ملخص
ميزات الخصوصية الكبيرة، والحسابات الوهمية التي يصعب تتبعها، والرسائل المختفية، وشبه الغياب التام لأي رقابة على المحتوى تجعل التطبيق جنة لسيئي النيات وراغبي النصب والاحتيال والراغبين في إخفاء هويات وأنشطة غير مشروعة، لكنه في الوقت نفسه، وللأسباب ذاتها، المنصة المناسبة لجماعات المعارضة والتمرد. فهو يجمع بين إمكانات البث والنشر الجماعي الآني التي تتمتع بها تطبيقات السوشيال ميديا، مع إضافة بنية تقنية تحتية آمنة وخاصة للرسائل المشفرة، وهو ما يعني هامشاً أكبر للتنظيم والاتصال والتواصل بعيداً من العيون.
كل ما يتعلق بـ"تيليغرام" يثير الجدل، وإن لم يثره فإنه يؤجج اللغط، وإن لم يكن هذا أو ذاك فهو يدعو إلى التأمل والبحث في أوجه الاختلاف وربما التفرد، وأحياناً الشك والريبة التي تميز هذا التطبيق "العادي" عن غيره من تطبيقات السوشيال ميديا الكثيرة.
منذ خرج التطبيق إلى نور الأثير وهو يثير الجدل، وفي الوقت نفسه يجذب الباحثين عن خصوصية آمنة وسرية في التفاعل، وتكوين أو إدارة أو توجيه أو استغلال مجموعات كبيرة العدد لتحقيق أهداف ما، ضمن ميزات وسمات أخرى معظمها يتعلق بالسرية والخصوصية والأمان المتوافر للمستخدمين، بغض النظر عن مدى مشروعية الكلام أو النقاش أو السلع والخدمات المعلن عنها أو النشاط.
"تيليغرام" التطبيق الأكثر إثارة للجدل والدهشة وُجد مؤسسه ومالكه قبل أسابيع قيد التوقيف، بحسب مذكرة أصدرتها روسيا. وقبل أيام قليلة، كشف تقرير نشرته منظمة "أوبن أي آي" (منظمة خيرية غير ربحية تدير مجموعة "أوبن أي آي" الربحية) عن مركز بحوث "مزيف مرتبط بجهات دعائية موالية للكرملين".
وبحسب التقرير وعنوانه "إحباط حملة نفوذ سرية جديدة من روسيا" (أغسطس/آب 2026)، جرى اكتشاف مجموعات من الحسابات السرية الروسية تدير حملة "تضليل" لنشر دعاية مؤيدة للكرملين عبر السوشيال ميديا، وتقوم بنشر محتوى كاذب ومضلل بصورة منهجية على حسابات تبدو وكأنها لمستخدمين عاديين، وكذلك على حسابات علامات تجارية على تطبيقات مثل "تيليغرام" و"فيسبوك" و"لينكد إن" وغيرها.
وبحسب التقرير أيضاً جرت فبركة فيديوهات وصور وقصص كاذبة، منها إلقاء لوم نشوب أزمات وحدوث كوارث على اللاجئين الأوكرانيين في دول عدة، ونشر معلومات مضللة حول الحروب والصراعات في الشرق الأوسط. وجرى استخدام قنوات "تيليغرام" موالية لروسيا لنشر مقاطع فيديو معدلة بالذكاء الاصطناعي، بصورة متطورة للغاية، ولجأت إلى تقنية استنساخ الصوت بالذكاء الاصطناعي، وتحاكي وسائل إعلام حقيقية مثل "يورونيوز".
جاذب لكن خطر
وأشار التقرير إلى كشف "مركز بحثي" وهمي هو "معهد بيرك الدولي" مدعياً أن مقره إسرائيل، وجرى تصميم موقعه وكأنه جهة أكاديمية حقيقية عامرة بالخبراء والأكاديميين. ونجح في خداع البشر ونماذج الذكاء الاصطناعي، وروج عبر بحوث ودراسات غير حقيقية لـ"مؤشر سيادة" يصب في صالح روسيا. وكما جرت عادة مشاركة نتائج البحوث والدراسات، حفلت تطبيقات السوشيال ميديا، وبينها "تيليغرام"، بمقتطفات من النتائج والمؤشرات الخادعة.
