Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رحلة في ذاكرة الحرب" يوثق سرديات الألم في البوسنة

حنان سليمان في رحلة الماضي والحاضر إلى البلاد المنشطرة الهوية

 من آثار حرب البوسنة (أ ف ب)

ملخص

بعد 31 عاماً على وقوعها، لا تزال مذبحة سربرنيتسا التي شهدتها البوسنة والهرسك في يوليو 1995 حاضرة في الذاكرة المعاصرة، كإحدى أبشع مذابح الإبادة التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، إذ سقط فيها 8372 ضحية من المسلمين. ولا تزال وقائع الحرب وخلفياتها مجهولة لدى القارئ العربي، الذي اكتفى بالتعاطي مع البعد الديني لأزمة البلقان، من دون الإلمام بالأبعاد الأخرى التي يركز عليها كتاب "رحلة في ذاكرة الحرب... البوسنة والهرسك" للصحافية والروائية المصرية حنان سليمان، الصادر أخيراً عن دار كتوبيا.

يضع الكتاب، القارئ أمام صورة بانورامية لجغرافيا دول البلقان وتاريخها، وبالذات البوسنة والهرسك، راصداً لحظات التحولات المفصلية التي قادت إلى الحرب والإبادة، وصنعت الذاكرة التي تمثل العمود الفقري للكتاب.

من المعروف أن مذبحة سربرنيتسا نفذتها وحدات من جيش جمهورية صربيا البوسنة، تحت قيادة راتكو ملاديتش. وفي أبريل (نيسان) 1993، أعلنت الأمم المتحدة منطقة سربرنيتسا منطقة آمنة تحت حماية القوات الدولية. وفي 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، حكمت المحكمة الجنائية الدولية على راتكو ملاديتش بالسجن المؤبد، ودانته بارتكاب جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية. وفي مايو (أيار) 2024، عيَّنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوماً سنوياً دولياً لتذكر الإبادة الجماعية التي وقعت في سربرنيتسا، وحثت الدول الأعضاء على الحفاظ على الحقائق الثابتة، بطرائق تشمل نظمها التعليمية لوضع برامج مناسبة لإحياء الذكرى، ومنع الإنكار والتشويه وحدوث أعمال إبادة جماعية في المستقبل.

ذاكرة يقظة

أول ما يلفت في كتاب سليمان استنادها إلى ذاكرتها الشخصية، منذ أن كوَّنت أول صورة عن البوسنة خلال طفولتها، على خلفية متابعة وقائع الحرب في نشرات الأخبار. لكن الصورة تواصلت معها بعد إقامة قصيرة قادتها إلى تأليف كتابها، الذي يأتي بعد أعوام من نشر روايتها الأولى "الراعي".

 صدر كتابها هذا النور بالتزامن مع أحداث الإبادة التي تعيشها غزة، مما جعل المؤلفة أكثر إيماناً بأن أعمال الإبادة لا تتوقف، وإن اختلفت الدوافع والمبررات. وقد بُني الكتاب على رحلة خاصة قامت بها المؤلفة إلى بلاد الدم والعسل -كما تصفها- امتدت إلى أسبوعين. وكانت ضمن منحة صيفية للدراسة في إحدى الجامعات، اختتمت بالمشاركة في مسيرة رمزية تُقام على طريق الموت، وبغرض استعادة الحياة ومنع تكرار الحرب. ويشارك في هذه المسيرة سنوياً الذين فروا من جحيم سربرنيتسا، ومعهم متطوعون من جميع أنحاء العالم.

نالت سليمان منحتها من الجامعة بعد أن دفعت مقابل السكن والإقامة لمدة أسبوعين، وهذه الجامعة أسسها أحد الناجين من الإبادة، وتوقف تمويلها بعد جائحة كورونا، وبعد أن تحول الاهتمام عن البوسنة إلى قضايا أخرى. وهي ليست جامعة بالمعنى التقليدي، بل عبارة عن برنامج مكثف يمتد لأسبوع، يأخذ المشاركين فيه إلى رحلة عبر تاريخ البوسنة وحاضرها. وتجمع المنحة بين التعليم الميداني والإنصات إلى الذاكرة الحية للناس، فضلاً عن جولات للمشاركين في المتاحف والمواقع التاريخية، ومقابلة شخصيات يحصلون منها على إفادات، حول ما يسمى "سرديات الألم"، التي تشمل ذكرياتهم عن وقائع الحروب وظروف المعيشة خلالها.

