ملخص
تتعدد الأخطار التي يمكن أن تنتج من الانتشار الذي تحققه فيديوهات الطعام في الفترة الأخيرة، خصوصاً تلك التي تسوق لأطعمة غير صحية. ومن أخطار السلوكيات الضارة التي تولدها مثلاً، تناول كميات أكبر من الطعام أثناء مشاهدتها وأثناء التصفح السريع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عندها، يمكن أن يأكل الإنسان كميات كبرى بالمقارنة مع ما يتناوله عادة.
يحضر كل ما له علاقة بالتغذية وإعداد الطعام إلى حد كبير في عالم التواصل الاجتماعي ويحقق رواجاً كبيراً، إذ تنتشر مختلف أنواع الفيديوهات التي ترتبط بالطعام، أو بطرق تحضيره، أو بوصفات خاصة، أو بالتشجيع على تناوله بشكل أو بآخر، وأيضاً بالتسويق له، إضافة إلى التحديات التي تدعو إلى تناول أطعمة بطرق معينة أو بكميات كبيرة، وكأن الطعام أصبح عنصر جذب أساساً لا غنى عنه على وسائل التواصل الاجتماعي. ويعتبر هذا الأمر مقبولاً وإيجاباً في جوانب معينة منه، لكن في الفترة الأخيرة، بدا أن الأمور اتخذت منحى أكثر خطورة، وإن بدا المحتوى مسلياً وجذاباً في الظاهر وللوهلة الأولى، أما الفئة التي قد تكون الأكثر تضرراً فهي فئة المراهقين والشباب الذين قد يكونون من أكثر المتابعين لبعض منصات التواصل الاجتماعي، وهم الأكثر انجذاباً لهذا النوع من الفيديوهات وتأثراً بها.
محتوى جذاب وعادات غذائية خطرة
من ينظر إلى المحتوى الذي يركز على الطعام بطرق مختلفة يبدو له جذاباً حكماً، سواء كان المقصود بذلك الفيديوهات التي تسوق لمطاعم أو تلك التي تسوق لأطعمة معينة، وأيضاً تلك التي تركز على وصفات أو طرق تحضير للطعام. يضاف إلى هذا المحتوى تلك التحديات التي تنتشر على "تيك توك" في فيديوهات وتشجع الشباب على تناول كميات من أطعمة معينة. يبدو الانتشار الذي تحققه فيديوهات من هذا النوع طبيعياً نظراً إلى المحتوى الجذاب الذي تقدمه، وهذا ما يفسر التركيز عليها على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن لو ذهبنا إلى أبعد من ذلك، لوجدنا خلف مئات الفيديوهات، لا بل الآلاف منها، ترويجاً لعادات غذائية سيئة تهدد المجتمع بصورة عامة، والشباب خصوصاً بمستقبل صحي يدعو إلى القلق.
فكل ما يتم التشجيع عليه من خلال هذه الفيديوهات والتحديات هو عبارة عن سلوكيات غذائية ضارة، وشراهة زائدة في تناول الطعام بكميات مبالغ فيها وبمكونات تحوي كميات هائلة من السكر والدهون والسعرات الحرارية. مثل هذه العادات التي يمكن أن تكتسبها الأجيال تهدد المجتمع بارتفاع في معدلات الإصابة بأمراض كثيرة ترتبط بالسمنة مثل السكري والسرطان وأمراض القلب وغيرها، خصوصاً أنه يسجَّل أصلاً ارتفاع في معدلات انتشار هذه الأمراض في العصر الحديث، نظراً إلى نمط الحياة المعتمد والنظام الغذائي الذي يعتمد إلى حد كبير على الأطعمة السريعة التحضير. وبصورة خاصة تحولت تحديات الأكل على وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد تسلية جذابة في العالم الرقمي، إلى مخاطرة صحية ونفسية واجتماعية لا يمكن الاستخفاف بها، سواء كانت تدعو إلى تناول كميات هائلة من الطعام بسرعة، أو إلى تناول أنواع معينة من الأطعمة.
