ملخص
اعتدنا أن ننظر إلى الفلسفة بوصفها النشاط المعرفي الذي يختص بالتفكير. وحين نتحدث عن "التفكير" نذهب، في الغالب، إلى الفلسفة مباشرة، وكأن التفكير امتيازها الخاص، أو كأنها الصورة الأرقى والأكثر أصالة من صور الفكر. أما الفن، فنضعه عادة في جهة أخرى: جهة الإبداع والتعبير والإحساس والجمال. ونقول إن الفنان يشعر، وإن الفيلسوف يفكر. لكن ماذا لو كان الفن يفكر هو الآخر؟ بل ماذا لو كان يفكر في مسائل نظنها، في العادة، حكراً على الفلسفة: الوجود، والمصير، والزمن، والمعنى، والحب، والموت؟
تكتسب فلسفة جيل دولوز أهميتها، من كونها تسمح لنا بأن نعيد توزيع التفكير على مجالات ثلاثة: الفلسفة، والعلم، والفن.
ينبغي أولاً أن نحرر الفلسفة من تعريفات شائعة اختزلتها في التأمل أو التفكر أو التواصل. فالفلسفة، عند جيل دولوز وكذلك غتاري، ليست تأملاً في حقائق موجودة قبلها، وليست تفكراً عاماً يمكن أن يمارسه أي شخص حول أي موضوع كان، وليست تواصلاً هدفه الوصول إلى توافق بين الذوات.
الفلسفة إبداع
الفيلسوف لا يجد الأفهوم جاهزاً في العالم، بل يبدعه استجابة لمسألة تستدعيه. لهذا فإن الفلسفة، قبل أن تكون قولاً عن الأشياء، هي فعل إبداع: إبداع كائنات فكرية أو أفاهيم جديدة قادرة على الإمساك بمشكلة لم يعد الجهاز الأفهومي المتاح قادراً على استيعابها.
لكن الفلسفة ليست وحدها في مجال التفكير. فالعلم هو أيضاً يفكر، والفن يفكر. غير أن التفكير لا يجري بالطريقة ذاتها في المجالات الثلاثة. الفلسفة تفكر بالأفاهيم، والعلم يفكر بالدوال، والفن يفكر بالأشاعير والأداريك.
إذاً ليس السؤال: أي فرع معرفي يفكر؟ فالفلسفة والعلم والفن، وإن اختلفت طرائق تفكيرها، تفكر جميعاً. السؤال هو: بم يفكر كل واحد منها؟
هنا يصبح من الخطأ أن نجعل الفلسفة معياراً للتفكير، ثم نقيس الفن والعلم بمدى اقترابهما منها. لا توجد هنا مسابقة بين صور الفكر.
لا امتياز لفرع على آخر في التفكير
إذا كان العلم يفكر بالدوال، والفلسفة بالأفاهيم، والفن بالأشاعير والأداريك، فليس معنى ذلك أن أحد هذه الأنماط أرقى من الآخر.
لا يملك الفيلسوف حق احتكار الفكر، كما لا يملك العالم هذا الحق، ولا الفنان. لكل مجال طريقته في إنتاج الفكر، ولكل واحد مادته وأفاعيله الخاصة. الفلسفة لا تفكر بدلاً من الفن، والفن لا يفكر بدلاً من الفلسفة. إنهما يفكران بطرائق مختلفة وفي مواد مختلفة. وهنا تكمن أهمية الانتقال من السؤال التقليدي: "ما الذي يقوله الفن؟" إلى سؤال أكثر دقة: كيف يفكر الفن؟
الفكر ليس شيئاً واحداً يستعمل أدوات مختلفة عرضاً. فكل نمط من التفكير يتحدد بالفعل الذي يستطيع أن يؤديه. العلم ينشئ الدوال والنماذج والعلاقات التي تمكنه من تفسير الظواهر.
والفن يبدع أداريك وأشاعير، أي كيانات حسية لا تختزل في الإدراك الشخصي أو الشعور النفسي للفنان أو المتلقي. فالـpercept ليسperception، كما أن الـaffect ليس affection.
ليس الأدروك مجرد ما أدركه شخص بعينه، وليس الأشعور مجرد حال عاطفية تخص شخصاً بعينه. إنهما ما يستطيع العمل الفني أن ينتزعه من التجربة ويمنحه استقلالاً خاصاً. لهذا يقول دولوز وغتاري إن الأشاعير والأداريك "تتجاوز كل معيش"، وإن العمل الفني يرسم كائنات إحساسية أو كائنات من الإحساس.
لنترك الفلسفة ولننظر إلى الفن إذا قبلنا ذلك، يصبح من المفيد أن نعكس اتجاه النظر. فبدلاً من أن نسأل دائماً: ماذا تستطيع الفلسفة أن تقول لنا عن الفن؟ يمكن أن نسأل: ماذا يستطيع الفن أن يقول لنا عن التفكير؟ بل يمكن أن نذهب أبعد: كيف يفكر الفن في مسائل يظن كثر أنها ملك الفلسفة؟
ولنأخذ أغنية محمد عبدالوهاب "من غير ليه". منذ بدايتها تقذف بنا الأغنية في قلب سؤال يبدو فلسفياً بامتياز: جايين الدنيا ما نعرف ليه، ولا رايحين فين، ولا عايزين إيه".
من أين جئنا؟ إلى أين نذهب؟ ماذا نريد؟ هذه أسئلة الوجود والغاية والرغبة والمعنى. أسئلة شغلت الفلاسفة منذ القدم. لكن عبدالوهاب لا يكتب بحثاً في معنى الوجود، ولا يبني أطروحة ميتافيزيقية، ولا يبدع أفهوماً للمعنى. إنه يفعل شيئاً آخر. إنه يجعلنا نحس بالسؤال.
كيف تفكر "من غير ليه"؟
تبدأ الأغنية بالتيه: "مشاوير مرسومة لخطاوينا/ نمشيها في غربة ليالينا". الوجود هنا ليس أفهوماً، إنه غربة وليالٍ ومشاوير وخطوات. ثم يأتي الفرح والجرح: "يوم تفرحنا ويوم تجرحنا/ وإحنا ولا إحنا عارفين ليه".
السؤال لا يحل، بل يستمر داخل التجربة. ثم يحدث التحول: "ولقيت بيتي بعد الغربة/ وقلبك ده وعيونك دي". فالحب لا يقدم جواباً فلسفياً عن معنى الوجود، ولكنه يقوم بوظيفة أخرى: يعيد بناء العالم. الغربة تصبح بيتاً. والتيه يصبح إقامة. والوجود الذي بدأ بسؤال "ليه؟" يصبح قابلاً العيش من خلال الآخر.
ثم تأتي العبارة التي تحمل عنوان الأغنية: "بحبك عارف ليه؟/ من غير ليه". هنا لا نحصل على جواب عن الحب، بل على تعليق لفكرة التعليل نفسها. أنا أحبك، ولكن ليس لأنني أملك سبباً يمكنني أن أضعه في صيغة منطقية. فالحب هنا ليس نتيجة برهان. إنه حدث.
الفن لا يجيب عن السؤال، إنه يحوله إلى إحساس
هنا تظهر خصوصية التفكير الفني. فالفلسفة تستطيع أن تسأل: ما معنى أن يكون للوجود معنى؟ وما الغاية؟ وما الحب؟ وما الرغبة؟ أما الأغنية فلا تحتاج إلى تحويل هذه الأسئلة إلى أفاهيم. إنها تفكر بها من خلال أداريك وأشاعير.
في "من غير ليه" يصبح الحب: "بحر عنيك يا حبيبي غريق". ويصبح الزمن: "بكرة". ويصبح الخوف من الفقد: "خايف طيور الحب تهجر عشها وترحل بعيد". ويصبح الدفء قابلاً التحول إلى جليد: "خايف على بحر الدفا ليلة شتا يبقى جليد". ثم يصبح الحب وطناً وكوناً: "على بيتنا بالحب النجوم متجمعة/ على بابنا شجرة ورد حلوة مفرعة/ على كل شباك ألف شمعة مولعة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذه ليست مجرد استعارات جميلة. إنها طريقة الأغنية في التفكير. فهي لا تقدم أفهوماً عن الحب، بل تبني عالماً محسوساً للحب.
"فات جنبنا"
في "فاتت جنبنا" نجد تجربة أكثر تركيزاً: امرأة تمر، ضحكة، همس، ذوبان، ثم غياب. "ضحكت تاني نفس الضحكة وراحت ماشية/ زي الدنيا ما تيجي في ثانية وتمشي في ثانية".
هنا يفكر الفن في الحب بوصفه حدثاً حسياً خاطفاً. الضحكة والمرور والزوال تتحول إلى أداريك وأشاعير. أما "من غير ليه" فتذهب أبعد: إنها تدخل إلى سؤال المعنى نفسه. فهي تبدأ من: "جايين الدنيا ما نعرف ليه"، وتنتهي إلى: "لولا الحب ما كان في الدنيا ولا إنسان".
بين البداية والنهاية تتحرك الأغنية من سؤال الغاية إلى تجربة الحب، ومن الغربة إلى البيت، ومن الخوف إلى التمسك بالحياة. هكذا لا تكون الأغنية مجرد كلام عن الحب، بل تصبح تفكيراً فنياً في معنى أن نكون موجودين وأن نعيش وأن نحب.
ماذا يعني إذاً أن الفن يفكر؟
لا يعني أن الفنان فيلسوف من دون أن يدري، ولا أن كل قصيدة أو أغنية تحوي فلسفة مستترة تنتظر من يستخرجها. يعني شيئاً أكثر دقة: أن الفن يمتلك نمطاً خاصاً من الفكر لا يحتاج فيه إلى الأفهوم. فالفيلسوف حين يفكر في الحب يبدع أفاهيم وأفهومات.
أما الفنان فيبدع أداريك وأشاعير تجعل الحب حاضراً كقوة محسوسة. لهذا ينبغي ألا نسأل بعد الآن: "أين الفلسفة في هذه الأغنية؟" بل: "ما الذي تفكر فيه الأغنية، وكيف تفكر فيه؟" عندئذ نكتشف أن الفن لا يقف على هامش الفكر، ولا يأتي بعد الفلسفة ليزين ما قالته، بل يشترك معها، ومع العلم، في إنتاج الفكر، وإن كان يفعل ذلك بأفاعيله الخاصة. الفلسفة تفكر بالأفهوم. العلم يفكر بالدالة. والفن يفكر بالأدروك والأشعور. ثلاثة أنماط من الفكر، لا واحد منها تابع للآخر.
وإذا كانت الفلسفة قد احتفظت طويلاً لنفسها بحق السؤال عن الوجود والمعنى والحب، فإن "من غير ليه" تذكرنا بأن السؤال يمكن أن يجد صورة أخرى من الوجود: ليس في الأفهوم، بل في الأغنية، ليس في البرهان، بل في الإحساس، وليس في تعريف المعنى، بل في أن يجعلنا الفن نحس بأن للحياة معنى، حتى "من غير ليه".