"تيليغرام" وجدله ولغطه وعوامل الجذب المتوافرة فيه وكذلك مواطن الخطر لا تقف عند حدود روسيا، وإن كانت الأكثر تعقيداً. فقبل أسابيع، حظرت الهند الوصول إلى تطبيق "تيليغرام". ربط بيان رسمي بين قرار الحظر واختبار وطني يُعقد لقبول الطلاب في كليات الطب، وهو أحد أكثر الاختبارات الوطنية تنافسية، ويجذب نحو مليون يطالب سنوياً من راغبي دراسة الطب.
وكانت فضيحة مدوية قد سبقت القرار بنحو شهر حين جرى تسريب ورقة الاختبار على التطبيق، وشمل قرار الحظر كذلك خاصية تتعلق بتعديل الرسائل، فجرى منع إمكانية تعديل المنشورات على التطبيق من قبل المستخدمين. وقالت "وكالة الاختبارات الوطنية" إنه جرى اتخاذ هذين الإجراءين حفاظاً على النظام العام، ورداً على "الاستخدام المنظم للمنصة من قبل شبكات الغش للاحتيال على الطلاب".
وفي أبريل (شباط) الماضي، فتحت "هيئة تنظيم الاتصالات البريطانية (أوفكوم) تحقيقاً في شأن تطبيق "تيليغرام"، بعد تلقيها أدلة من "المركز الكندي لحماية الطفل" في شأن مزاعم مشاركي مواد تتعلق باعتداء جنسي على أطفال عبر التطبيق.
وبعد هذه الواقعة بأسابيع، أصدرت بريطانيا قراراً بحظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن الـ16 سنة.
وفي الشهر نفسه، استدعت وزارة الخارجية البريطانية سفير إيران لديها علي موسوي، وذلك على خلفية منشور للسفارة الإيرانية على "تيليغرام" يدعو أبناء الجالية الإيرانية في بريطانيا للتطوع ضمن حملة تعرف بـ"جان فادا"، أو "التضحية من أجل الوطن"، وتهدف إلى "التضحية بالنفس في الحرب للدفاع عن إيران".
وزارة الخارجية البريطانية قالت إن على السفارة الإيرانية أن توقف فوراً أي دعاية أو تواصل يمكن تفسيره على أنه يشجع العنف في بريطانيا أو في العالم. ومن جهتها، أخضعت الشرطة البريطانية المنشور للتقييم، وتحديد إذا ما كان محتواه يدعم العنف، وينتهك القوانين البريطانية.
منذ خرج "تيليغرام" إلى نور الأثير في عام 2013، وهو يثير القيل والقال، ويمثل عنصر جذب رئيساً لا يخلو أحياناً من ملامح تثير الشك والريبة، وفي الوقت نفسه يتسبب لحكومات ومؤسسات وغيرها في قدر غير قليل من التوتر والقلق، مما يؤدي إلى حجب موقت تارة، وحظر كلي تارة أخرى.
وما يمثل عناصر جذب ترجح كفة "تيليغرام" على غيرها من تطبيقات السوشيال ميديا، هو نفسه يؤدي إلى خوف وحذر وتربص يضع التطبيق في مهب رياح التسييس وفي فوهة مدفع الحجب والتوقيف.
ميزات الخصوصية الكبيرة، والحسابات الوهمية التي يصعب تتبعها، والرسائل المختفية، وشبه الغياب التام لأي رقابة على المحتوى تجعل التطبيق جنة لسيئي النيات وراغبي النصب والاحتيال والراغبين في إخفاء هويات وأنشطة غير مشروعة، لكنه في الوقت نفسه، وللأسباب ذاتها، المنصة المناسبة لجماعات المعارضة والتمرد. فهو يجمع بين إمكانات البث والنشر الجماعي الآني التي تتمتع بها تطبيقات السوشيال ميديا، مع إضافة بنية تقنية تحتية آمنة وخاصة للرسائل المشفرة، وهو ما يعني هامشاً أكبر للتنظيم والاتصال والتواصل بعيداً من العيون.
التاريخ المعاصر حافل بقوائم التظاهرات والاحتجاجات ومحاولات شن الثورات التي يدين أعضاؤها والمشاركون فيها لـ"تيليغرام" بكثيرٍ، حتى لو انتهت الحال بهم إلى مصائر أخرى غير تلك المرجوة.
وضع تقرير منشور على موقع "دويتشه فيله" تحت عنوان "مؤامرة وأخبار كاذبة وجريمة، لماذا يعد تطبيق ’تيليغرام‘ مثيراً للجدل؟" (2024) قائمة بعدد من الاحتجاجات التي تدين لـ"تيليغرام" بنجاحه في التحشد والتجميع. من احتجاجات مدينة مشهد الإيرانية عامي 2017 و2018 التي خرجت منددة بالفساد وسوء الإدارة وارتفاع الأسعار، ثم انتقلت منها إلى عشرات المدن والقرى الإيرانية، إلى موجات التظاهر من قبل طلاب الجامعات داخل تايلاند في عام 2020 ضد النظام، وذلك بعدما بدأ الموجة أحد أحزاب المعارضة، واكتسبت الاحتجاجات زخماً قبل أن تعلن الحكومة حال الطوارئ، إلى تظاهرات بيلاروس في عام 2020 عقب إعلان الرئيس ألكسندر لوكاشينكو فوزه بولاية ثانية، وغيرها كثير من الاحتجاجات والتظاهرات لا يجمع بينها سوى "تيليغرام".
شعبية مسببة
هذا التطبيق المثير للجدل والمواقف المتباينة، تمكن من أن يكون ضمن أكثر تطبيقات المراسلة شعبية في العالم منذ جرى تدشينه عام 2013.
أكثر من مليار مستخدم نشط شهرياً، و500 مليون مستخدم نشط شهرياً للتطبيق، ومليارا تحميل للتطبيق عبر متجر التطبيقات، و"غوغل آب ستور"، بحسب إحصاءات مؤسسة البحوث والمعلومات "ريزورسيرا" لعام 2026. وعلى رغم أنه ليس التطبيق رقم واحد من حيث الأعداد، إذ يستخدمه 17.86 في المئة من مجموع عدد مستخدمي السوشيال ميديا، فإنه التطبيق الأكثر تفرداً وإثارة للجدل.
يُشار إلى أن "تيليغرام" يتبوأ المكانة السابعة في قائمة تطبيقات السوشيال ميديا، بعد "فيسبوك" و"يوتيوب" و"إنستغرام" و"واتساب" و"تيك توك" و"وي تشات".
أكبر أسواقه منطقة آسيا والمحيط الهادي، وتتصدر الهند قائمة الدول من حيث عدد مرات تحميله. ويحظى بشعبية متزايدة داخل الولايات المتحدة الأميركية، حيث تجاوز عدد مرات تحميله 38.16 مليون مرة.
وتأتي أوروبا وأميركا اللاتينية في المرتبتين الثانية والثالثة بـ27 و21 في المئة. واللافت أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تأتي في ذيل القائمة، بأقل نسبة مستخدمين وهي ثمانية في المئة فحسب.
يُشار إلى أن "تيليغرام" يواجه كثيراً من قرارات وقيود الحظر والحجب داخل عدد من الدول في شرق العالم وغربه، لا في موطنه الأصلي روسيا فحسب، وهو ما يدفع خبراء رقميين إلى القول بأنه لولا هذه القيود، لكان انتشاره أكبر بكثير.
الأكبر من قاعدة الانتشار أسبابه، وقبل الأسباب يأتي الولاء والارتباط اللذان يقفان على قدم المساواة مع القوة العددية. وإذ إن إحدى طرق قياس مدى ولاء وارتباط المستخدم بتطبيق ما، هو عدد المشتركين عبر دفع اشتراكات ليحظوا بخدمة متميزة، على رغم توافر الخدمات العادية بالمجان، فإن "تيليغرام" يحظى بـ15 مليون مشترك "بريميوم".
