Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سودانيات يحولن منازلهن إلى مشاريع تعول أسرهن

الباحثة في علم الاجتماع والاقتصاد سوسن يوسف تقول "الدخل الذي تحققه المرأة يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية داخل الأسر"

عندما تنجح صاحبة المشروع في إنتاج أول دفعة من منتجاتها وبيعها، تبدو الرحلة وكأنها أصبحت أكثر سهولة، لكن الواقع يكشف العكس (حسن حامد - اندبندنت عربية)

ملخص

لم تبدأ معظم المشاريع المنزلية بخطة استثمارية مدروسة، وإنما بولادة الحاجة. فعندما تضيق الخيارات وتتراجع مصادر الدخل، يصبح المنزل هو رأس المال الوحيد المتاح، وتتحول المهارات التي كانت تمارس داخل الأسرة إلى منتجات قابلة للبيع.

قبل سنوات كان يُنظر إلى العمل المنزلي باعتباره نشاطاً محدوداً لا يتجاوز حدود الأسرة، لكن التحولات الاقتصادية المتسارعة في السودان، وارتفاع كلف المعيشة، وتراجع فرص التوظيف، دفعت آلاف النساء السودانيات إلى إعادة تعريف المنزل نفسه، إذ لم يعد المطبخ مكاناً لإعداد الطعام فحسب، ولا غرفة الجلوس مساحة للراحة، بل تحول كلاهما إلى خطوط إنتاج صغيرة تخرج فيها العطور والبخور والملابس والحلويات ومستحضرات التجميل والأعمال اليدوية، لتشق طريقها نحو الأسواق التقليدية والمنصات الرقمية.

 

اقتصاد الضرورة

لم تبدأ معظم المشاريع المنزلية بخطة استثمارية مدروسة، وإنما بولادة الحاجة. فعندما تضيق الخيارات وتتراجع مصادر الدخل، يصبح المنزل هو رأس المال الوحيد المتاح، وتتحول المهارات التي كانت تمارس داخل الأسرة إلى منتجات قابلة للبيع.

تروي أميرة قاسم، وهي صاحبة مشروع تجاري أطلقته في القاهرة، أن "فكرة مشروعها لم تكن تخطر ببالها قبل سنوات، فهي كانت تصنع البخور والعطور السودانية لاستخدامها الشخصي، كما تعلمت ذلك من والدتها وجدتها، لكن بعد نزوح أسرتها بسبب الحرب، وجدت نفسها أمام مسؤوليات مالية لم تكن تتوقعها". وأضافت أن أول ما فكرت فيه هو استثمار ما تعرفه جيداً، إذ اشترت كميات صغيرة من الزيوت العطرية وخشب الصندل والمحلب وبعض المكونات التقليدية، وبدأت تصنيع البخور والعطور داخل مطبخ منزلها، مضيفة أنها باعت في البداية لـ10 سيدات فقط من معارفها، ثم بدأت الطلبات تتزايد عبر توصيات الزبائن، وزادت صاحبة المشروع أن أكثر ما منحها الثقة هو عودة العميلات مرة أخرى، إذ لم يعد المنتج مجرد وسيلة للحصول على المال، بل أصبح يحمل جزءاً من الهوية السودانية التي تفتقدها كثيرات من النساء في الغربة. وبعد أشهر قليلة، أصبح المشروع يوفر الجزء الأكبر من دخل الأسرة، وساعدها على شراء معدات أفضل وتوسيع قائمة المنتجات لتشمل الكريمات الطبيعية والزيوت ومستحضرات العناية التقليدية.

فرص رقمية

أصبح نجاح المشروع المنزلي مرتبطاً بقدرته على الوصول إلى الجمهور. فمع انتشار الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، تحولت آلاف النساء من انتظار الزبون إلى الوصول إليه مباشرة، وأصبح الهاتف بمثابة متجر، ومعرض، ووسيلة إعلان، ومكتب لاستقبال الطلبات في الوقت نفسه.

في الماضي، كانت صاحبة المشروع تحتاج إلى استئجار محل تجاري وتحمُّل كلف مرتفعة حتى تعرض منتجاتها، لكن اليوم أصبح الأمر يعتمد على صورة احترافية، وفيديو قصير، ومنشور على مواقع التواصل، لإيصال المنتج إلى مئات وربما آلاف العملاء خلال ساعات، مما فتح الباب أمام جيل جديد من رائدات الأعمال اللاتي بدأن مشاريعهن من داخل المنزل.

