عند ت. أس إليوت وريتشاردز وإمبسون وليفيس. وسلطت الضوء على نسوية فرجينا وولف، ونقاد ما بعد الاستعمار. وربما تكون هذه العناية نابعة من درايتها الواسعة بنقاد بلدها. ويلاحظ أنها في الفصول الأخيرة من الكتاب اختلف أسلوبها قليلاً عما كان عليه في الفصول الأولى، إذ جنحت إلى تلخيص كتب المفكرين والمنظرين أكثر من إعطاء نظرة عامة عن مناهجهم النقدية.
المترابط الموضوعي
أشار الكتاب إلى مدى تأثير دي سوسير في النقد الأدبي الحديث، لكنه في الوقت نفسه أغفل أفكار من جاؤوا بعده مثل نعوم تشومسكي وفلاسفة اللغة، بدءاً بفيتغنشتاين، وجون أوستن، وجون سيرل، وغيرهم ممن كان لهم دور بارز في نشأة التداولية، سواء في بعدها اللغوي أو في تطبيقاتها النقدية. تلك النظرية التي أولت اهتماماً كبيراً بالخطاب وآليات الإقناع والحجاج، وبكيفية صناعة العالم عبر اللغة.
ومن جانب آخر، انصرفت المؤلفة إلى المنجز النقدي الغربي وحده، وأغفلت المنجز النقدي العربي في العصور الوسطى، فضلاً عن إسهامات بقية الأمم. فلم يحضر في الكتاب من الأفارقة أو العرب إلا أولئك الذين ارتبطوا بالثقافة الغربية وكتبوا بلغاتها، مثل إدوارد سعيد وإيهاب حسن.
ومن أبرز مشكلات الترجمة ما يتعلق بالمصطلحات النقدية، مثل ترجمة مصطلح Objective Correlative أحد أشهر مصطلحات ت. أس. إليوت، إلى "المترابط الموضوعي"، على رغم استقرار ترجمته في النقد العربي بصيغة "المعادل الموضوعي". ومع ذلك، فقد حاولت المترجمة في كثير من المواضع تدارك إشكال اختلاف الترجمات، فإذا ورد ذكر كتاب سبق أن تُرجم إلى العربية، أشارت في الهامش إلى عنوانه العربي المتداول. غير أنها لم تلتزم دائماً بتوحيد هذه الترجمات داخل الكتاب نفسه؛ فقد اعتمدت في أحد الفصول ترجمة كتاب The Second Sex بعنوان "الجنس الثاني"، وأبدت سبب تفضيلها لهذه الترجمة على الأخرى، ثم عادت في فصل آخر لتذكره بعنوان "الجنس الآخر".
يبقى في الختام أن نشير إلى أن هذا الكتاب، كما جاء في مقدمته، يمثل مرجعاً مهماً لكل من يرغب في تتبع العلاقات التاريخية بين المنظرين والنظريات الأدبية. ويعد مدخلاً مثالياً لمن يقترب من النظريات الأدبية للمرة الأولى، أو لمن لا يمتلك معرفة كافية بتاريخها وتطورها. وفي هذا الرصد التاريخي يتوافق هذا الكتاب مع كتاب رومان سلدن "النظرية الأدبية المعاصرة". إلا أنه على رغم اقتصار كتاب سلدن على النظريات الحديثة، فإنه يقدم عرضاً أكثر إحكاماً وعمقاً في تتبع نشأتها وتطورها.