أسباب الولاء كثيرة، منها ما هو شخصي ويتعلق بالتفضيل لعوامل تتعلق بالتصميم أو الراحة النفسية، ومنها ما يتعلق بإمكانات ونقاط قوة التطبيق ومدى إيفائها.
ضمن إمكانات "تيليغرام" المتميزة تلك التي تتيح لمستخدميه وضع الرسائل على خاصية الحذف التلقائي، وكذلك إلغاء تاريخ الدردشة بين الطرفين من دون ترك أثر، وهو ما يجعل توثيق أو تقفي أثر المحادثات السابقة أو استعادة دليل "إدانة" مثلاً، في حالات تتعلق بالتحرش أو النصب أو غيرها مستحيلة.
هذه الإمكانية تخضع لكثير من الترويج تارة، والتحذير تارة أخرى عبر مواقع وتطبيقات يتبادل فيها الأفراد الآراء والنصائح والخبرات حول شتى المسائل والقضايا، وبينها محاسن ومساوئ وميزات تطبيقات السوشيال ميديا. الطريف أن "تيليغرام" يراه بعض المستخدمين الاختيار الأفضل في حالات تتعلق بضمان بقاء هوياتهم مجهولة، وذلك لتيسير عمليات جذب مستخدمي تطبيقات المواعدة ذات قواعد الحماية الجيدة صوب فضاء "تيليغرام" الرحب وغير المقيد، وكذلك للراغبين في ابتزاز ضحاياهم من أجل تزويدهم بالمال أو العملات الرقمية أو غيرها.
قوائم الحظر
افتقار "تيليغرام"، وربما يكون مقصوداً، لقواعد التنظيم المحكمة المتبعة في غيره من التطبيقات، وكذلك التشفير الكامل الذي "يتمتع" به الطرفان في الاتصال، تجعله مقصداً آمناً لكثير من أعمال القرصنة والأسواق الإلكترونية غير القانونية، إضافة إلى شعبيته "سياسياً" بين جماعات المعارضة والتمرد.
اللافت هنا هو تحول التطبيق إلى منصة للشد والجذب بين الأنظمة والحكومات وكذلك جماعات الحريات وحقوق الإنسان، تارة ثناءً وتبجيلاً له، وأخرى قدحاً وذماً له، وذلك بحسب مصالحها، وبناء على الفوائد أو الأضرار التي تلحق بها جراء المحتوى، وكذلك في ضوء المصالح والعداوات في العلاقات الدولية.
قائمة الدول التي تفرض قيوداً أو تحجب "تيليغرام" بين وقت وآخر أو تحظره طويلة. وعلى رغم اختلاف الظروف والعوامل المصاحبة لهذه القرارات، فإن الأسباب الرسمية المعلنة متطابقة، إذ تتعلق بوقف احتجاجات، أو معلومات مضللة أو كليهما وذلك حفاظاً على الأمن القومي.
الصين مثلاً تحظره بصورة كاملة منذ عام 2015، وكذلك إيران منذ عام 2018 عقب اتهام مستخدميه بالتنسيق للاحتجاجات المناهضة للنظام والمهددة للأمن العام. وفي تايلاند، جرى تقييده منذ عام 2020 على خلفية تظاهرات تطالب بالديمقراطية، وكذلك في كوبا منذ عام 2021. ودأبت دول مثل باكستان والبرازيل وإسبانيا على تقييده بين وقت وآخر، وذلك لأسباب تتعلق بخرق القوانين وعدم الامتثال لقواعد المحتوى.
وحظر العراق التطبيق أكثر من مرة لفترات موقتة، وذلك "حفاظاً على الأمن القومي وسلامة المواطنين"، وذلك بسبب عدم استجابة "تيليغرام" لطلبات الحكومة العراقية بحظر نشر بيانات شخصية ورسمية لمواطنين عراقيين.
روسيا لها صولات وجولات في حظر التطبيق، لا سيما بين عامي 2018 و2020، بعدما رفض مؤسسه بافيل دوروف تسليم "مفاتيح التشفير" الخاصة بالمستخدمين إلى هيئة الأمن الفيدرالي الروسي. وقالت الحكومة الروسية آنذاك إن هذا التشفير يعوق جهود مكافحة الإرهاب، وهو ما اعتبرته منظمات حقوقية، مثل منظمة العفو الدولية "صفعة توجهها الحكومة الروسية لحرية التعبير على الإنترنت"، وهي الصفعة التي تكررت غير مرة.