 

تحكي علياء جوهر وهي شابة سودانية في الـ30 من عمرها، أنها "كانت تعمل في تصميم الملابس قبل أن تضطر إلى ترك عملها بسبب ظروف النزوح، إذ لم يكن بحوزتها رأس مال يكفي لاستئجار متجر، لكنها كانت تمتلك ماكينة خياطة، وعدداً من تصاميم الملابس التي رسمتها خلال سنوات عملها، وتابعت جوهر "بدأت تنفيذ أول خمس قطع داخل إحدى غرف منزلنا، وصورتها بهاتفي المحمول، ثم أنشأت صفحة على (فيسبوك) وحساباً على (إنستغرام). ففي البداية كانت الطلبات محدودة وتأتي من دائرة الأصدقاء، لكنني حرصت على نشر صور كل قطعة بعد تسليمها، وطلبت من الزبونات مشاركة تجاربهن مع المنتجات"، وبينت أن "نقطة التحول جاءت عندما بدأت تقدم مقاطع فيديو قصيرة تشرح تفاصيل الأقمشة، وطريقة التفصيل، وكيفية تنسيق الأزياء، فازداد التفاعل بشكل لافت، وأصبحت تتلقى طلبات من مدن مختلفة، بل ومن سودانيات مقيمات في الخليج". وأكدت مصممة الملابس أن "المشروع لم يعد يقتصر على الخياطة، بل أصبح يعتمد على التسويق وخدمة العملاء والرد على الرسائل والتنسيق مع شركات الشحن وإدارة الطلبات. وأحياناً أقضي وقتاً أطول أمام الهاتف أكثر من ماكينة الخياطة، وفي الحقيقة أن وسائل التواصل الاجتماعي هي التي منحت مشروعي فرصة الحياة".

عوائق مستمرة

عندما تنجح صاحبة المشروع في إنتاج أول دفعة من منتجاتها وبيعها، تبدو الرحلة وكأنها أصبحت أكثر سهولة، لكن الواقع يكشف العكس. فمع كل خطوة نحو التوسع، تظهر تحديات جديدة تتعلق بارتفاع أسعار المواد الخام، وتقلب الأسواق، وضعف السيولة، وصعوبة الوصول إلى التمويل، فضلاً عن الإجراءات القانونية التي لا تزال تشكل عائقاً أمام كثير من المشاريع المنزلية. وبينما تنجح بعض النساء في تجاوز هذه العقبات بجهود فردية، تتوقف مشاريع أخرى عند سنواتها الأولى، ليس بسبب ضعف المنتج، وإنما لعجزها عن مواكبة متطلبات النمو.

أوضحت أميمة إلصاق وهي سيدة تدير مشروعاً منزلياً لإنتاج الحلويات والمعجنات، أن "فكرتها بدأت من طلبات الجيران والأصدقاء الذين كانوا يثنون على جودة ما تعده في المناسبات. ومع مرور الوقت، اشترت فرناً أكبر وبعض الأدوات البسيطة، وبدأت تتلقى طلبات للحفلات وأعياد الميلاد"، واستطردت أن "الأشهر الأولى كانت مشجعة، إذ تضاعفت الطلبات بصورة لم تكن تتوقعها، لكنها اصطدمت سريعاً بارتفاع أسعار الدقيق والزبدة والشوكولاتة ومواد التغليف، حتى أصبحت كلفة الإنتاج تتغير كل أسبوع تقريباً. وكانت تجد نفسها مضطرة للاختيار بين رفع الأسعار، مما قد يؤدي إلى خسارة العملاء، أو الإبقاء عليها وتحمل جزء من الخسارة"، وواصلت أن "التحدي لم يكن مالياً فحسب، بل تنظيمياً أيضاً، فمع زيادة الطلبات أصبحت في حاجة إلى مساعدة عاملات أخريات، إلا أن مساحة المنزل لم تعد تكفي، إضافة إلى أن الحصول على معدات أكبر أو استئجار مكان مستقل يتطلب رأس مال لا تملكه"، ومضت الصادق قائلة "أكثر ما يخيفها هو أن يتوقف المشروع الذي تعتمد عليه أسرتها بالكامل بسبب ظرف اقتصادي مفاجئ أو زيادة جديدة في أسعار المواد الخام، ففي أحيان كثيرة أشعر أنني أدير مشروعاً ناجحاً، لكنني أسير فوق أرض غير مستقرة".

تمكين اجتماعي

في غرفة صغيرة داخل منزلها، لم تكن نوال تخطط في البداية لأكثر من تأمين دخل إضافي يساعدها على تلبية حاجات أسرتها، فقد بدأت بماكينة خياطة واحدة، وبعض الأقمشة، ومهارة تعلمتها منذ سنوات، إذ كانت تستقبل طلبات بسيطة من قريباتها وجاراتها، ثم تنفذها في المساحة ذاتها التي كانت تستخدمها لأعمال المنزل.

مع الوقت، بدأت الطلبات تكبر، ولم تعد الماكينة الواحدة تكفي، فاشترت أخرى، واستعانت بامرأة من الحي لمساعدتها في تنفيذ بعض القطع. ثم انضمت إليها أخرى، وأصبحت الغرفة الصغيرة التي بدأت منها مشروعها أشبه بمشغل مصغر تديره نساء يعملن ساعات محددة وفق حجم الطلبات.

قالت نوال إن التغيير الأكبر لم يكن في حجم المبيعات، وإنما في شعورها تجاه نفسها. ففي السابق كانت ترى المال الذي يدخل المنزل مسؤولية الآخرين، أما اليوم فأصبح لها دخل تستطيع من خلاله المساهمة في مصروفات الأسرة، ودفع بعض حاجات أبنائها، واتخاذ قرارات تتعلق بمشروعها من دون انتظار أن يوفر لها أحد رأس المال. وأضافت "أكثر ما يسعدني أن المشروع لم يعد يخصني وحدي، فالنساء اللاتي يعملن معي أصبحن يحصلن على دخل أيضاً وبعضهن أصبحن يتولين تنفيذ أجزاء كاملة من الطلبات من منازلهن".

توزيع أدوار

الباحثة في علم الاجتماع والاقتصاد سوسن يوسف رأت أن "الأثر الحقيقي للمشاريع المنزلية لا يمكن قياسه بحجم الأرباح فحسب، لأن الدخل الذي تحققه المرأة يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية داخل الأسر، فامتلاك المرأة مصدر دخل خاص بها يمنحها قدرة أكبر على المشاركة في القرارات الأسرية، ويخفف اعتماد الأسرة على مصدر مالي واحد، ويرفع قدرتها على التعامل مع الأزمات المفاجئة، بالتالي الأمر يصبح أكثر أهمية في المجتمعات التي تواجه أزمات اقتصادية أو نزوحاً أو فقداناً واسعاً لفرص العمل، إذ يتحول النشاط المنزلي إلى آلية للتكيف مع الظروف المتغيرة"، وتابعت أن "كثيرات من النساء لا يدخلن عالم التجارة المنزلية من بوابة ريادة الأعمال بالمعنى التقليدي، وإنما من بوابة المهارة. فنجد أن امرأة تجيد إعداد الطعام تبدأ بطلبات صغيرة، وأخرى تعرف صناعة العطور تبدأ بخلطات محدودة، وثالثة تجيد الخياطة تبدأ بتعديل الملابس أو تفصيل قطع لأفراد الأسرة، لكن عندما تتحول هذه المهارة إلى مصدر دخل منتظم، فإنها تدخل عملياً في دائرة ريادة الأعمال، حتى لو لم تستخدم صاحبتها هذا المصطلح"، ولفتت يوسف إلى أن أحد أهم الآثار الاجتماعية هو تكوين شبكات نسائية اقتصادية، "فصاحبة مشروع العطور قد تشتري العبوات من سيدة أخرى، وتستعين بمصممة لتطوير الهوية البصرية، وتوظف امرأة لتغليف المنتجات، وتستخدم شركة تملكها امرأة أخرى في التسويق أو التوصيل، وبذلك لا يبقى المال داخل مشروع واحد، وإنما يتحرك بين مجموعة من الأنشطة الصغيرة التي تديرها النساء".

