ملخص
أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند حظر استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، لكن الجزء الأثقل في بيانه لم يكن تجارياً، إذ أعلن أن الموقف الرسمي للحكومة البريطانية صار يعتبر الاحتلال نفسه غير قانوني، وأنها توافق على أن ما يجري في مناطق من الضفة هو تطهير عرقي. التوصيف القانوني أبعد أثراً من بضاعة ممنوعة بعشرات ملايين الدولارات، والسؤال الذي يواجه المملكة المتحدة الآن ليس ما إذا كان الحظر مؤلماً اقتصادياً لإسرائيل، بل ما إذا كانت المملكة المتحدة مستعدة لدفع كلفته في ملفات أخرى لا علاقة لها بالتمر والنبيذ.
وقف وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم لا ليعلن حظراً جمركياً فحسب، بل ليغير جملة ظلت ثابتة في القاموس الرسمي البريطاني عقوداً. قال إن حكومته "توافق" على أن ثمة تطهيراً عرقياً للفلسطينيين في مناطق من الضفة الغربية يرتكبه مستوطنون، وأن الحكومة الإسرائيلية "غضت الطرف عنه في أحيان كثيرة"، بل إن أعضاء فيها اتخذوا مواقف داعمة للتهجير القسري. ثم أضاف الجملة الأثقل "أعلن اليوم أن الرأي الرسمي للحكومة البريطانية هو أن الاحتلال غير قانوني"، وكانت لندن تكتفي منذ عقود بوصف المستوطنات وحدها بعدم القانونية، لا الاحتلال في مجمله.
الإجراءات جاءت بعد التوصيف لا قبله، حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات، ومنع إعلان هذه المستوطنات داخل بريطانيا، وعقوبات تطاول شركات وأفراداً يقدمون خدمات لتوسيع الاستيطان، من البناء إلى التمويل، مع تحذير مباشر لمن يفعل ذلك بأنه سيواجه كامل قوة العقوبات البريطانية. وحرص ميليباند على تسييج الخطوة من جهتين: قال إن الهدف هو المستوطنات لا إسرائيل، وإنه يعارض "من كل قلبه" حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات المعروفة اختصاراً بـ"بي دي إس"، وإن خلاف بلاده "ليس مع شعب إسرائيل بل مع سلوك حكومتها". أما في شأن غزة، فأبقى الباب موصداً أمام مطلب اليسار العمالي، إذ قال إن موقف بريطانيا من اتهامات الإبادة الجماعية يظل دعم "عملية كاملة ومتينة" للنظر فيها، وأن مكانها محكمة العدل الدولية أولاً، وأن لندن تدعم المحكمة في الوصول إلى حكمها.
الجديد الثاني أن بريطانيا لم تخرج منفردة، ففي اليوم نفسه صدر بيان مشترك تقوده لندن وباريس وأوتاوا، وانضمت إليه الدنمارك وفنلندا وأيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، يعلن تحركاً من 12 دولة لتقييد التجارة في سلع المستوطنات عبر إجراءات وطنية وعمل أوروبي، ويرحب بما اتخذته إيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا، ويعارض "بحزم" ما وصفه بأفعال ترقى إلى ضم أراض فلسطينية وتهجير قسري للسكان. ووفق صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية انضمت فرنسا إلى الإعلان البريطاني، بعد تعثر مسعى فرنسي - سويدي إلى فرض قيود على منتجات المستوطنات على مستوى الاتحاد الأوروبي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المحرك المباشر لخطوات بريطانيا وبقية الدول الأوروبية هو مشروع "إي 1" شرق القدس، الذي منحت إسرائيل موافقتها النهائية عليه العام الماضي بأكثر من 3400 وحدة سكنية، وطرحت أخيراً مناقصة لنحو 1200 وحدة، ويرى الأوروبيون أنه يفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها ويقطع صلتها بالقدس الشرقية.
تقول تقارير إن الحظر يهدف إلى مواءمة الموقف البريطاني مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو (تموز) 2024، ولكن هل تأثير الحظر على إسرائيل مالياً يستحق تحمل عناءه السياسي على لندن؟
قراءة الأرقام تضبط حجم ما جرى، فتجارة السلع والخدمات بين البلدين بلغت نحو 6 مليارات جنيه استرليني، أكثر من 8 مليارات دولار، في العام المالي المنته في مارس (آذار) 2026، منها 3.5 مليار صادرات بريطانية و2.4 مليار واردات. وتعتبر إسرائيل هي الشريك الـ43 لبريطانيا بنسبة 0.3 في المئة من إجمالي تجارتها، أما منتجات المستوطنات فمحرومة أصلاً من المعاملة الجمركية التفضيلية منذ عام 2005، وإجمالي تجارة بريطانيا معها بلغ نحو 38 مليون جنيه استرليني، ولذلك نقل موقع "كومون دريمز" عن دبلوماسيين بريطانيين إقرارهم في مجالسهم الخاصة بأن الحزمة "رمزية في معظمها"، فيما تظل مشكلة تمييز منشأ السلع بين داخل الخط الأخضر وخارجه العقبة التنفيذية التي كثيراً ما تذرعت بها وزارة الخارجية.
الكلفة إذاً ليست حيث يبحث عنها الخصوم، تهديد هاكابي كان صريحاً حين قال إن الخطوة ستلحق ضرراً بالغاً ببريطانيين يعملون في عدد من الولايات الأميركية، وأشار تحديداً إلى فلوريدا. والتقط النائب الجمهوري راندي فاين الخيط فكتب أن قانوناً مرره في مجلس تشريع الولاية يمنع أية شركة بريطانية تلتزم بالمقاطعة من التعامل مع أية جهة حكومية في فلوريدا، ووصف السياسة البريطانية بأنها "مشروع غرور" قد يكلف لندن مليارات الدولارات. حضت واشنطن لندن سراً على التراجع، ولكن يبدو أن آندي بيرنهام قرر المضي قدماً بخطوته.
في الجانب الإسرائيلي، قال وزير الخارجية جدعون ساعر إن إسرائيل ستتحرك ضد بريطانيا ما دامت تحركت ضدها، وبلاده لديها الأدوات. كذلك دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير نتنياهو إلى الاعتراف بالسيادة الأرجنتينية على جزر فوكلاند، وفرض عقوبات على بريطانيا ما دام "الاحتلال" مستمراً. فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب لقناة "جي بي نيوز" إنه لن يدعم بريطانيا إذا غزت الأرجنتين الأرخبيل، معللاً ذلك بأن لندن لم تقف معه حين بدأت واشنطن وتل أبيب حربهما على إيران في فبراير (شباط). هذا هو مضمون الكلفة الحقيقية لبريطانيا: ملفات سيادية وأمنية تفتح، رداً على ملف تجاري هامشي.
داخلياً، يقف ميليباند على أرض صلبة نسبياً. فقد أظهر استطلاع أجرته "يوغوف" وشمل 6142 شخصاً، أن 50 في المئة يؤيدون حظر التجارة مع المستوطنات، في مقابل 16 في المئة يعارضون و34 في المئة لا يعرفون، مع تأييد يعبر الخطوط الحزبية ليشمل غالبية من ناخبي حزبي "المحافظين" و"ريفورم". واستطلاع آخر أجرته "أوبينيوم" ونشره المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية سجل 46 في المئة مؤيدين و18 في المئة معارضين، وكان نحو 140 نائباً من "العمال" قد وقعوا في يونيو (حزيران) رسالة تطالب بالحظر.
في المقابل، حجة المعارضين ليست اقتصادية بل أمنية. قال وزير الخارجية في حكومة الظل توم توغندهات لصحيفة "التلغراف" إن إسرائيل "أحد أهم شركائنا الاستخباريين"، وإن حوادث كثيرة لم تقع بفضل التعاون معها حين كان وزيراً للأمن. وحذر المراجع المستقل لتشريعات مكافحة الإرهاب جوناثان هول من أن "تحريك القدر" بتحويل إسرائيل إلى دولة منبوذة قد يعيد اللهب لما فوق، مذكراً بأن هجوم هيتون بارك في مانشستر وقع قبل عام فقط، لكنه أكد في الوقت ذاته من أن بعض عنف المستوطنين "يرقى إلى الإرهاب". كذلك وصفت مجموعة "أصدقاء إسرائيل" في حزب المحافظين خطوة الحكومة بأنها "غير مبررة أخلاقياً"، بينما ركزت "أصدقاء إسرائيل" في حزب العمال على صعوبة التنفيذ وارتداده على البريطانيين والفلسطينيين معاً.
ويواجه بيرنهام ضغطاً لا يقل حدة من يساره، فحزب "الخضر" بقيادة زاك بولانسكي لا يعتبر الحظر كافياً، كذلك ترى "حملة التضامن مع فلسطين" التي تصف الحزمة بأنها متأخرة ومنقوصة ما دامت لا تشمل حظر سلاح كاملاً ولا تسمي ما يجري في غزة باسمه.
لا توجد حتى الآن واقعة معلنة لقطع إسرائيلي لقناة استخبارية مع لندن، والحديث يدور عن أخطار محتملة لا عن أثر متحقق، كما أن التعاون الأمني بين البلدين خدم الطرفين لا طرفاً واحداً. كما أن المتحدثة باسم الحكومة البريطانية لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جوسلين وولر قالت في حديث مع "اندبندنت عربية" إن المقاربة الجديدة لعلاقة لندن وتل أبيب تنحصر في ما يهدد تنفيذ حل الدولتين، ويطاول فقط العلاقة مع المستوطنات الإسرائيلية التي تعتبر غير قانونية وفق القانون الدولي.
أمام بيرنهام اليوم ثلاثة مسارات ليست سهلة التنفيذ ومختلفة الدلالات، الأول تمرير الحظر عبر تشريع أولي يشمل الخدمات والاستثمار وصلاحيات إنفاذ حقيقية عبر سلسلة التوريد، وربما توسيعه إلى القدس الشرقية والجولان. قد يجعل هذا المسار بريطانيا متسقة مع رأي محكمة العدل الدولية ويطفئ الضغط البرلماني قبل الانتخابات الفرعية، لكن كلفته وقت برلماني ثمين ومواجهة مفتوحة مع واشنطن وتشريعات ولايات مثل فلوريدا.
المسار الثاني هو الاحتواء المدار، أي حظر السلع وحدها بأداة تنظيمية أسرع، مع لغة سياسية عالية النبرة تعوض ضيق المضمون. ربما يحمي ذلك القناة الأمنية مع تل أبيب والعلاقة مع البيت الأبيض، لكن كلفته أن يتحول الإجراء إلى ما وصفه الدبلوماسيون أنفسهم بالرمزي، فيمنح "الخضر" ذخيرة جاهزة. والمسار الثالث هو التصعيد القانوني بالانضمام إلى إجراءات أمام محكمة العدل الدولية أو حظر تصدير سلاح شامل، وهو الأقل احتمالاً لأن ميليباند نفسه، وفق ما نقلته مصادر بريطانية، يقر بمحدودية نفوذ بلاده على مسار غزة.
قد يلجأ بيرنهام إلى تركيبة من الأول والثاني: إعلان طموح في العنوان، وتنفيذ متدرج يبدأ بالسلع ويؤجل الخدمات والاستثمار إلى مسار تشريعي أطول. وستكون الإشارة الحاسمة إلى نيات لندن في نص أدوات الإنفاذ، أي في ما إذا كان الحظر يمتد فعلاً إلى التمويل والتأمين والإعلان، ويطاول الموزعين وتجار التجزئة لا المستوردين وحدهم، وما إذا كان سيشمل القدس الشرقية والجولان.
يبقى أن لندن اختارت أضعف أوراقها الاقتصادية لتخوض بها أصعب معركة سياسية، فالتجارة موضع الحظر لا تكاد تظهر في الأرقام، بينما الفواتير المحتملة معلقة في ملفات لا صلة لها بالتمر والنبيذ: قناة استخبارية، وسيادة على جزر في الأطلسي الجنوبي، وتشريع ولاية أميركية بعيدة. والأدهى أن قراراً صيغ لحماية حل الدولتين قد يقرأ في تل أبيب على أنه هدية انتخابية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي يخوض اقتراعاً صعباً في الـ27 من أكتوبر (تشرين الثاني)، بوصفه المدافع عن إسرائيل في وجه العالم.