يبدأ الكتاب من جملة في أغنية كتبها الشاعر التونسي آدم فتحي، وغناها المطرب لطفي بوشناق، وهي جملة تقول: "كم مرة ينبغي أن نموت لتحيا الحياة؟". لذلك يراوح الكتاب بين معنيين متضادين، هما الموت والحياة، ويوازن بمهارة لافتة بين الطابع المعلوماتي الذي يخص أسباب الحرب ودوافعها، وضرورات السرد الأدبي المرتبطة بمشاهدات المؤلفة ورغبتها في بناء نسيج مترابط يقود القارئ لاكتشاف التاريخ والتراث في منطقة غنية من مناطق التماس الحضاري بين الشرق والغرب. فضلاً عن الوعي بخصوصيتها الثقافية كبلد يعاني مما تسميه "الانتماء المشطور"، حيث الهوية مجزأة، والانتماءات متعددة، والجغرافيا لا تنتمي لأحد بالكامل.

المعلم السياحي

على رغم المناظر الطبيعية الخلابة في البلقان، فإن ذاكرة الحرب لا تزال هي المعلم الأول، الذي يتجلى في متاحفها وذاكرة سكانها، وفي آثار القصف التي ترصع مبانيها. ومع ذلك فإن تلك الشواهد لم تمنع من التعامل مع بلاد البلقان كمقصد سياحي محتمل، أو نواة لاستثمارات عقارية يقوم بها رجال أعمال من دول متعددة. وتقر حنان سليمان بالتعاسة التي حاصرتها في المكان، لأن ذاكرة البلاد التي جالت فيها أصبحت "ذاكرة ألم وحرب في المقام الأول"، كأن من يزورها يطل على منطقة منكوبة بوباء أو كارثة طبيعية.

تؤكد زيارات المتاحف هذا الانطباع، فقد زارت معهد البوشناق، ومتحف الرئيس البوسني السابق علي عزت بيغوفيتش، ومتحف اليهود السفارديم، ومتحف طفولة الحرب، إضافة إلى متحف الإبادة الجماعية، ومتحف نفق سراييفو، ومتحف الغازي خسرو بك... وكلها متاحف تقع في اتحاد البوسنة والهرسك، لكنها لم تتمكن من زيارة المتاحف التي تقع في جمهورية الصرب.

يفسح الكتاب المجال واسعاً أمام تأمل تفاصيل الحياة اليومية وما تنتجه من دلالات تنعكس في الممارسات الأنثروبولوجية، وفي أنماط الملابس التي لا تزال محتفظة بطابعها التعددي. فالأزياء هي لغة صامتة، كما تقول المؤلفة، معبّرة عن إعجابها بملابس البوسنيين وبعاداتهم في الأكل والطبخ. فهي تدل بجلاء على تفاعلات أخرى للهوية، وتبرز الثراء والتنوع أكثر مما تلح على فكرة الانشطار. فالمطبخ البوسني له مميزات ناتجة من تأثره البالغ بالمطبخ العثماني، إلى جانب ما وفد إليه من تأثيرات غربية مستمدة من سيطرة النمسا-المجر على البلاد خلال العصر الحديث.

واستكمالاً لمهمة الكشف عن الطقوس والعادات اليومية، تشير إلى ارتباط أهالي البوسنة بالشاي، وعادات تناول القهوة التي تقدم بطريقة مختلفة عن القهوة التركية. ففي سراييفو وحدها يوجد أكثر من 20 اسماً مختلفاً للقهوة ترتبط بتوقيتات شربها.

العمارة الصامدة

من جهة أخرى، تمثل الشواهد الأثرية ونماذج عمارة البيوت والمساجد هناك، أدلة حية وباقية تكشف تأثير التداخل الثقافي على أنماط العمارة، وتؤكد تأثير الإسلام على أساليب الحياة اليومية وأنماط العيش والسكن. لكن تلك النماذج، على أهميتها، لا تغيب تفاعل المعماري البوسني مع نماذج معمارية أخرى، أبرزت ما يطلق عليه "العمارة الوحشية". وهذه تعتمد على المواد الخرسانية الخام، وتلعب -وفقاً للمؤلفة- الدور الحاسم في تشكيل الهوية المعمارية هناك، وتماثل في جوهرها العمارة السوفياتية التي سادت دول شرق أوروبا طوال سنوات الحرب الباردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالتالي، فإن كافة المواقع التاريخية والمتاحف التي زارتها سليمان بدت أمامها وكأنها تفسيرات متعددة، ومداخل متنوعة لطرح فضائل التداخل والتعددية الحضارية، ما لم تكن مقرونة بسياسات المحو المتعمد، فالبوسنة بلد متعدد الطبقات، ويصعب حصره في هوية واحدة.

وفي هذا السياق، تسلط الضوء على فضائل سياسة الأوقاف الإسلامية خلال فترة الحكم العثماني. فبفضل هذه السياسات جرى الحفاظ على البيوت والمساجد ذات الطرز العثمانية، واستمرت ساحةً لتأدية الطقوس والعبادات والشعائر الدينية، على رغم تفاقم صراعات الهوية. وتؤكد المؤلفة أن الإكراه الديني لم يكن سياسة ممنهجة في الدولة العثمانية، أو على الأقل في حالة البوسنة. وتدل على ذلك بالإشارة إلى أن خروج العثمانيين لم يعقبه أي شكل من أشكال الردة، على رغم التباين والاختلاف في صور استقبال الدين الإسلامي في بعض المناطق، بالصورة التي يكشفها الكتاب. فهو يعطي الفرصة أيضاً لاكتشاف البوسنة بعين راصدة للسياسات الثقافية التي سمحت لها بتخطي ماضيها الجريح.

أجادت المؤلفة في تأمل الصورة التي رسمها أدباء البوسنة لبلادهم، التي عانت طويلاً من القومية التي يسميها أينشتاين "حصبة البشر"، في الإشارة إلى ما تخلفه من أمراض عصابية راسخة. وعادت سليمان، خلال تجهيز الكتاب، إلى عشرات البرامج والأفلام الوثائقية التي تساعدها في تفكيك الصور المتعددة، واستثمار ما فيها من تنوع وتعقيد، وبالذات في الجوانب المتعلقة بالبحث عن المفقودين أو تحديد مواقع المقابر الجماعية. فهناك ما يزيد على ألف شخص لا يُعرف شيء عن مصيرهم، لأن ذويهم يعيشون وسط شياطين خرس.

يقدم الكتاب كذلك، الكثير من الإشارات الذكية حول طرق المقاومة الثقافية، وكيف استعملت المسارح وساحات الرقص وقاعات الفن كفضاءات تبرز ثراء التعددية الثقافية. ويعالج سينما الحرب، راصداً مجموعة من الأفلام التي تفاعلت مع المأساة البوسنية.

يتوقف الكتاب في الختام أمام الصورة الرمزية التي يمتلكها الأديب البوسني الشهير إيفو أندريتش (1892-1975)، حائز جائزة نوبل في الآداب عام 1961، صاحب الرواية المعروفة "جسر على نهر درينا"، في ذاكرة شعبه. فهو كتب عن معاناة البوسنة خلال فترة الاحتلال النازي، ووصفها بـ"بلاد الخوف والكراهية". فالجسر الذي خلده في روايته، التي حازت على جائزة، تحول إلى مركز رئيس لقتل البوسنيين، إذ لم ينس الصرب أبداً أنه جسر عثماني. والمستغرب اتهام أندريتش، في التلقي العربي عموماً، بالإساءة إلى الإسلام، أو بالأحرى إلى العثمانيين.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة