ملخص
بلغت أولى ثمار التحرير الجيني في بريطانيا المرحلة الأخيرة قبل البيع القانوني، إذ منحت وزارة البيئة والغذاء والشؤون الريفية إخطارات تسويق لثمانية أصناف فراولة أطول موسماً وطماطم معززة بفيتامين "د"، ولم يبقَ أمامها سوى ترخيص وكالة معايير الغذاء. وحين تصل هذه المنتجات إلى الرفوف فلن تحمل أي ملصق يعرّفها بأنها محررة جينياً، وهي نقطة قضت المحكمة العليا بعدم مشروعيتها في يونيو (حزيران) الماضي.
في الثاني من سبتمبر (أيلول) الجاري، ذكرت صحيفة "ذا ديلي تلغراف" أن فاكهة عدلت علمياً بلغت المرحلة الأخيرة من الموافقة قبل أن يصبح بيعها إلى الجمهور قانونياً في بريطانيا للمرة الأولى، وأن الأمر يتعلق بأصناف فراولة تنتج ثماراً على مدى أطول، وطماطم رفعت فيها مستويات فيتامين "د". ووفق الصحيفة، لم يبقَ أمام المحصولين سوى ترخيص من وكالة معايير الغذاء قبل طرحهما في المتاجر.
و"طماطم الشمس" طورها باحثون في مركز "جون إينز" بمقاطعة نورفولك، وتحوي قدراً من فيتامين "د" يعادل ما توفره بيضتان أو 28 غراماً من التونة. والآلية التي اعتمدها المركز هي تعطيل جين ينتج إنزيما يحول فيتامين "د3" إلى كوليسترول، فيبقى الفيتامين مخزناً في الأوراق والثمار. وقالت وزارة البيئة والغذاء (ديفرا) إن المحصول المدعم غذائيا سيسهم في مواجهة نقص فيتامين "د" الذي وصفته بأنه "مستوطن" في بريطانيا.
أما أصناف الفراولة الثمانية، فطورتها الشركة الأميركية "سيمبلوت"، وعطلت فيها جينات محددة لتمكين النبتة من الإثمار خلال فترة أطول. وقالت الباحثة في مركز "جون إينز" بيني هاندلبي إن هذه الأصناف تبين كيف يمكن للتربية الدقيقة أن تحقق منافع عملية للمزارعين والمستهلكين معاً، وإن إطالة فترة الإثمار قد تساعد في زيادة وفرة الفراولة البريطانية وخفض الاعتماد على الاستيراد، من دون تغيير الطعم أو النكهة أو القيمة الغذائية للثمرة.
وسبق لمحاصيل أخرى أن حصلت على إخطارات تسويق من الوزارة نفسها، من بينها بطاطا مقاومة للأمراض، وشعير مرتفع الدهون معد لعلف الأبقار، وقمح خفضت فيه مستويات مادة كيماوية مرتبطة بالسرطان. ويظهر السجل العام الذي فتحته الوزارة في الـ13 من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 خمسة إخطارات تسويق منشورة حتى الآن، آخرها إخطار خاص بنبتة طماطم في الـ27 من أغسطس (آب) الماضي وآخر بثماني نبتات فراولة في الـ21 من الشهر ذاته، إضافة إلى تسعة إخطارات إطلاق بيئي لتجارب حقلية سجلت بين فبراير (شباط) وأغسطس الماضيين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
التحرير الجيني يقوم على إحداث تغييرات صغيرة محددة في الحمض النووي للمنتج، أو حذف مقطع منه، وهو يختلف عن التعديل الوراثي الذي يضيف جينات جديدة إلى المحصول. وقانون التقنية الجينية (التربية الدقيقة) لعام 2023 يصنف في فئة "الكائنات المربّاة بدقة" تلك التي يمكن أن تنشأ تغيراتها عبر التربية التقليدية أو الطفرة الطبيعية، ويبقي خارجها كل ما يحوي جيناً منقولاً من كائن آخر.
وتستند الحكومة في هذا التمييز إلى تقييمات علمية أوروبية سابقة، إذ خلص فريق الكائنات المعدلة وراثياً في هيئة سلامة الغذاء الأوروبية، في أكثر من رأي علمي، إلى أنه لم يتعرف إلى أخطار جديدة ترتبط تحديداً بتقنيات التحرير الموجه مقارنة بالتربية التقليدية، وإلى أن الطفرات غير المقصودة الناتجة منها مشابهة في طبيعتها لتلك التي تحدث في التربية المعتادة. وقال كبير الباحثين في مركز "روثامستد" نايجل هالفورد إن الإجماع العلمي هو أن التغيرات التي تحدثها التربية الدقيقة من النوع نفسه الذي يحدث طبيعياً.