وجاء قرار رفع الحظر، الذي لم يكن محكماً تماماً نظراً إلى قدرة البعض على الوصول إليه، والتغلب على الحجب باستخدام شبكات "في بي أن"، وذلك بعد ما أعلن مؤسس التطبيق أنه مستعد للتعاون مع السلطات الروسية في "جهودها لمكافحة الإرهاب والتطرف".
مؤسس التطبيق يشكل أحد الأضلع المثيرة في "تيليغرام". بافيل دوروف الملقب بـ"زوكربيرغ روسيا" ولد عام 1984، وأسس موقع "فكونتاكتي" مع صديق له اسمه إيليا بيريكوبسكي عام 2006. وحقق الموقع انتشاراً كبيراً في فترة قصيرة، لكن دوروف غادر منصب المدير التنفيذي في عام 2014، وقال وقتها إن "حلفاء للرئيس الروسي فلاديمير بوتين استولوا على الموقع".
وفي عام 2013، أسس بافيل دوروف وشقيقه نيكولاي "تيليغرام"، الذي حقق أيضاً نمواً كبيراً في فترة قصيرة، لكن تسبب نظام التشفير، إضافة إلى رفضه إمداد السلطات الروسية ببيانات المستخدمين، في مواجهات عدة.
وفي فبراير (شباط) الماضي، ذكرت تقارير صحافية حكومية روسية أن السلطات الروسية تحقق مع بافيل دوروف على خلفية قضية جنائية تتعلق بـ"تسهيل أنشطة إرهابية"، وهو الاتهام الذي نفته في ما بعد شركة "تيليغرام"، ضمن سلسلة من الاتهامات الأخرى الموجهة للتطبيق وبافيل. وضمن هذه الاتهامات، أنه أصبح ملاذاً لـ"أنشطة إجرامية"، وأنه تعرض للاختراق من أجهزة استخباراتية أوكرانية وغربية. وقتها، جرى تفسير القرار الروسي بأنه ضمن جهود تبذلها روسيا لإخضاع الإنترنت والاتصالات الرقمية للسيطرة والرقابة في أعقاب بدء حربها داخل أوكرانيا.
وسبق هذا الإجراء بأيام تحذير أطلقه مركز العلاقات العامة التابع لجهاز الأمن الفيدرالي الروسي، يفيد بأن استخدام تطبيق "تيليغرام" من قبل الجنود والضباط الروس في منطقة العمليات الخاصة في منظومة حرب أوكرانيا خلال الأشهر الثلاثة السابقة "شكل تهديداً متكرراً لحياتهم"، مشيراً إلى أن الجهاز يمتلك معلومات مؤكدة تفيد بأن الجيش الأوكراني وأجهزة الاستخبارات الأوكرانية لديها القدرة على الحصول بسرعة على معلومات من التطبيق، واستخدامها لأغراض عسكرية.
وتطور الأمر في نهاية يوليو (تموز) الماضي، وذلك بإصدار مذكرة توقيف دولية بحق بافيل دوروف (المقيم خارج روسيا)، وذلك بتهمة "التواطؤ في أنشطة إرهابية"، والسماح باستخدام "تيليغرام" كأداة للتجنيد من جانب أوكرانيا. واتهم جهاز الأمن الفيدرالي الروسي التطبيق بالتقاعس عن إزالة روبوت محادثة للمواعدة يحظى بشعبية، قال إن الأجهزة الخاصة الأوكرانية تستخدمه لتدريب شبان روس على "أنشطة إرهابية وتخريبية".
الغريب أن الشركة تلتزم الصمت في مثل هذه التطورات الخطرة، وتمتنع عن الإجابة عن أسئلة الصحافيين بغرض التوضيح، مكتفية ببيانات مقتضبة وقت اللزوم.
