ملخص
شملت الجرائم التي دين بها واحدة من أسوأ الفظائع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وهي مجزرة سريبرينيتسا عام 1995 التي قُتل فيها نحو 8 آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، وخلصت المحكمة إلى أنها كانت عملية إبادة جماعية دبّرها القائد العسكري ملاديتش وحليفه السياسي رادوفان كارادجيتش.
يُوارى مجرم الحرب الصربي البوسني المدان راتكو ملاديتش الثرى في بلغراد بعد غد الإثنين، وسط توقعات بمشاركة الآلاف في تكريم هذا الرجل الذي تلقبه وسائل إعلام دولية بـ"جزار البوسنة".
وأمضى ملاديتش أعوامه الأخيرة في تنفيذ عقوبة السجن مدى الحياة في لاهاي، على خلفية إدانته بارتكاب جرائم حرب في البوسنة قالت المحكمة الجنائية الدولية إنها "من أبشع الجرائم المعروفة للبشرية".
وشملت الجرائم التي دين بها واحدة من أسوأ الفظائع في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، وهي مجزرة سريبرينيتسا عام 1995 التي قُتل فيها نحو 8 آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة، وخلصت المحكمة إلى أنها كانت عملية إبادة جماعية دبّرها القائد العسكري ملاديتش وحليفه السياسي رادوفان كارادجيتش.
ووصف مفوض الأمم المتحدة السامي السابق لحقوق الإنسان زيد رعد الحسين، ملاديتش بأنه "التجسيد الكامل للشر" عقب إدانته.
لكن إرثه لا يزال يثير انقساماً داخل صربيا والكيان ذي الغالبية الصربية في البوسنة، إذ لا يزال بعض الصرب ينظرون إليه على أنه بطل.
واستُقبل نعشه في بلغراد بتشريفات عسكرية، بعد أن نقل على متن طائرة حكومية ملفوفاً بالأعلام، ثم نقل في موكب سيارات إلى داخل العاصمة.
وقال داركو ملاديتش، نجل راتكو ملاديتش، خلال مؤتمر صحافي إلى جانب وزير العدل الصربي أمس الجمعة "أقول أمام العالم كله إنني فخور بالدور الذي أداه والدي".
الطريق إلى سريبرينيتسا
كثيراً ما روّج ملاديتش لنفسه على أنه "رجل بسيط" اختير لحماية شعبه، مقدماً نفسه على أنه حامي الصرب.
وقال خلال جلسة استئناف عام 2020 "لقد وضعني القدر في موقع الدفاع عن بلدي الذي دمّرتموه أنتم، القوى الغربية، بمساعدة الفاتيكان والمافيا الغربية".
وأشرف لأكثر من ثلاثة أعوام على حصار العاصمة البوسنية سراييفو، حيث تسببت رصاصات قناصيه وقذائف مدفعيته في مقتل آلاف الرجال والنساء والأطفال في الشوارع وداخل منازلهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقديماً، أظهرت لقطات مصوّرة من سريبرينيتسا، ملاديتش وهو يطمئن فتى مسلماً يبلغ 12 سنة، قبل وقت قصير من قتل قواته آلاف المدنيين.
وخلال الفترة نفسها تقريباً، ظهر في تسجيل آخر وهو يعود لسريبرينيتسا الخالية من سكانها، قائلاً أمام الكاميرا "نمنح هذه المدينة للشعب الصربي هدية".
وشكّل ملاديتش مع كارادجيتش والرئيس اليوغوسلافي السابق سلوبودان ميلوشيفيتش ثلاثياً قومياً صربياً أطلق موجة من أعمال القتل على أسس عرقية في محاولة لإعادة رسم خريطة المنطقة.
ففي حين كان كارادجيتش العقل الأيديولوجي وميلوشيفيتش السياسي المحنك، كان ملاديتش العسكري الذي أتقن خوض الحروب وجعل منها مجاله الرئيس.