وأعطت يوسف مثالاً آخر على مشاريع الطعام المنزلية، إذ يمكن أن تبدأ امرأة بإعداد المخبوزات بمفردها، ثم تحتاج لاحقاً إلى مساعدة في تجهيز الطلبات، وأخرى في التغليف، وشخص لتوصيلها إلى العملاء، ومع اتساع قاعدة الزبائن، يمكن أن يتحول النشاط تدريجاً إلى مشروع يوفر فرص عمل متعددة. لكنها رأت أن هذا التحول لا يزال يواجه مشكلة أساسية، وهي أن العمل الذي يتم من المنزل غالباً ما يكون أقل ظهوراً من العمل داخل المتاجر والشركات، "فالمرأة قد تعمل ساعات طويلة في إعداد المنتجات، والتغليف، والتصوير، والرد على العملاء، وإدارة الحسابات، ثم تظل أسرتها والمجتمع ينظرون إلى ما تقوم به باعتباره عملاً من المنزل، وليس مشروعاً اقتصادياً حقيقياً"، ومضت الباحثة في علم الاجتماع في القول إن "الاعتراف الاجتماعي بهذه المشاريع مهم بقدر أهمية الدعم المالي، لأن انتقال المرأة من العمل غير المرئي إلى العمل الاقتصادي المعترف به يغير نظرة الأسرة إليها ونظرتها هي إلى قدراتها، لذلك تمكين المرأة اقتصادياً لا يعني بالضرورة خروجها من المنزل أو ترك مسؤولياتها الأسرية، بل يمكن أن يعني منحها أدوات تمكنها من تحويل الوقت والمهارات المتاحة لديها إلى قيمة اقتصادية، بشرط ألا يتحول ذلك إلى عبء إضافي يجعلها مطالبة بإدارة المشروع والقيام بكل الأعمال المنزلية في الوقت نفسه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

علامات تجارية

من ناحيته رأى المتخصص في الاقتصاد والتنمية جبريل حسن أن "الانتشار الواسع للمشاريع المنزلية يعكس تغيراً في طبيعة الاقتصاد نفسه، إذ لم تعد الأسرة تعتمد على مصدر دخل واحد كما كانت الحال في السابق، بل أصبحت تبحث عن أكثر من مورد لمواجهة تقلبات الأسواق وارتفاع الأسعار"، وأردف حسن أن "النساء كن الأكثر قدرة على استغلال هذا التحول، لأن كثيراً من المهارات التي يمتلكنها كانت موجودة بالفعل داخل المنزل، مثل إعداد المخبوزات، وصناعة العطور والبخور، والخياطة، والتطريز، وتصميم الأكسسوارات، وصناعة الصابون الطبيعي، وإعادة تدوير الملابس، ما خفض كلفة تأسيس المشاريع مقارنة بالأنشطة التجارية الأخرى"، وزاد "اللافت في السنوات الأخيرة هو انتقال كثير من هذه المشاريع من مرحلة تلبية حاجات الأسرة إلى إنتاج علامات تجارية صغيرة، بعضها أصبح يبيع داخل مدن مختلفة، بل وتصدر منتجاته عبر شركات الشحن إلى الخارج، خصوصاً المنتجات التراثية مثل العطور السودانية والبخور ومستحضرات التجميل الطبيعية"، ونوه المتخصص في الاقتصاد والتنمية بأن "غالبية هذه المشاريع لا تزال تعمل بصورة فردية، وتعتمد على التمويل الذاتي، مما يحد من قدرتها على شراء المعدات أو زيادة الإنتاج أو توظيف عاملات أخريات. وفي تقديري أن توفير برامج تمويل صغيرة، إلى جانب التدريب في الإدارة والتسعير والتخطيط المالي، يمكن أن يحول آلاف المشاريع المنزلية إلى شركات صغيرة قادرة على خلق وظائف جديدة والمساهمة بصورة أكبر في الاقتصاد المحلي".