ما أوضحته المتخصصة في التغذية سوزان حيدر أن الفيديوهات التي ترتبط بالأكل والتي تحقق انتشاراً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، "قد تدعو إلى تجربة مطاعم جديدة أو يمكن أن يكون الهدف منها التسويق لأطعمة معينة في مطاعم أو مقاه، أو يمكن أن تكون عبارة عن تحديات أو عن إطلاق لصيحة جديدة، كما في صيحة الكرواسان التي تحوي الآيس كريم وتدعو إلى تناول ما لا يقل عن 600 وحدة حرارية دفعة واحدة. أياً كان نوعها هي تشكل خطراً فعلياً لأنها تحفز على الأكل وعلى تجربة هذه الأطعمة حتى في حال عدم الشعور بالجوع، مما يعزز الشراهة والرغبة في الأكل بطريقة عشوائية لدى الإنسان. صحيح أن ثمة فيديوهات تنشر وصفات صحية حالياً، لكن كثيراً منها لا يعتبر صحياً ويعزز العادات الغذائية المضرة بالصحة، وتسوق لأطعمة غنية بالدهون المشبعة والأطعمة الفائقة التصنيع والسكر، وهي من ثم تحوي نسبة عالية من السعرات الحرارية".
أضافت حيدر "هذه الفيديوهات التي تحقق رواجاً كبيراً تشجع المتابعين على الأكل، وعلى تجربة هذه الأطعمة، وإن كانت غير صحية، وتحوي كميات هائلة من السعرات الحرارية، كذلك فإنها تولد حالاً تعرف بضوضاء الأكل التي تذكر الإنسان بالأكل باستمرار، فيبحث عنه حتى ولو لم يكن جائعاً".
تتعدد الأخطار التي يمكن أن تنتج من الانتشار الذي تحققه فيديوهات الطعام في الفترة الأخيرة، خصوصاً تلك التي تسوق لأطعمة غير صحية. ومن أخطار السلوكيات الضارة التي تولدها مثلاً، تناول كميات أكبر من الطعام أثناء مشاهدتها وأثناء التصفح السريع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عندها، يمكن أن يأكل الإنسان كميات كبرى بالمقارنة مع ما يتناوله عادة. ومن النتائج الخطرة المترتبة عليها وفق حيدر، "الابتعاد أكثر فأكثر عن النظام المتوسطي الصحي المعتمد في البلاد الذي من المفترض الاستفادة من مزاياه الصحية الكثيرة، فهناك اتجاه إلى النظام الغربي البعيد كل البعد من الأنظمة الصحية التي من المفترض اتباعها كونها غنية بالأطعمة السريعة التحضير والأطعمة الفائقة التصنيع، وهو يؤسس لمشكلات صحية كثيرة للمدى البعيد منها السمنة ومشكلات القلب وارتفاع ضغط الدم ومقاومة الأنسولين".
فوضى العالم الرقمي
تسود فوضى عارمة في العالم الرقمي على مختلف المستويات، ويعتبر مجال التغذية والطعام من تلك المجالات التي يجري التركيز عليها فيه، وتزيد الأخطار التي يمكن أن تنتج من ذلك. أياً كانت القوانين والقواعد التي تضعها الدول، يبدو واضحاً أن الأمور تخرج عن السيطرة على مستوى وسائل التواصل الاجتماعي، ويصعب ضبط الأمور فيها، فما من قوانين صارمة فيها، ويمكن لأي من المؤثرين أو الأفراد نشر المحتوى بطريقة عشوائية ومن دون أي ضوابط ومن دون محاسبة، مما يزيد من الأخطار التي تهدد فئة الأطفال والمراهقين بشكل خاص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب حيدر، "أظهرت الدراسات أن الأطفال هم الأكثر تأثراً، ويكتسبون بهذه الطريقة عادات يحملونها معهم مدى الحياة، وتلك العادات التي يكتسبها المراهق ترافقه طوال حياته، كذلك فإن الأمراض التي يتهيأ لها في هذه المرحلة ترافقه أيضاً دوماً، حتى إنه تبين أن المراهق الذي يعاني البدانة، سيعاني هذه المشكلة مع التقدم في العمر بنسبة 70 أو 80 في المئة، إلا أن الراشدين ليسوا بمعزل عن هذا الخطر في ما يتعرضون باستمرار لضوضاء الطعام"، خصوصاً أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي تعرضهم بكثرة لأي محتوى يظهرون اهتماماً به مرة، لكن مما لا شك فيه أن الأطفال والمراهقين قد يكونون أكثر عرضة للخطر ولهذه المشكلات طوال حياتهم، لأنهم يمضون مزيداً من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي وفي مشاهدة هذا المحتوى، حتى إن تمضية أوقات طويلة على الشاشات والأجهزة الإلكترونية هو بشكل خاص من العادات السيئة التي تدفع الأطفال والمراهقين إلى نمط الركود وقلة الحركة، وهذه العادات تترافق عادة مع سلوكيات غذائية سيئة، في وقت يشدد المتخصصون على ضرورة أن يمارس الأطفال الرياضة بمعدل ساعة يومياً في الأقل.
التركيز على ما له علاقة بالتغذية والطعام على وسائل التواصل الاجتماعي له أسبابه، وهو ما لا يحصل عشوائياً، فليس مستغرباً أن يحقق هذا النوع من المحتوى كل هذا الانتشار سواء أتى بصورة تحديات أو بصورة فيديوهات تسوق لأطعمة معينة أو لمطاعم أو غيرها.
المحتوى والمراهقون
بحسب متخصص التحول الرقمي فريد خليل تبين أنه على منصات التواصل الاجتماعي، "يظهر المحتوى الذي له علاقة بالغذاء تأثيراً كبيراً في المراهقين ويجعلهم أكثر تعلقاً بما يرتبط بالطعام، مع ما لذلك من نتائج في زيادة معدلات السمنة والأمراض المرتبطة بها بسبب العادات غير الصحية التي يتم الترويج لها، وتبين أيضاً أن المراهقين هم بالفعل أكثر انجذاباً إلى العادات الغذائية التي يروج لها بهذه الصورة، وكذلك بالنسبة إلى الأطعمة غير الصحية التي هناك تركيز عليها. لذلك، يأتي المؤثرون بمحتوى يعتمد على الطعام بهدف تحقيق مزيد من الانتشار وحصد مزيد من التعليقات والإعجابات، بغض النظر عما إذا كان مفيداً أم لا، وما إذا كان يضر بالآخرين أم لا، بالنسبة إليهم ما يهم هو الانتشار الذي يحققه هذا النوع من المحتوى، لأن في ذلك مكافأة يحصدونها من خلال الإعجابات والانتشار والمتابعين والربح المادي، فمع زيادة أعداد المتابعين والانتشار، أياً كان من ينشر المحتوى، سواء كان من المؤثرين أو إذا كان مطعماً أو غيره، يحقق أرباحاً ويزيد الطلب على ما يقدمه من محتوى وعلى الأطعمة التي يسوق لها، بما أن الإنسان يعتمد على الطعام في جزء كبير من حياته. انطلاقاً من ذلك يعتمد الجميع على المحتوى الذي يرتبط بالطعام، وكون المحتوى الغريب هو أكثر جذباً للمتابعين، خصوصاً المراهقين منهم، هناك تركيز عليه. وأكثر بعد، يمضي المراهقون ساعات طويلة على وسائل التواصل الاجتماعي مما يجعلهم أكثر ميلاً للانجذاب إلى المحتوى الذي يقدم أطعمة بما أنه لا يمارس أي نشاط جسدي في حياته".
أضاف خليل "أوجدت المطاعم وأصحاب الشركات أرباحاً كبرى بهذه الصورة من خلال هذا النوع من المحتوى، إضافة إلى أنهم يخلقون صيحات تحقق انتشاراً واسعاً لزيادة الطلب على منتجاتهم ومبيعاتهم. وفي ذلك لا يهمهم ما إذا كان المحتوى الذي ينشرونه يضر بالمستهلكين والمجتمع بصورة عامة، هي استراتيجيات يضعونها لتحقيق مزيد من الربح. تبدو قصة نجمة ميشلان (تمنح نجمة ميشلان للمطاعم التي تقدم تجارب طعام استثنائية) خير مثال على ما يحصل في هذا المجال، فكانت شركة إطارات السيارات ولم يكن هناك إلا 3 آلاف سيارة، ما فعلته الشركة آنذاك أنها أصدرت كتاباً يتناول أهم المطاعم التي تقدم أطعمة شهية في وجهات بعيدة وتم توزيعه للناس، مما شجع الناس على التنقل في سياراتهم إلى وجهات بعيدة وأدى إلى استهلاك إطارات سياراتهم، بهذه الطريقة زادت مبيعات الشركة بسبب كثرة استهلاك الإطارات. في الوقت نفسه بدأت قصة نجمة ميشلان التي تعطى للمطاعم والفنادق الأرقى"، لذلك، شدد خليل على أهمية تحلي الناس بالوعي في الصيحات التي يجرى الترويج لها وفي المحتوى الذي يتبعونه للحد من الأخطار التي يمكن أن يتعرضوا لها.