Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أشعل "أم آي 6" وعميل سوفياتي عهد الرعب في إيران؟

ساعد الغرب طهران في إحباط انقلاب شيوعي لكنه أسهم معها في تشديد قبضة النظام القمعي

العميل المزدوج فلاديمير كوزيتشكين  (غيتي) 

ملخص

تكشف قصة العميل السوفياتي المزدوج "ريدوود" عن كيف ساعدت الاستخبارات البريطانية والأميركية إيران في إحباط انقلاب شيوعي محتمل خلال الثمانينيات، لكن العملية التي اعتُبرت نجاحاً استخباراتياً تحولت لاحقاً إلى أداة عززت قبضة النظام الإيراني ومهدت لواحدة من أكثر حقب القمع دموية في تاريخ البلاد.

يكشف كتاب المؤرخ والصحافي البريطاني بن ماكنتاير الجديد عن قصة العميل السوفياتي المزدوج "ريدوود"، والدور الذي قام به في إحباط مخطط خلال الحرب الباردة، في عملية غيرت مسار إيران والمنطقة، ولا تزال تداعياتها حاضرة حتى اليوم.

ويسرد ماكنتاير في كتابه الذي نشرت صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية مقتطفات منه، الوقائع التالية.

عام 1981، نجح إيان ماكريدي، وهو ضابط شاب في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني "أم آي 6" كان يعمل متخفياً في إيران ما بعد الثورة، في تجنيد عميل مزدوج بالغ الأهمية: فلاديمير كوزيتشكين، وهو ضابط عالي الرتبة في جهاز الاستخبارات السوفياتية "كي جي بي". أطلقت عليه الاستخبارات البريطانية الاسم الحركي "ريدوود". وكان كوزيتشكين الذي أصيب بخيبة أمل من النظام السوفياتي، يعاني ضعفاً جنسياً أثر في حياته الزوجية، مما دفعه إلى التواصل مع البريطانيين وعرض خدماته الاستخباراتية معتقداً بأن الغرب قادر على مساعدته.

على مدى عام، وفي سرية محفوفة بالأخطار، زود "ريدوود" ماكريدي بكم هائل من المعلومات الاستخباراتية عالية المستوى. وكان أخطر ما كشفه، معلومات عن مخطط سوفياتي محتمل للإطاحة بالنظام الإسلامي لآية الله الخميني واستبداله بحزب "توده" الشيوعي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وشرح كوزيتشكين بالتفصيل ما وصفه بـ"حصان طروادة" داخل إيران: شبكة عسكرية سرية موالية للشيوعيين، ومخازن للأسلحة، وتمويل منظم، وخطة تخريب يديرها "كي جي بي"، إضافة إلى دعم مباشر من القيادة السوفياتية في موسكو. وحذر ماكريدي رؤساءه من أن ثورة إيرانية ثانية كانت تتشكل، لكن هذه المرة بقيادة الشيوعيين وبدعم مباشر من الاتحاد السوفياتي. ولو نجحت، لوقعت حقول النفط الإيرانية ومضيق هرمز تحت النفوذ السوفياتي، في سيناريو كثيراً ما اعتبرته أجهزة الاستخبارات الغربية كابوساً استراتيجياً.

لكن هذا الخطر، بحسب التقديرات البريطانية، كان يمكن إحباطه عبر عملية جريئة تحقق أهدافاً عدة دفعة واحدة: ضرب الشيوعيين الإيرانيين، وإضعاف "كي جي بي"، وتحسين العلاقة مع نظام الخميني. لكن الخطة كانت تحتاج إلى دعم أميركي.

خلال صيف 1982، سافر كريس كوروين، المسؤول البارز في الاستخبارات البريطانية، إلى واشنطن لعرض الخطة على مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية بيل كيسي. وجاءت زيارته متزامنة مع تقديرات أميركية متشائمة حذرت من طموحات سوفياتية متزايدة في منطقة الخليج، وأن السيطرة السوفياتية على إيران بأكملها، بما في ذلك الجزء الغربي منها، قد تستغرق بين تسعة و14 أسبوعاً.

اقترحت لندن وواشنطن تسليم الإيرانيين كل ما تملكانه من معلومات عن حزب "توده" وشبكاته السرية وعناصر "كي جي بي" العاملين داخل إيران. واتُّفق على عقد لقاء سري في إسلام آباد يحضره كوزيتشكين شخصياً لعرض الأدلة أمام مسؤولي الاستخبارات الإيرانية.

وكان نجاح العملية يعني إحباط الطموحات السوفياتية في إيران نهائياً. كما أن تسليم هذه المعلومات القيمة كان بمثابة "بادرة حسن نية" تجاه آية الله الخميني، ورسالة مفادها بأن الغرب مستعد للتعاون مع القوى الإسلامية ضد الاتحاد السوفياتي، كما فعل في أفغانستان.

في العاصمة الباكستانية، اجتمع وفد من الحرس الثوري الإيراني مع فريق بريطاني داخل مقر الاستخبارات العسكرية الباكستانية. وعلى مدى يومين قدم كوزيتشكين شرحاً مفصلاً عن شبكات "توده" العسكرية السرية، وقنوات التمويل والاتصالات، وعلاقة الحزب المباشرة بالاستخبارات السوفياتية. ومع مرور الأيام تزايد اهتمام الإيرانيين، خصوصاً عندما بدأت تتكشف أمامهم صورة البنية التنظيمية للشيوعيين داخل مؤسسات الدولة والجيش.

وأثارت المعلومات جدلاً داخل دوائر الحكم في طهران. فطالب الحرس الثوري بشن حملة فورية لسحق الحزب الشيوعي، بينما دعا آخرون إلى التريث ومواصلة المراقبة. لكن حجم الأدلة كان كبيراً إلى درجة خلقت توافقاً شبه كامل على ضرورة القضاء على الحزب. وخلال اجتماع عقد في منزل الخميني في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1982، أمر المرشد الإيراني بالتعامل مع الملف بجدية كاملة.

لم يطُل الانتظار. ففي السادس من فبراير (شباط) 1983 بدأت السلطات الإيرانية حملة واسعة استندت فيها إلى المعلومات التي وفرها "ريدوود". وخلال ساعات اعتُقل المئات من كوادر حزب "توده"، بينهم أعضاء من لجنته المركزية، ونقلوا إلى السجون حيث خضع كثير منهم لاستجوابات قاسية وتعذيب. وكُلِّف علي شمخاني، وهو قائد في الحرس الثوري من أصل عربي، كان نشأ جزئياً في لوس أنجليس، بالإشراف على عمليات الاستجواب هذه.

ومع اتساع الحملة، داهمت قوات الحرس الثوري مقار الحزب وشركاته الوهمية ومنازل أعضائه، مستفيدة من معرفة دقيقة بأماكنهم وشبكاتهم. وبعد أسابيع أعلن الرئيس الإيراني آنذاك علي خامنئي تفكيك التنظيم السري للحزب واعتقال قياداته الرئيسة.

وتحولت العملية سريعاً إلى حملة اجتثاث شاملة. أُلغي حزب "توده" رسمياً، وطُلب من أعضائه تسليم أنفسهم. وأعقبت ذلك موجات اعتقالات واسعة ومحاكمات واعترافات متلفزة. وتشير التقديرات إلى توقيف آلاف الأشخاص، في حين شهدت البلاد لاحقاً موجات إعدام متعاقبة، خصوصاً في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

كذلك، طردت إيران عدداً من الدبلوماسيين السوفيات، متهمة إياهم بالتدخل في شؤونها الداخلية.

وكان "توده" آخر أحزاب المعارضة الكبرى التي بقيت ناشطة في إيران بعد الثورة، وتحول القضاء عليه إلى جزء من السردية التأسيسية للجمهورية الإسلامية. وبعد عقود، لا تزال الرواية الرسمية تحتفي بالقضاء على الشيوعيين بوصفه انتصاراً للقوى الدينية، فيما جرى طمس الدور الذي قامت به الاستخبارات الغربية في هذه العملية.

وبدا أن العملية حققت ما أراده مخططوها الغربيون: تحطيم النفوذ الشيوعي في إيران، وإحباط أي انقلاب محتمل، وتوسيع الشرخ بين طهران وموسكو. لكن النجاح التكتيكي حمل ثمناً استراتيجياً باهظاً. فمع اتضاح حجم القمع الذي أعقب الحملة، بدأ بعض المشاركين الغربيين يشعرون بالندم. واعترف ضباط بريطانيون لاحقاً بأنهم توقعوا ضغوطاً محدودة على الحزب، لا موجة اعتقالات وإعدامات بهذا الحجم.

والأهم أن الرهان على فتح قناة تواصل ودية مع النظام الإيراني فشل تماماً. فبدلاً من تخفيف قبضة النظام، أسهم القضاء على آخر قوة سياسية منظمة قادرة على معارضته في تعزيز قبضته على السلطة. ومنحت مؤامرة "توده" المزعومة السلطات مبرراً دائماً لتوسيع الأجهزة الأمنية وقمع المعارضين بحجة مواجهة التآمر الداخلي.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى في قصة "ريدوود". فمن جهة، كانت عملية تجنيد كوزيتشكين وإخراجه من إيران نموذجاً بارعاً للعمل الاستخباراتي، وربما أسهمت المعلومات التي قدمها في منع انقلاب شيوعي وسيطرة سوفياتية محتملة على النفط والموانئ الإيرانية، وهو سيناريو كان يمكن أن يدفع العالم نحو حرب نووية.

لكنها، من جهة أخرى، تحولت إلى كارثة إنسانية وسياسية. فسُجن وقتل آلاف الأشخاص، وكانت تهمتهم الأكبر مجرد الانتماء إلى حزب سياسي. ومنحت معلومات كوزيتشكين الحرس الثوري الأدوات التي احتاج إليها لسحق آخر معارضة سياسية كبيرة، وترسيخ الخوف من "التخريب الداخلي"، وهي ذريعة استخدمها رجال الدين لإخضاع الإيرانيين لعقود.

ويرى ماكنتاير أن بريطانيا والولايات المتحدة لم تكونا تقصدان صناعة إيران التي يعرفها العالم اليوم، لكن القرار الذي اتخذته أجهزتهما الاستخباراتية في أوائل الثمانينيات أسهم، بصورة غير مباشرة، في تقوية النظام الذي تحول لاحقاً إلى أحد أبرز مصادر التوتر وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. أما كوزيتشكين نفسه، فظلّ، بحسب روايات مقربين منه، يحمل شعوراً ثقيلاً بالذنب حتى نهاية حياته بسبب ما آلت إليه الأحداث بعد الكشف عن أسراره.

وتوفي عدد من أبرز الشخصيات الإيرانية المرتبطة بقصة "ريدوود"، وبينهم علي خامنئي الذي خلف الخميني في منصب المرشد الأعلى، ووزير الدفاع علي شمخاني الذي أشرف على عمليات التعذيب في سجن توحيد، بغارة جوية إسرائيلية في الـ28 من فبراير الماضي.

وهكذا، فإن جذور الصراع الحالي تعود، في جانب منها، لقضية "ريدوود".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير