Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حصن قضائي وقوانين استثنائية لمحاكمة معتقلي "7 أكتوبر"

مخطط غير مسبوق لتشييد مجمع أمني هو الأول من نوعه في تاريخ إسرائيل أقر بـ93 صوتاً ورصدت له موازنة حكومية ضخمة

تحييد القضاء المدني الإسرائيلي واللجوء لتركيبة استثنائية تضم أكثر من 60 قاضياً يجمعون بين القضاة العسكريين وقضاة المحاكم اللوائية المدنية (غيتي)

ملخص

مع تحديد إطار زمني لا يتجاوز عاماً واحداً لإتمام المنشأة والهيكلية القضائية، تسابق المؤسستان السياسية والعسكرية في إسرائيل الزمن لبدء أولى الجلسات العرضية والمحاكمات مع نهايات العام الحالي أو مطلع العام المقبل.

بينما تتواصل أعمال البناء والتجهيز يظل هذا المجمع ساحة مواجهة مفتوحة بين رغبة إسرائيلية في فرض "عدالة الانتقام" تحت شاشات البث المباشر، وجهد حقوقي ودولي وفلسطيني يسعى إلى تعرية هذه المنظومة وكشف خروجها الكامل عن روح وعدالة القانون الدولي.

على التخوم الشمالية لمدينة القدس، وتحديداً في عمق المنطقة الصناعية بـ"عطروت"، لا تتوقف حركة الجرافات والمعدات الإسرائيلية الثقيلة عن دك الأرض وتمهيدها لإنشاء بناء غامض ومحاط بحراسة أمنية مشددة. للوهلة الأولى، قد يبدو المشروع مجرد توسعة استيطانية أو مجمع تجاري جديد، لكن الوثائق الصادرة عن الكنيست الإسرائيلي تكشف عن ملامح مخطط غير مسبوق لتشييد مجمع قضائي وأمني استثنائي هو الأول من نوعه في تاريخ إسرائيل، أقر بـ93 صوتاً ورصدت له موازنة حكومية ضخمة تتجاوز المليار شيكل (ما يعادل نحو 270 إلى 300 مليون دولار أميركي)، موزعة على الأعوام الممتدة بين 2026 و2029. هذا السباق الميداني مع الزمن ليس مجرد إجراء لوجيستي لبناء قاعات قضاء، بل هو وضع لحجر الأساس لأكبر ملف قضائي وسياسي شهده الإقليم منذ عقود، ملف يخص محاكمة معتقلي هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ممن تصنفهم السلطات الإسرائيلية ضمن "عناصر النخبة". وبين سرعة الإنجاز الميداني والغموض الذي يحيط بطبيعة المنظومة التي ستدار داخل هذا الجدار المغلق، تثار تساؤلات حادة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت إسرائيل إلى نقل هذه المحاكمات إلى نقطة تماس جغرافية ملتهبة، وعن طبيعة الهيكلية القضائية والتقنية التي تعد خلف الكواليس لإدارة هذا الملف المعقد.

قوانين استثنائية

تستند المحكمة الخاصة في "عطروت" إلى إطار قانوني جرى تفصيله خصيصاً في الكنيست الإسرائيلي لتجاوز التعقيدات الإجرائية التي فرضها القانون الجزائي العادي أو قانون القضاء العسكري التقليدي. بدلاً من التعامل مع القضية وفق معايير المحاكمة الفردية التي تتطلب إثبات الركن المادي والمعنوي لكل متهم على حدة وبأدلة قاطعة، يعتمد التشريع الجديد على توسيع مطاطي لمفهوم "الاشتراك الجماعي في الجرم". يتيح هذا التوسيع للنيابة العامة والادعاء العسكري توجيه لوائح اتهام جماعية تستند إلى مجرد الوجود في رقعة جغرافية معينة أثناء الأحداث، مما يسهل إصدار أحكام إدانة عالية القسوة من دون الحاجة إلى التفصيل الجنائي المعتاد.

علاوة على ذلك، أحدث التشريع تغييراً جذرياً في "قواعد قبول الأدلة الإثباتية"، فوفقاً لما تسرب عن مداولات لجنة القانون والدستور في الكنيست برئاسة النائب سيمحا روتمان، فإن المحكمة تجيز اعتماد الإفادات والأدلة الاستخباراتية الشفهية والسرية، وتسمح بتقديم اعترافات أخذت أثناء التحقيقات الأولية في مراكز الاحتجاز التابعة لـ"الشاباك" وإدارة السجون، وهي ظروف شابتها شهادات واسعة عن استخدام التعذيب الشديد والإكراه النفسي والجسدي، كذلك يفرض التشريع قيوداً صارمة على حقوق الدفاع، بدءاً من تقليص صلاحيات المحامين في الاطلاع على ملفات الأدلة الكاملة، وصولاً إلى منع التوكيلات للمحامين الفلسطينيين أو الدوليين في كثير من المحاور الرئيسة، مما يخل بمبدأ "تكافؤ الفرص" في الخصومة القضائية.

صدام دولي

هذه التعديلات الإجرائية تضع المحكمة الاستثنائية في حال اصطدام صريح ومباشر مع أحكام القانون الدولي الإنساني، وتحديداً اتفاقية جنيف الثالثة المعنية بمعاملة أسرى الحرب واتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية الأشخاص المدنيين في زمن الحرب، فالقانون الدولي يحظر حظراً قاطعاً إنشاء محاكم خاصة أو استثنائية بأحكام وقواعد تراجعية لتطبيقها على محتجزين ناجين عن نزاع مسلح قائم، ويشترط أن يمثل المعتقلون أمام محاكم قائمة مسبقاً وتتمتع بالاستقلالية والحياد التام عن أطراف النزاع. وقد تجسد هذا الموقف الدولي المحذر في البيان الصادر عن متخصصي ومقرري مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الذي جاء فيه أن "إنشاء محاكم عسكرية استثنائية لمحاكمة محتجزين في ظل نزاع مسلح يخالف بصورة صريحة أحكام اتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة"، وأضاف "أي أحكام بالموت أو العقوبات القاسية تصدر عن هيئات قضائية تستحدث خصيصاً وتفتقر إلى معايير الاستقلالية والحيدة والنزاهة، تعد بمثابة إعدام خارج نطاق القضاء وانتهاك لجريمة حرب بموجب ميثاق روما الأساس". وفي السياق ذاته أكدت مؤسسات حقوقية دولية ومحلية، في مقدمها مركز "عدالة" ومنظمة "العفو الدولية"، أن هذا المسار القضائي يمثل خطوة خطرة لنزع الصفة القانونية عن المعتقلين وتحويلهم إلى موضوع لـ"محاكمات استعراضية"، وأوضحت هذه المنظمات أن الغرض الحقيقي من تحييد القضاء المدني واللجوء لتركيبة استثنائية تضم أكثر من 60 قاضياً، يجمعون بين القضاة العسكريين وقضاة المحاكم اللوائية المدنية، هو إضفاء صبغة "إجماع سياسي ووطني إسرائيلي" على قرارات متخذة ومصاغة مسبقاً في الغرف المغلقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 حرب نفسية

تظهر البيانات الرسمية المتعلقة بالتصميم الهندسي لمجمع "عطروت" أن الغاية من بناء المنشأة تتجاوز إقامة الجلسات إلى تحويل المحكمة إلى استوديو بث مباشر وإدارة إعلامية عالية الدقة. ووفقاً للبيانات التقنية الصادرة عن وزارة العدل والشرطة الإسرائيلية، فقد جرى تزويد المجمع بمنظومة التصوير والبث، عبر تركيب أكثر من 20 كاميرا عالية الدقة (4K) قابلة للتحكم من بعد ومربوطة ببنك بيانات إلكتروني، لإتاحة البث المباشر للجلسات عبر منصة عالمية مخصصة ومترجمة للغات عدة، كذلك جرى تجهيز القاعات التسع المخصصة للمحاكمات بأكثر من 15 شاشة عرض ضخمة، تستخدم لتثبيت الأدلة البصرية، ومقاطع الفيديو، والصور الجوية، والشرائح المصورة أثناء ادعاء النيابة العامة. ويحوي المجمع قاعتين إضافيتين بمساحات واسعة تتسعان لأكثر من 300 شخص، جرى تخصيصهما لاستضافة عائلات القتلى والمستوطنين، إضافة إلى الوفود الدبلوماسية والإعلاميين الأجانب والمحليين لمتابعة القضية عبر الشاشات، إضافة إلى ذلك جرى توزيع القضايا والادعاءات على أكثر من 10 محاور جغرافية رئيسة (تغطي مواقع مثل كيبوتس بئيري، نير عوز، كفار عزة، ومهرجان نوفا)، بهدف تركيز الإعلام على كل منطقة على حدة وإعادة إنتاج التغطية اليومية للتفاصيل.

صناعة الردع

هذا الاستعراض التقني والبصري يسقط عن المحكمة صفة الصمت والسرية القضائية ليضعها في قلب الحرب النفسية، فالمؤسسة الإسرائيلية من خلال البث المباشر للشاشات وإظهار المعتقلين الفلسطينيين داخل أقفاص الاتهام وتحت حراسة مشددة، تسعى إلى امتصاص حال الغضب الشعبي العارمة، وترميم شعور الأمان والسيطرة الذي انكسر في السابع من أكتوبر 2023، عبر تقديم "مشهدية انتقامية علنية" ترضي الشارع والمجموعات الاستيطانية الضاغطة، وتكرار وتثبيت الرواية الرسمية الإسرائيلية حول أحداث ذلك اليوم في وسائل الإعلام الدولية، للتغطية على التقارير الدولية الصادرة في شأن الحرب والدمار والانتهاكات الجارية في قطاع غزة والضفة الغربية، ومحاولة إعادة بناء "حاجز الخوف والردع" من خلال إبراز القوة القمعية والقضائية، واستخدام الأحكام المرتقبة كرسالة تهديد مستمرة، فضلاً عن تحضير البيئة السياسية لمنع شمول هؤلاء الأسرى في أي صفقة تبادل مستقبلية.

أبعاد جيوسياسية

لم يكن اختيار المنطقة الصناعية في "عطروت" قراراً هندسياً عفوياً ناتجاً من توفر الأراضي الفارغة فحسب، بل هو قرار جيوسياسي يحمل دلالات استراتيجية تتصل بواقع مدينة القدس، فهي تقع في الجانب الشمالي من القدس، وتتداخل جغرافياً بين أحياء فلسطينية ذات كثافة سكانية عالية (مثل كفر عقب ومخيم قلنديا) وبين حدود محافظة رام الله والبيرة. وإقامة هذا المجمع الاستثنائي في تلك المنطقة سيسهم مباشرة وفقاً لمحللين ومراقبين، في تعزيز الجدار الاستيطاني، وذلك عبر ترسيخ البنية التحتية السيادية والأمنية الإسرائيلية في مناطق النزاع الشمالية للقدس، مما يعزز مخططات عزل المدينة تماماً عن محيطها الديموغرافي والسياسي الفلسطيني في الضفة الغربية، كذلك يفرض السيادة بالقوة القضائية، من خلال استخدام المنشآت القضائية الكبرى كوسيلة لإثبات "السيادة الإسرائيلية الموحدة" على القدس بشطريها الشرقي والغربي، وتحدي القرارات الدولية التي تصنف القدس الشرقية كأرض محتلة. من الناحية اللوجيستية والأمنية كان الخيار الأول للمؤسسة القضائية الإسرائيلية هو عقد هذه المحاكمات داخل المحاكم اللوائية في مدن رئيسة مثل تل أبيب أو القدس الغربية. غير أن الأجهزة الأمنية (الشاباك والشرطة وإدارة السجون) رفضت هذا الخيار بناءً على تقييمات الأخطار، التي حذرت من صعوبة وتأمين عمليات نقل مئات المعتقلين يومياً من السجون الاستراتيجية المغلقة إلى وسط المدن المزدحمة، وما يمثله ذلك من ثغرات أمنية وكلف حراسة مشددة. والتخوف من اندلاع تظاهرات عارمة ومواجهات أمام المحاكم في وسط المدن، سواء من قبل أهالي المعتقلين والمؤسسات الحقوقية، أو من قبل المتظاهرين اليمينيين والاحتجاجات المتبادلة. بناءً على ذلك، وفرت "عطروت" الحل الأمني المثالي عبر إنشاء "مجمع مدمج ومغلق" يجمع بين قاعات القضاء ومقرات التحقيق وثكنات الحراسة للشرطة والجيش ومراكز الاحتجاز الموقتة في نقطة جغرافية واحدة معزولة ومحاطة بالحواجز، مما يقلل حركة النقل الخارجية ويضمن السيطرة الأمنية المطلقة على أي تحرك.