في المقابل، ترى المنظمات المعترضة أن التسمية الجديدة لا تغير التصنيف العلمي. وتقول منظمة "بيوند جي أم" إن التحرير الجيني تقنية تعديل وراثي تنتج كائنات معدلة وراثياً، وإن اللوائح في بريطانيا ودولياً، وكذلك تشريعات اسكتلندا وويلز، ما زالت تصنفها كذلك.
ولا يوجد حتى الآن منتج مرخص في إنجلترا يمكن أن ينسب إليه ضرر صحي موثق، لأن أيّاً منها لم يصل إلى الأسواق بعد. والخلاف في جوهره ليس على واقعة حدثت بل على منهج التقييم، هل يقاس الخطر بناتج التعديل أم بالتقنية التي أنتجته؟ وأوضحت الأستاذة كاثي مارتن التي يقود مختبرها تطوير الطماطم أن "كل أصناف النباتات الجديدة تخضع للاختبار، وهذه المحاصيل ستخضع للمعايير نفسها، إن لم يكُن لأكثر منها". وأضافت أن الطماطم المعززة "قد تكون يوماً ما حلاً نباتياً بسيطاً ومنخفض الكلفة يحسن الأنظمة الغذائية في أنحاء العالم"، معتبرة أن ما جرى "خطوة مهمة في طريق إجازة طرح الطماطم في السوق في إنجلترا". وقال مدير البرامج في المركز دييغو دورانتيني إن نقص فيتامين "د" مشكلة متنامية، وإن الفريق متحمس لأن تكون طماطمه المدعمة حلاً واسع النطاق لها.
والإشكالية الثانية التي تواجه طرح الأغذية المحررة وراثياً في الأسواق هي تفكير الحكومة بعدم فرض ملصق يعرف المستهلك إلى طبيعة هذه المنتجات وهي معروضة على الرفوف، حتى أصبح الأمر محور نزاع قضائي ينتظر قراراً نهائياً من المحكمة والجهات التنفيذية.
شعبياً، تظهر بيانات وكالة "معايير الغذاء" أن المعرفة بالمصطلح نفسها محدودة، فخلال مسح أجرته مؤسسة "إبسوس" بين أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 ويناير (كانون الثاني) 2024، وشمل نحو 6 آلاف ينتمون إلى ما يزيد على 4 آلاف أسرة، قال 68 في المئة إنهم لم يسمعوا قط بمصطلح الغذاء "المربّى بدقة"، مقابل 41 في المئة لم يسمعوا بالغذاء المحرر جينياً وتسعة في المئة لم يسمعوا بالغذاء المعدل وراثياً.
ويقع هذا فوق خريطة تنظيمية مشطورة أصلاً، فالقانون واللوائح يسريان في إنجلترا وحدها، بعد امتناع البرلمانين الاسكتلندي والويلزي عن منح الموافقة التشريعية، وتبقى الكائنات نفسها مصنفة معدلة وراثياً في اسكتلندا وويلز وإيرلندا الشمالية. وبموجب مبدأ الاعتراف المتبادل في قانون السوق الداخلية للمملكة المتحدة لعام 2020، يمكن بيع الأغذية المرخصة في إنجلترا داخل ويلز واسكتلندا، لكن زراعتها أو معالجتها هناك تظل خاضعة للوائح الكائنات المعدلة وراثياً. أما إيرلندا الشمالية، فتلتزم قواعد الاتحاد الأوروبي بموجب إطار وندسور.
والتحرير الجيني للمحاصيل هو أحد أوجه الحرية التنظيمية التي أتاحها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وقد استفادت منه المملكة المتحدة أكثر من التكتل الذي تحكمه قواعد أشد، على رغم أن موقف بروكسل يتحرك هو الآخر نحو هذ الابتكار لكن بوتيرة أبطأ.
وأقر برلمان ومجلس الاتحاد في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي اللائحة رقم 2026/1388 في شأن النباتات المطورة بتقنيات جينية جديدة، ودخلت حيز النفاذ منتصف يوليو (تموز) الذي تلاه، مقسمة النباتات إلى فئتين، تُعفى أولاهما من وسم الكائنات المعدلة وراثياً باستثناء البذور، وتبقى الثانية خاضعة لمنظومة الترخيص والوسم.
والفارق في تطور التقنية بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي، يمكن أن يعرض المحاصيل المحررة جينياً للحظر في بريطانيا في إطار اتفاق إعادة ضبط العلاقة مع الاتحاد الذي تتفاوض عليه لندن وبروكسل. وتقول تقارير صحافية محلية إن رئيس الوزراء آندي بيرنهام تلقى تحذيرات من سياسيين ومن أوساط صناعية تدعوه إلى مقاومة مطالب حظر هذه التقنية.