"نرجسي ومغرور"
طبعت الصراعات حياة ملاديتش منذ نعومة أظفاره، إذ إنه وُلد خلال الحرب العالمية الثانية في بلدة كالينوفيك شرق البوسنة. وتشير معظم الروايات إلى أن ذلك كان عام 1942، إلا أن ملاديتش أبلغ المحكمة بأنه وُلد في الواقع عام 1943.
وقُتل والده في الأيام الأخيرة من الحرب وهو يقاتل في صفوف المارشال جوزيف بروز تيتو، الزعيم الذي نجح لاحقاً في توحيد دولة يوغوسلافيا متعددة القوميات وكبح العداوات الكامنة بين مكوناتها.
وبحسب معظم الروايات، كان ملاديتش يطمح دائماً إلى أن يصبح عسكرياً.
وغادر إلى بلغراد في أوائل ستينيات القرن الماضي لتلقي التدريب العسكري، وأصبح ضابطاً في سن الـ22، قبل أن يرتقي لاحقاً إلى قيادة قوات صرب البوسنة خلال الحرب.
وعلى رغم أن جنوده كانوا ينظرون إليه بإعجاب كبير، فإن المتحدث السابق باسم الجيش اليوغوسلافي ليوبودراغ ستويادينوفيتش وصفه ذات مرة بأنه "نرجسي ومغرور ومهووس بذاته ومتغطرس".
وخلال الحرب، حيّر المفاوضين الدوليين بخطب مطولة ومتشعبة مليئة بالانفعالات حول التاريخ الصربي.
وفي الأيام الأخيرة من الحرب، بدأ مقربون منه يشككون في سلامة قدراته الذهنية.
وقال الرئيس المونتينيغري السابق الراحل مومير بولاتوفيتش في فيلم وثائقي أعدته هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في تسعينيات القرن الماضي "كنت أحترم الجنرال ملاديتش العسكري والإنسان، لكن بعد ثلاثة أعوام من الحرب، كان قد فقد صلته بالواقع".
كـ"مجرم حرب"
وأُقيل ملاديتش من منصبه بعد توجيه الاتهامات إليه عام 1995، لكنه تمكن من الإفلات من الاعتقال لمدة 16 عاماً أخرى.
وفي البداية، عاش حياة مرفهة تحت رعاية الجيش الصربي، غير أن الضغوط عليه تزايدت بعد سقوط سلوبودان ميلوشيفيتش عام 2000.
واعتُقل أخيراً في مايو (أيار) 2011 في منزل ريفي يملكه ابن عمه شمال صربيا.
وكانت ابنته آنا أقدمت على الانتحار عام 1994 عن عمر ناهز 23 سنة، وتفيد بعض الروايات بأنها لم تستطِع تحمل العار الناجم عن الجرائم التي ارتكبها والدها، إلا أن عائلة ملاديتش تنفي ذلك. وكان آخر طلب تقدم به قبل نقله إلى المحكمة هو زيارة قبرها.
وخلال تلك الأعوام، تعاظمت سمعته لدى مؤيديه، وجرى تخليد دوره في زمن الحرب عبر جداريات انتشرت في أنحاء جمهورية صرب البوسنة، الكيان الصربي داخل البوسنة.
وفي عاصمتها بانيا لوكا، وبعيد انتشار نبأ الوفاة، شارك آلاف الأشخاص في وقفات تكريمية للرجل المدان بجرائم حرب، ساروا خلالها خلف لافتة كُتب عليها "أيها القائد، شكراً لك على كل شيء".
لكن في سريبرينيتسا، حيث تصطف آلاف الشواهد الرخامية لضحاياه، قالت سهيدة عبد الرحمنوفيتش التي فقدت شقيقها في المجزرة، إن الحكم على إرثه قد حُسم بالفعل، وأضافت أن "التاريخ سيذكره بلا شك كأحد أعظم رموزه السلبية، كمجرم حرب".