مواقف رسمية

عقب المصادقة النهائية على قانون المحكمة، أكد الكنيست الإسرائيلي عبر بيان رسمي "إن هذا التشريع التاريخي يهدف إلى إقامة العدالة المباشرة ومحاسبة كل من خطط وشارك ونفذ هجمات السابع من أكتوبر أمام هيئة قضائية عسكرية واستثنائية خاصة في القدس، بما يتناسب مع حجم وطبيعة الجرائم المرتكبة ضد الشعب اليهودي ودولة إسرائيل". في حين كان وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، أكثر وضوحاً في تحديد الغاية السياسية من المجمع أثناء زياراته التفقدية، حين صرح قائلاً "إن هذه المحكمة وقوانينها الاستثنائية يجب ألا تكون مجرد منصة للمداولات الطويلة، بل هي الخطوة الأولى والأساسية نحو تطبيق عقوبة الإعدام في حق معتقلي النخبة"، وأضاف "هؤلاء القتلة يجب أن يواجهوا الموت بموجب أحكام قضائية قاطعة، وألا يسمح بشمولهم في أي صفقات تبادل أو مساومات سياسية مستقبلاً".

في المقابل، قوبل المشروع برفض قاطع وتحذيرات شديدة من الجانب الفلسطيني، فقد أصدرت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية بياناً شديد اللهجة جاء فيه "إقدام سلطات الاحتلال على إنشاء هذا المجمع القضائي في منطقة عطروت المحتلة بالقدس يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الفلسطينية ولجميع المواثيق وقرارات الشرعية الدولية"، مشيرة إلى أن هذه المحكمة "ليست سوى منظومة انتقامية غير قانونية تدار تحت غطاء قضائي مزيف، وتهدف بالأساس إلى شرعنة الإعدام الميداني والقضائي في حق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين"، كذلك أصدرت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني بياناً مشتركاً أكدا فيه "إن ما يجري الإعداد له في عطروت ليس محاكمات بالمعنى القانوني، بل هي مسرحيات صورية وانتقامية معدة نتائجها مسبقاً. إن هدف هذه الهياكل هو التغطية على جرائم التعذيب والتنكيل الشديد التي تعرض لها الأسرى منذ لحظة اعتقالهم، وحرمانهم الممنهج من أبسط حقوق الدفاع المعترف بها دولياً".

شرعنة الإعدام

تجاوزت محكمة عطروت الخاصة مرحلة النقاشات النظرية والنصوص المكتوبة على الورق، لتتحول بسرعة إلى واقع ميداني ملموس تشير إليه آليات تمهيد الموقع والموازنات الحكومية المرصودة حتى عام 2029. ومع تحديد إطار زمني لا يتجاوز عاماً واحداً لإتمام المنشأة والهيكلية القضائية، تسابق المؤسستان السياسية والعسكرية في إسرائيل الزمن لبدء أولى الجلسات العرضية والمحاكمات مع نهايات العام الحالي أو مطلع العام المقبل. إن مجمع "عطروت" لا يمثل مجرد مقر قضائي محصن، بل هو مجسم يختصر العقيدة السياسية والأمنية الإسرائيلية في تعاملها مع الفلسطينيين، عبر استغلال القضاء لصناعة مسرح إعلامي يعيد إنتاج الردع، واستخدام الأرض لفرض واقع استيطاني جديد، وتطويع التشريعات لتجاوز المواثيق الدولية وشرعنة عقوبة الإعدام ضد المعتقلين الفلسطينيين. وبينما تتواصل أعمال البناء والتجهيز، يظل هذا المجمع ساحة مواجهة مفتوحة بين رغبة إسرائيلية في فرض "عدالة الانتقام" تحت شاشات البث المباشر، وجهد حقوقي ودولي وفلسطيني يسعى إلى تعرية هذه المنظومة وكشف خروجها الكامل عن روح وعدالة القانون الدولي.

المزيد من تقارير