علاقة معقدة
العلاقة بين "تيليغرام" من جهة والسلطات الروسية من جهة أخرى معقدة، وذلك منذ ولادة التطبيق. شد وجذب، ومصالح متبادلة وأحياناً متناقضة، واستفادة حيناً وتضييق حيناً، وتقلبات سياسية ومجريات عسكرية تلقي بظلالها بصورة أو بأخرى، لتبقى علاقتهما معقدة وملتبسة ولا تخلو من خطورة.
رصدت الكاتبة الصحافية الروسية ماريا كولوميتشنكو في تقرير نشره "مركز روسيا أوراسيا" التابع لـ"مؤسسة كارنيغي" مسيرة العلاقة المعقدة بين الطرفين، تحت عنوان "لماذا تراجعت شعبية تطبيق المراسلة ’تيليغرام‘ في روسيا؟" (مارس/ آذار 2026)، وكتبت إن "كل المؤسسات الحكومية الروسية تقريباً لها قنوات على ’تيليغرام‘، بما في ذلك الكرملين، وكذلك السياسيين المعارضين والصحافيين المستقلين ووسائل الإعلام غير الخاضعة للرقابة. ويستخدم الجنود الروس ’تيليغرام‘ لنقل إحداثيات ساحة المعركة، وعقد الاجتماعات، والتواصل مع عائلاتهم".
وتضيف أن "تيليغرام" في روسيا أصبح وسيلة اتصال وأداة دعائية ومصدراً لمشكلات للكرملين في آنٍ، وأن الهدف من "تطهير" الإنترنت الروسي من كل ما لا يمكن السيطرة عليه يستلزم حجبه، وأن هذا الحجب يسبب كثيراً من الإزعاج للمواطنين الروس العاديين والجنود والشركات والأعمال، على حد سواء.
تاريخياً، تقول إنه وقت تدشين "تيليغرام" حاولت السلطات الروسية أن تعتبره نجاحاً تقنياً محلياً، وذلك على رغم مغادرة مؤسسة بافيل دوروف روسيا بسبب خلافات مع السلطات. وبعد عدد من محاولات الحجب والعرقلة والضغط والتفاوض والرقابة والرصد، وبصورة غير متوقعة، سمحت السلطات الروسية لـ"تيليغرام" في عام 2020 بالعمل بصورة طبيعية مرة أخرى. وتقول كولوميتشنكو إنه سرعان ما أصبح التطبيق المفضل لدى المسؤولين الروس، مما أثار إشاعات بأن دوروف قد توصل إلى نوع من الاتفاق مع جهاز الأمن الفيدرالي الروسي. وتفاقمت هذه الإشاعات أثناء غزو أوكرانيا حين أصبح "تيليغرام" تطبيق المراسلة الرئيس الوحيد غير المحظور في روسيا، ولا يخضع لسيطرة الكرملين.
انتهى شهر العسل مجدداً بانطلاق تطبيق "ماكس" الروسي للمراسلة، مما أدى – بحسب كولوميتشنكو- إلى تغير خطاب المسؤولين الروس تجاه "تيليغرام" بين عشية وضحاها. وعاد التطبيق ليصبح في مرمى انتقادات واتهامات واسعة النطاق بين أنشطة تدعم الإرهاب، وعدم معالجة معضلة المحتالين، وممارسات غير قانونية في ما يتعلق بالبيانات الشخصية، ونشر معلومات محظورة، وغيرها.
وترى الصحافية الروسية أن العلاقة المعقدة والمتذبذبة بين "تيليغرام" والسلطات الروسية دليل دامغ على صعوبة، وربما استحالة الوصول إلى اتفاق طويل الأمد ومُستدام مع الكرملين، إذ تقول "قبل عام واحد فحسب، كان المسؤولون الروس يصفون ’تيليغرام‘ بأنه الوسيلة الرئيسة للحصول على المعلومات؟ وكان يستخدم ليس فقط للاتصالات الرسمية، بل أيضاً من قبل الجنود الذين يقاتلون في أوكرانيا. أما حالياً، فقد أصبح شبكة تواصل اجتماعي معادية".
يشار إلى أن بافيل دوروف غادر روسيا عام 2014، وتنقل بين دول عدة إلى أن استقر في دبي واتخذ منها مقراً لشركة "تيليغرام" عام 2017.
وبين شد السلطات الروسية المطالبة ببيانات المستخدمين، وجذب جمعيات حرية الصحافة والمنظمات الحقوقية التي أثنت على موقفه الرافض لتقديم هذه البيانات، حصل دوروف على عدد من الجوائز والتكريمات الصحافية والحقوقية، وذلك قبل أن يعلن استعداده التعاون مع سلطات بلاده في مكافحة الإرهاب.
المثير أن فرنسا أيضاً اعتقلته في أغسطس (آب) 2024، وذلك عقب وصوله إلى مطار باريس لو بورجيه قادماً من أذربيجان على طائرته الخاصة، وذلك بناءً على مذكرة اعتقال صدرت بحقه.
وأشارت تقارير صحافية في ذلك الوقت أن المذكرة صدرت بسبب عدم تعاونه مع قوات الأمن الفرنسية في عدد من الملفات، وهو "ما يجعله شريكاً في اتهامات تتعلق بتهريب مخدرات وجرائم خطرة أخرى". وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن فرنسا كانت قد منحت دوروف جنسيتها عام 2021، وذلك تحت بند إجراء استثنائي نادر الحدوث يُعرف بـ"الأجنبي المستحق"، وبموجبه يمكن للحكومة الفرنسية أن تمنح "أشخاصاً أسهموا بصورة استثنائية في تعزيز الاقتصاد أو النفوذ الدولي لفرنسا" الجنسية بصورة مباشرة.
وعرَّض هذا القرار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لكثير من الانتقادات، والمطالبة بالكشف عن التفاصيل. ماكرون من جهته دافع عن قراره، مؤكداً مسؤوليته الكاملة عنه. وذكر حصول الرئيس التنفيذي لشركة "سناب تشات" الملياردير الأميركي إيفان شبيغل على الجنسية الفرنسية تبعاً للإجراء نفسه، الذي يعطي السلطات الفرنسية حق إعطاء الجنسية لكبار المديرين التنفيذيين الأجانب في مجال التكنولوجيا، ونجوم الرياضة وغيرهم من المتميزين والموهوبين.
جرى تداول عدد من التفسيرات وقتها مثل رغبة فرنسا في ترسيخ مكانتها بصورة أكبر كمركز للابتكار التقني، وجذب العقول ورؤوس الأموال المتميزة في هذا المجال، إلا أن الانتقادات والاتهامات والتكهنات ظلت متداولة في فلكي السياسة والجرائم الإلكترونية.
تبقى ملابسات اعتقال دوروف في فرنسا يكتنفها قدر من الغموض. وتشير التقارير الصادرة في ذلك الوقت إلى أنه جرى التدقيق في شركة "تيليغرام" بعد رفض دوروف الإفصاح عن اسم مشتبه في قضايا تتعلق بالتحرش الجنسي، وكذلك اتهامات تتعلق بأنشطة غير مشروعة على التطبيق مثل تهريب المخدرات وغسل أموال وخطاب كراهية.
مكتب المدعي العام الفرنسي تحدث عن "تقاعس ’تيليغرام‘ شبه التام عن الاستجابة للطلبات القضائية" و"حجب معلومات جوهرية عن المحققين". أما دوروف فرد ببيان على حسابه على منصته "تيليغرام"، عبر فيه عن دهشته من اعتقاله "بناء على قوانين تعود إلى ما قبل عصر الهواتف الذكية لتوجيه اتهامات إلى رئيس تنفيذي بجرائم ارتكبتها أطراف ثالثة على المنصة التي يديرها".
أفرجت فرنسا عن دوروف بعد اعتقاله في أغسطس (آب) 2024 بأربعة أيام، وبكفالة قيمها 5 ملايين يورو. وفرضت محكمة فرنسية عليه حظر سفر في انتظار محاكمة أخرى "محتملة"، لكن في نهاية عام 2025، رُفع الحظر عنه بالكامل ليعود إلى مقر إقامته في دبي.
أزمات "تيليغرام" وصلت إلى الاتحاد الأوروبي، تحديداً عبر أزمة قانونية بين الطرفين على خلفية التشريعات الأوروبية الصارمة في مجال التعاون في الجرائم الإلكترونية، لا سيما ما يعرف بـ"قانون الخدمات الرقمية" الذي يفرض على التطبيقات والمنصات الرقمية إزالة أي محتوى تعتبره غير قانوني، وموقف دوروف "المتشدد" في هذا الشأن.
من جهة أخرى، ظل "تيليغرام" محل انتقاد من جهات وأفراد كثر بسبب ما ينسب إليه من كونه "واحة أمان لجماعات اليمين المتطرف والجماعات الإرهابية، وتوليفة الجرائم الإلكترونية الأخرى من تنمر وتحرش وكراهية وتعاملات غير قانونية، يستغل القائمون عليها إمكانات التطبيق المحافظة على سرية المتسخدمين وإلغاء الرسائل.
يُشار إلى أن "تيليغرام" شهد زيادة كبيرة في أعقاب حرب روسيا داخل أوكرانيا، واكتسابه شعبية كبيرة في عدد من الدول، لا سيما أوروبا الشرقية، حتى أصبح التطبيق الأكثر استخداماً لتبادل مقاطع الفيديو والصور من على جبهات القتال.
سياقات مثيرة دائماً
قلما يذكر التطبيق في سياقات منزوعة الإثارة، أو خالية من الشد والجذب. حجب هنا، وحظر هناك، وشكوك وانتقادات وكذلك دفاعات ومساندات هنا وهناك، ومعظمها غارق في التسييس وغير منزه عن دعم فريق على حساب آخر.
هذه الإمكانات الهائلة التي يحملها من سرية وتشفير وإلغاء رسائل، وتفرده في التساهل شبه التام مع قواعد إدارة المحتوى تجعله الملاذ الآمن لعدد من جماعات المعارضة والتمرد، لكن المعارضة الوطنية في نظر دولة ما، هي معارضة خائنة وخبيثة في نظر أخرى، والتمرد الهادف إلى التحرر والاستقلال ونيل الحقوق هو ذاته تمرد يهدف إلى تفتيت الوطن وهدم المجتمع ونشر الفوضى.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الطريف أن الجبهتين المتضادتين دأبتا على الاجتماع على توجيه الاتهامات إلى "تيليغرام" ومؤسسه دوروف، حين اعتقلته فرنسا عام 2024، سارعت روسيا إلى تحذير فرنسا من أي ترهيب يتعرض له دوروف. أما الإمارات، فطلبت من فرنسا السماح لها بتقديم الخدمات القنصلية لدوروف، باعتباره مواطناً إماراتياً.
يُشار إلى أن دوروف يحمل أربع جنسيات هي الروسية والفرنسية والإماراتية، وكذلك سان كيتس ونيفيس وهي دولة اتحادية تتكون من جزيرتين، وتقع بين المحيط الأطلسي والبحر الكاريبي.
التطبيق الأكثر تسييساً هو حلبة صراع على هامش معترك الصراع والتنافس بين القوى العظمى، وعنصر فعال في إشعال أو خفوت التوترات الجيوسياسية والصراعات والحروب بأنواعها. إنها سمة منصات وتطبيقات السوشيال ميديا، ولكن "تيليغرام" يبقى الحلبة الأكثر سخونة وإثارة لأسباب يتعلق معظمها بجنسية مؤسسه الأصلية، وإمكانات أو أخطار التشفير والسرية الكامنة فيه.
من جهة أخرى، تطرح هذه الحلبة أسئلة كثيرة تتعلق بتطورات ومجريات وتحولات العصر الرقمي، والسوشيال ميديا في القلب منها، وكيف انتقلت من مرحلة الحرية الكاملة والتعبير بلا قيود ودعم الثورات ومساندة الاحتجاجات طالما تحدث على الجانب الآخر من العالم، أما حين تحدث على الجانب المقابل، فتبدأ أسئلة القواعد والبحث عن القيود والتنقيب عن القوانين، وذلك للحماية والوقاية ودرء الأخطار وتقليص الخسائر.