ملخص
تعلن حسابات في "تيليغرام" عن نفسها كجهات تابعة للاستخبارات الإيرانية، وتبحث عن عملاء ينفذون مهام لمصلحتها في أوروبا التي شهدت 17 هجوماً تخريبياً منذ بداية حرب إيران، صحيح أنه لا توجد أدلة دامغة على تورط طهران في تلك الأعمال، لكن متخصصين يشيرون إلى عوامل تدلل على ذلك، فيما تقول حكومة لندن إنها أدخلت مجموعة شاملة من الإجراءات الإضافية لمواجهة التهديدات الإيرانية في بريطانيا.
حذرت شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا من الانجرار وراء محاولات تجنيد خارجي في أعقاب موجة هجمات على منشآت يهودية في لندن، ونصحت الشرطة هؤلاء "الباحثين عن المال" بعدم تنفيذ أعمال تخريبية في المملكة المتحدة، لأنهم سيعتقلون بسرعة بعدما يتخلى عنهم المشغلون، ويودعون في السجون ثمناً لأفعالهم.
من جهته، قال رئيس الوزراء كير ستارمر أمس الخميس إن "قلقه يتزايد بشأن دول تستخدم وكلاء للقيام بأنشطة إجرامية في المملكة المتحدة"، وبوح ستارمر بهذه المخاوف أثناء زيارته لكنيس يهودي في لندن تعرض لهجوم أخيراً، يبين أن تجنيد عملاء لمصلحة أجهزة استخبارات أجنبية ليست نظرية مؤامرة أو ادعاءات شعبوية.
إذاعة "أل بي سي" أجرت تحقيقاً خاصاً في هذا الشأن، وتواصلت مع حساب على "تيليغرام" يقول إنه على صلة بالاستخبارات الإيرانية، وبعد سؤال صاحب الحساب للصحافي المتخفي عن جنسيته وعمره، كلفه بمهمة طباعة صورة للرئيس الأميركي دونالد ترمب وأخرى لرئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وحرقهما في العاصمة لندن.
صاحب الحساب الذي يقول إنه "روبوت"، طلب من الصحافي المتخفي توثيق حرقه للصور عبر تسجيل فيديو للعملية في أحد شوارع لندن، وبعد أن يسلم العميل التسجيل سيتقاضى أجر العمل ويكلف بمهمة أخرى، لافتاً إلى أن الوظيفة الأولى عادة هي فقط لبناء الثقة بين المشغل والعميل، ومعرفة مدى استعداد الأخير لعمليات أكبر.
الإذاعة البريطانية واسعة الانتشار أبلغت شرطة مكافحة الإرهاب، وأطلعتهم على المحادثة كاملة، وقد تبين أن الطريقة التي كلف بها الصحافي تحمل سمات مشتركة مع حوادث مشابهة عرفتها البلاد سابقاً، حيث يزداد اعتماد الجهة المشغلة على العميل بقدر ما يظهر من ولاء، ويطمئن المشغلون من قدرة العميل على تنفيذ المهام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعرض الحساب الإلكتروني تجنيد العملاء في ما يصفه بـ "بيئة آمنة ومهنية تماماً، مع مراقبة ودعم على مدار الساعة"، وفي إحدى المنشورات المكتوبة بالإنجليزية والعبرية، يقول إن "أجهزة الاستخبارات الإيرانية تقوم بتجنيد العملاء بأجور عالية، وإذا كنت مستعداً إلى اتخاذ الخطوة التالية، فاضغط على زر البدء وتعاون معنا."
مصدر أمني متخصص في العمليات الخارجية الإيرانية قال لـ "أل بي سي" إن هذا النموذج يعكس تحولاً أوسع نطاقاً نحو الاستعانة بأفراد غير مرتبطين ببعضهم البعض بشكل وثيق لتنفيذ الهجمات"، موضحاً أن استخبارات إيران ومجموعة فاغنر الروسية عملتا بهذه الطريقة لتنفيذ أعمال إرهابية وتجسسية سابقاً، وفق تعبيره.
بحسب المصدر الذي لم تذكر الإذاعة البريطانية اسمه، فإن هذه الأنشطة تزداد شيوعاً في أنحاء المملكة المتحدة وأوروبا عموماً، وأولئك المستهدفون في عمليات التجنيد الخارجية عادةً ما تكون دوافعهم مالية وليس أيديولوجية، حيث شملت الحالات السابقة أفراداً من شبكات إجرامية أو أشخاصاً من مجتمعات مهمشة اقتصادياً.
وبينما تعهد ستارمر بتقديم تشريع إلى البرلمان بشأن تجنيد الوكلاء بأسرع وقت ممكن، حذر مات جوكس، نائب مفوض شرطة لندن، من أن "العملاء الذين يُطلب منهم العمل نيابة عن إيران هم أشخاص يمكن الاستغناء عنهم بسهولة، وعليهم أن يعرفوا أن مشغلهم سيتخلى عنهم بسرعة كبيرة بمجرد تدخل الأجهزة الأمنية المختصة".
تعيد تقارير لمنظمة متخصصة ارتفاع حالات تجنيد عملاء طهران إلى تزايد معاداة السامية في المملكة المتحدة، فيما قال متحدث باسم الحكومة إنها "تدرك التهديدات التي تشكلها إيران، وأولويتها هي حماية المصالح والأرواح البريطانية منها داخل البلاد وخارجها، ولذلك أدخلت مجموعة شاملة من الإجراءات الإضافية الفعالة".
ونقلت صحيفة "الغارديان" عن محققين ومسؤولين أمنيين ومحللين، أن أجهزة الاستخبارات الإيرانية وعناصر الحرس الثوري يقومون بتجنيد مراهقين عبر وسطاء إجراميين لشن موجة من الهجمات تحت ما أسمتها "الحرب الهجينة" على مستوى منخفض في دول قارة أوروبا، بدأت أولى موجاتها مطلع مارس (آذار) الماضي.
وبحسب الصحيفة البريطانية استهدفت الموجة الأولى من هجمات عملاء إيران مواقع الجالية اليهودية في بلجيكا وهولندا وبنوكاً أميركية، فيما ركزت الثانية على المملكة المتحدة، ووقعت سلسلة من حوادث الحرق المتعمدة التي طاولت كنيساً يهودياً ومؤسسة خيرية يهودية ومكاتب شبكة تلفزيونية معارضة للنظام الإيراني في لندن.
ويلفت جوليان لانشيس من المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، إلى عدم وجود أدلة قاطعة على تورط طهران في الهجمات السبع عشرة التي شهدتها أوروبا بعد اندلاع الحرب في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي، لكن التكتيكات المستخدمة تذكرنا بالعديد من العمليات السابقة التي تورطت فيها إيران، على حد قوله.
يبين لانشيس أن الهجمات نُظمت بطريقة مماثلة ضد أهداف مشابهة، مما يشير لوجود نوع من القيادة والسيطرة المركزية، كذلك فإن طبيعة الهجمات مألوفة لدى الأجهزة الأوروبية، التي أفادت منذ سنوات بأن إيران تعتمد على شبكات إجرامية لتجنيد عملاء من المستوى الأدنى، مدفوعين بفرصة كسب مبالغ مالية صغيرة نسبياً، ويبدو أن فهمهم لطبيعة هدفهم محدود ولا يملكون أي معرفة بمن يدفع لهم في نهاية المطاف.
يشير لانشيس إلى غياب الأدلة على وجود هيكل تنظيمي داخلي للعملاء المجندين، وهذا ينفي نظرياً مسؤولية منظمة "أصحاب اليمين" التي تبنت تلك الهجمات في قارة أوروبا، بخاصة وأن هذه المجموعة كانت مجهولة تماماً قبل حرب إيران، وقد ظهرت للمرة الأولى أوائل مارس الماضي عبر منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.
من وجهة نظر فيليب سميث، الباحث المتخصص في العمليات الإيرانية الخارجية، "ما يحدث في أوروبا هو الاستراتيجية ذاتها التي طبقتها إيران في العراق والبحرين وسوريا، وهي الآن تستخدمها في القارة العجوز بهدف إثارة الارتباك في المجتمعات الغربية، وجذب انتباه وسائل الإعلام لادعاء امتلاك إمكانيات أكبر من الحقيقة".
ويلفت فيليب إلى أنه على رغم وجود مخاوف من تصعيد الموقف في حال انهيار الهدنة الهشة في الشرق الأوسط، إلا أن الهجمات التي وقعت في دول أوروبا والمملكة المتحدة حتى الآن، كانت دقيقة جداً في حساباتها كي تتجنب وقوع ضحايا، وبالتالي أولوية إيران في هذه العمليات هي بث الفوضى والقلق، على حد تعبيره.