بناء هوية

من جهته أكد الباحث في التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية أمجد علاء أن "التحول الرقمي غير قواعد المنافسة بالنسبة إلى المشاريع الصغيرة، إذ أزال واحدة من أكبر العقبات التي كانت تواجه النساء، وهي كلفة الوصول إلى السوق، فصاحبة المشروع لم تعد في حاجة إلى محل في شارع تجاري أو موازنة إعلانية ضخمة، بل تحتاج إلى بناء هوية واضحة لعلامتها التجارية، وفهم سلوك جمهورها، وتقديم محتوى يقنع العميل قبل أن يطلب المنتج"، وبين علاء أن "كثيراً من المشاريع المنزلية نجحت لأنها لم تكتف بعرض المنتج، بل باعت قصة أيضاً، فعندما تشرح صاحبة المشروع كيف تصنع العطر السوداني يدوياً، أو تعرض مراحل إعداد البخور، أو توثق تفاصيل خياطة زي منذ اختيار القماش حتى التغليف، فإنها تخلق علاقة ثقة مع العميل، وهي الثقة التي تتحول لاحقاً إلى مبيعات متكررة"، وتابع أن "المنصات الرقمية منحت المنتجات المحلية فرصة للوصول إلى أسواق لم تكن متاحة سابقاً، فأصبحت ربات المنازل يبعن الصابون الطبيعي، والعسل، والمخللات، والشموع، والأكسسوارات، والملابس، ومستحضرات العناية بالبشرة، وحتى الوجبات المنزلية، لعملاء خارج مدنهن، بل وخارج بلدانهن، مستفيدات من خدمات الشحن والدفع الإلكتروني"، ونوه بأن "النجاح الرقمي لا يتحقق بمجرد إنشاء صفحة على مواقع التواصل، فالمنافسة أصبحت شديدة، والعميل أكثر وعياً، لذلك تحتاج صاحبة المشروع إلى تعلم أساسيات التصوير، وكتابة المحتوى، وإدارة الإعلانات، وتحليل تفاعل الجمهور، والالتزام بمواعيد التسليم، لأن أي تجربة سلبية قد تنتشر بسرعة وتؤثر في سمعة المشروع"، وخلص الباحث في التسويق الرقمي والتجارة الإلكترونية إلى أن "المرحلة المقبلة ستشهد انتقال كثير من المشاريع المنزلية من مجرد صفحات على وسائل التواصل إلى علامات تجارية متكاملة، بشرط أن تستثمر صاحباتها في الجودة، والابتكار، وبناء الثقة، وأن تنظر إلى المشروع باعتباره شركة ناشئة، لا مجرد وسيلة موقتة لزيادة الدخل".

استمرار ونمو

في السياق أفاد الباحث في ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة أبي علي بأن "كثيرين من الناس يعتقدون أن التحدي الأكبر يتمثل في تأسيس المشروع، بينما تكمن الصعوبة الحقيقية في مرحلة الاستمرار والنمو. فهناك عدد كبير من المشاريع المنزلية يحقق مبيعات جيدة في البداية، لكنه يتعثر بعد عامين أو ثلاثة بسبب غياب الإدارة المالية والتخطيط طويل المدى"، ولفت إلى أن "صاحبات المشاريع غالباً ما يخلطن بين دخل الأسرة وإيرادات المشروع، فيتم إنفاق الأرباح على الحاجات اليومية بدلاً من إعادة استثمارها في شراء معدات جديدة أو تطوير المنتجات، مما يحد من قدرة المشروع على التوسع، إضافة إلى أن هناك تحديات أخرى لا تقل أهمية، منها صعوبة الوصول إلى التمويل الرسمي، إذ تشترط بعض الجهات ضمانات أو سجلات تجارية قد لا تتوافر للمشاريع المنزلية، فضلاً عن محدودية برامج التدريب المتخصصة التي تساعد النساء على إدارة المخزون، ووضع خطط التسعير، وتحليل الكلف، والتعامل مع الضرائب والتراخيص"، واستطرد أن "الأسواق نفسها أصبحت أكثر تنافسية، فالمستهلك اليوم يقارن بين عشرات المنتجات قبل اتخاذ قرار الشراء، لذلك لم يعد كافياً أن يكون المنتج جيداً بل يجب أن يتمتع بجودة ثابتة، وتغليف احترافي، وهوية بصرية مميزة، وخدمة ما بعد البيع، وهي عناصر تحتاج إلى استثمارات قد تعجز عنها المشاريع الصغيرة"، واستشهد الباحث في ريادة الأعمال والمشروعات الصغيرة بعدد من التجارب التي استطاعت تجاوز هذه العقبات، مثل مشروعات بدأت من مطابخ منزلية لإنتاج المخبوزات، ثم تحولت إلى مخابز صغيرة، وأخرى بدأت بصناعة الصابون الطبيعي أو العطور والبخور، ثم أصبحت تمتلك متاجر إلكترونية وعلامات تجارية معروفة، ورأى أن الفارق بين هذه التجارب وغيرها لم يكن جودة المنتج فحسب، بل وجود تخطيط مالي واضح، والتدرج في التوسع، والاستفادة من التدريب، وبناء شبكة من العملاء الدائمين.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات