Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

86 طنا من الذهب تغير خريطة الاحتياطات العالمية

هولندا تنقل جزءاً من ذهبها إلى لندن وفرنسا تعيد ترتيب سبائكها... والهند تعزز التخزين المحلي وسط تصاعد التوترات

الذهب يعود بقوة إلى قلب إدارة الاحتياطات العالمية (اندبندنت عربية) 

ملخص

تتجه البنوك المركزية إلى إعادة النظر في أماكن تخزين احتياطاتها الذهبية، في ظل التوترات الجيوسياسية وارتفاع أهمية السيولة وسرعة الوصول إلى الأصول في أوقات الأزمات. 

لم يعد الذهب مجرد أصل استثماري تحتفظ به البنوك المركزية في خزائن بعيدة عن الأعين، بل أصبح موقع تخزينه نفسه جزءاً من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية في عالم تتصاعد فيه الأخطار الجيوسياسية وتتغير فيه خريطة العلاقات الدولية.

الذهب يتحرك بالفعل بين القارات والخزائن، فقد نقل البنك المركزي الهولندي نحو 86 طناً من احتياطاته من الولايات المتحدة وكندا إلى لندن، فيما أعادت فرنسا ترتيب جزء من احتياطاتها الموجودة في نيويورك، بينما تظهر أحدث البيانات الهندية أن نسبة متزايدة من ذهب البلاد أصبحت محفوظة داخل الأراضي الهندية.

وتختلف دوافع هذه التحركات من دولة إلى أخرى، فهولندا تحدثت عن الاستعداد للأزمات وسهولة تداول الذهب في السوق اللندنية، بينما قالت فرنسا إن جزءاً من سبائكها لم يعد يتوافق مع معايير النقاء المطلوبة في الأسواق الدولية، أما الهند، فلم تقدم سبباً رسمياً وراء ارتفاع نسبة الذهب المخزن محلياً.

لكن الصورة الأوسع تشير إلى أن البنوك المركزية أصبحت أكثر اهتماماً ليس فقط بكمية الذهب التي تمتلكها، إنما أيضاً بمكان وجوده ومدى سرعة استخدامه أو تسييله إذا تعرض العالم لأزمة مالية أو سياسية كبيرة.

وتأتي هذه التحركات في وقت تواصل فيه البنوك المركزية تعزيز مكانة الذهب داخل محافظ احتياطاتها، مع استمرار المخاوف المتعلقة بالتضخم وأسعار الفائدة والديون السيادية والصراعات الجيوسياسية. وتظهر استطلاعات مجلس الذهب العالمي أن الذهب أصبح يحظى بأهمية متزايدة باعتباره أداة للتحوط وتنويع الاحتياطات والحفاظ على القيمة في أوقات الأزمات.

لندن تستقبل الذهب الهولندي

أبرز التحركات الأخيرة جاءت من هولندا، إذ أعلن البنك المركزي الهولندي، "دي نيدرلاندشه بنك"، نقل نحو 86 طناً من الذهب من نيويورك وأوتاوا إلى لندن خلال الفترة الممتدة من مارس (آذار) إلى أغسطس (آب) الماضيين.

وقال البنك إن القرار يأتي في إطار تعزيز الاستعداد للأزمات، في ضوء ما وصفه بـ"الاضطرابات الجيوسياسية المتزايدة"، إضافة إلى تحسين سيولة احتياطات الذهب الهولندية وقابليتها للتداول.

وكانت الولايات المتحدة وكندا تحتفظان قبل العملية بنحو 313 طناً من الذهب الهولندي مجتمعتين، وبموجب عملية إعادة التوزيع، ارتفعت حصة لندن من احتياطات الذهب الهولندية من 18.1 في المئة إلى 32.1 في المئة، لتصبح أكبر موقع خارجي لتخزين الذهب الهولندي.

وفي المقابل، تراجعت حصة نيويورك من 31.3 في المئة إلى 18.5 في المئة، وانخفضت حصة أوتاوا من 19.7 في المئة إلى 18.5 في المئة.

ولا يعني ذلك أن هولندا سحبت ذهبها بالكامل من أميركا الشمالية، إذ لا تزال نيويورك وأوتاوا تحتفظان بجزء مهم من الاحتياطات، لكن القرار يعكس توجهاً نحو توزيع أكثر توازناً بين الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة والأراضي الهولندية.

ويبلغ إجمال احتياطات هولندا من الذهب 612.4 طن، وقدرت قيمتها بنحو 72.2 مليار يورو بنهاية عام 2025، وفق بيانات البنك المركزي الهولندي.

وقال محافظ البنك المركزي الهولندي أولاف سلييبن إن العملية تهدف إلى تعزيز قدرة البنك على استخدام احتياطاته عند الضرورة، مؤكداً أن المؤسسة لا تتوقع الحاجة إلى استخدام الذهب، لكنها ترى ضرورة لتعزيز الجاهزية والمرونة في مواجهة الأزمات.

الذهب لم يسافر كله

ومن اللافت أن عملية نقل الاحتياطات الهولندية لم تعتمد بالكامل على نقل سبائك الذهب بالطائرات والسفن، فقد استخدم البنك المركزي الهولندي مزيجاً من العمليات المالية والنقل المادي. وبحسب التفاصيل المعلنة، جرى بيع نحو 59 طناً من الذهب الموجود في نيويورك وشراء كمية مماثلة في لندن.

أما أكثر من 27 طناً، فقد نُقلت فعلياً من الولايات المتحدة وكندا إلى مركز البنك المركزي الهولندي في مدينة زيست، قبل إرسال كمية مماثلة من هناك إلى لندن.

ويسمح هذا النظام بتجنب الحاجة إلى صهر السبائك وإعادة تصنيعها بالكامل، ويقلل من الأخطار المرتبطة بالنقل المادي لكميات ضخمة من المعدن النفيس.

ويرتبط اختيار لندن بأهمية المدينة في سوق الذهب العالمية، فالعاصمة البريطانية تعد أحد أكبر المراكز الدولية لتجارة الذهب المادي، والاحتفاظ بالسبائك في خزائن تلبي المعايير المعترف بها عالمياً يجعلها أكثر سهولة في التداول والاستخدام.

ويحتفظ بنك إنجلترا (البنك المركزي البريطاني) بدور محوري في هذا النظام، إذ يعد من أهم المؤسسات العالمية التي تقدم خدمات حفظ الذهب للبنوك المركزية والمؤسسات المالية.

وتظهر نتائج استطلاعات مجلس الذهب العالمي أن بنك إنجلترا ظل موقع التخزين الخارجي الأكثر شعبية لدى البنوك المركزية المشاركة في الاستطلاعات.

فرنسا... السبب ليس سياسياً

لكن التجربة الفرنسية تختلف عن الحالة الهولندية، ففرنسا نقلت جزءاً من ذهبها الموجود في نيويورك إلى أوروبا، إلا أن الدافع المعلن لم يكن التوترات الجيوسياسية أو المخاوف من الاحتفاظ بالاحتياطات خارج البلاد.

ووفقاً لـ"إيكونوميك تايمز" بحسب المعلومات المتعلقة بالعملية، فإن نحو 129 طناً من الذهب الفرنسي المخزن في نيويورك لم تكن تتوافق مع معيار النقاء البالغ 99.99 في المئة المطلوب لبعض التعاملات في سوق الذهب الدولية.

وبدلاً من نقل السبائك وصهرها وإعادة تشكيلها، باعت فرنسا الذهب واشترت كمية معادلة منه في أوروبا تتوافق مع المعايير المطلوبة.

وأسفرت العملية عن تحقيق مكسب رأسمالي استثنائي بلغ 11 مليار يورو (12.7 مليار دولار) في عام 2025، بحسب البيانات المتعلقة بالبنك المركزي الفرنسي.

ولم تتغير كمية الذهب الإجمالية التي تمتلكها فرنسا، التي تبلغ نحو 2437 طناً، لكن العملية غيرت طبيعة وموقع جزء من الاحتياط.

ويقول البنك المركزي الفرنسي إنه يعمل منذ عام 2005 على مواءمة احتياطاته مع المعايير المعتمدة في الأسواق العالمية.

وهذا يوضح أن انتقال الذهب بين الخزائن لا يحمل دائماً رسالة سياسية، ففي بعض الحالات، قد تكون المسألة مرتبطة بالمعايير الفنية، أو بسهولة التداول، أو بكفاءة إدارة الأصول.

الهند تعيد الذهب إلى الداخل

على الجانب الآخر من العالم، تظهر الهند نموذجاً مختلفاً تماماً، فأحدث البيانات الصادرة عن بنك الاحتياط الهندي تشير إلى أن حصة كبيرة من الذهب أصبحت مخزنة داخل البلاد.

وبلغ إجمال احتياطات البنك من الذهب 880.52 طن حتى الـ31 من مارس الماضي، ومن هذا الإجمالي، كان 312.32 طن محفوظاً داخل الهند كغطاء للأوراق النقدية، فيما احتفظت إدارة الخدمات المصرفية التابعة للبنك بنحو 367.73 طن إضافية داخل البلاد.

وبذلك يصل إجمال الذهب المخزن محلياً إلى نحو 680.05 طن، أي ما يقارب 77 في المئة من إجمال الاحتياطات، أما كمية الذهب المخزنة في الخارج فبلغت 200.47 طن.

وتكشف المقارنة مع بيانات مارس 2025 عن تحول كبير، إذ كانت الهند تحتفظ آنذاك بنحو 511.98 طن داخل البلاد و367.60 طن في الخارج.

وهذا يعني أن كمية الذهب المخزن محلياً ارتفعت بنحو 168 طناً خلال عام واحد، بينما لم ترتفع الاحتياطات الإجمالية إلا بصورة محدودة للغاية.

لكن بنك الاحتياط الهندي لم يقدم تفسيراً رسمياً مباشراً لهذا التحول، واكتفى التقرير السنوي بعرض مواقع الاحتياطات.

وبذلك تختلف الاستراتيجية الهندية عن هولندا، فبينما فضلت أمستردام زيادة حصة الذهب المخزن في لندن للاستفادة من السيولة والقدرة على التداول السريع، تظهر البيانات الهندية توجهاً نحو الاحتفاظ بنسبة أكبر من المعدن داخل الأراضي الوطنية.

ألمانيا سبقت الجميع

ليست هذه المرة الأولى التي تعيد فيها دولة كبرى النظر في مواقع احتياطاتها، فألمانيا نفذت خلال العقد الماضي أحد أكبر برامج إعادة الذهب إلى الأراضي الوطنية.

ونقل البنك المركزي الألماني، "بوندسبنك"، 300 طن من الذهب من نيويورك و374 طناً من باريس إلى فرانكفورت بين عامي 2013 و2017.

وكان الهدف من البرنامج زيادة نسبة الذهب المحفوظ داخل ألمانيا إلى نحو نصف إجمال الاحتياط.

وبعد انتهاء العملية، أصبحت ألمانيا تحتفظ بنحو 1710 أطنان في فرانكفورت، و1236 طناً في نيويورك، ونحو 432 طناً في لندن.

وقال البنك المركزي الألماني إنه فحص السبائك التي وصلت إلى فرانكفورت، ولم يعثر على أي مشكلات تتعلق بالأصالة أو النقاء أو الوزن.

وتعد ألمانيا من أكبر حائزي الذهب في العالم، ولذلك فإن قراراتها المتعلقة بمواقع التخزين تحظى باهتمام كبير في الأسواق.

غير أن برلين لم تتجه حتى الآن إلى سحب كامل احتياطاتها من الولايات المتحدة، إذ لا تزال نيويورك موقعاً مهماً لتخزين جزء من الذهب الألماني.

لماذا يهم مكان تخزين الذهب؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن مكان تخزين الذهب مسألة لوجيستية، ما دام المعدن نفسه محفوظاً بأمان، لكن بالنسبة إلى البنوك المركزية، فإن الموقع يمكن أن يكون عاملاً اقتصادياً واستراتيجياً مهماً.

الذهب المخزن في مركز مالي عالمي يمكن تداوله أو استخدامه كضمان أو إقراضه بسرعة أكبر، ووجوده في مركز يتمتع ببنية تحتية مالية متطورة قد يسهل عمليات التسوية والتعامل مع المؤسسات المالية الأخرى.

في المقابل، يمنح التخزين المحلي الدولة سيطرة مباشرة على أصولها.

لكن هذا الخيار ليس مجانياً، فالدول تحتاج إلى استثمار أموال ضخمة في الخزائن والحماية والتأمين وأنظمة التدقيق.

وتشير بيانات مجلس الذهب العالمي إلى أن أنماط التخزين نفسها بدأت تتغير. ففي استطلاع عام 2025، قال 59 في المئة من البنوك المركزية المشاركة إنها تحتفظ بجزء من ذهبها داخل بلدانها، مقارنة بـ41 في المئة في العام السابق.

لكن استطلاع عام 2026 أظهر أيضاً زيادة الاهتمام بتنويع مواقع التخزين الخارجية، إلى جانب التخزين المحلي، مما يشير إلى أن البنوك المركزية لا تتجه إلى استراتيجية واحدة، بل تسعى إلى توزيع الأخطار بين مواقع عدة.

عصر جديد لإدارة الاحتياطات

لا تنفصل حركة الذهب بين الخزائن عن الاتجاه الأوسع في الأسواق العالمية، فالبنوك المركزية واصلت شراء الذهب بكميات كبيرة خلال الأعوام الأخيرة.

ويشير مجلس الذهب العالمي إلى أن البنوك المركزية راكمت في المتوسط نحو ألف طن سنوياً خلال الأعوام الأربعة الأخيرة، مقارنة بنحو 500 طن سنوياً خلال العقد السابق.

ويعكس هذا التحول مجموعة من المخاوف، تشمل التضخم وتقلبات أسعار الفائدة وتزايد الديون الحكومية والصراعات التجارية والجيوسياسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي استطلاع مجلس الذهب العالمي لعام 2025، قال 95 في المئة من المشاركين إنهم يتوقعون ارتفاع إجمالي احتياطات البنوك المركزية العالمية من الذهب، بينما توقع 43 في المئة زيادة احتياطات مؤسساتهم نفسها خلال الأشهر الـ12 التالية.

وأصبحت إدارة الذهب أكثر نشاطاً، فقد ارتفعت نسبة البنوك المركزية التي قالت إنها تدير احتياطاتها الذهبية بصورة نشطة إلى 44 في المئة عام 2025، مقارنة بـ37 في المئة عام 2024، لكن اللافت هو تزايد أهمية إدارة الأخطار في هذه القرارات، فالذهب يؤدي دوراً مختلفاً عن السندات والعملات الأجنبية، فهو لا يرتبط مباشرة بالسياسات النقدية لدولة واحدة، ولا يحتاج إلى قدرة جهة حكومية أو شركة على الوفاء بالتزاماتها.

ولهذا يزداد الاهتمام به عندما ترتفع الأخطار المتعلقة بالنظام المالي أو العلاقات الدولية.

لندن ونيويورك والخزائن الوطنية

تكشف التحركات الأخيرة أن البنوك المركزية لا تتفق على عنوان واحد مناسب للذهب، فهولندا اختارت زيادة حصة لندن بسبب سهولة التداول والاستعداد للأزمات، وفرنسا أعادت ترتيب سبائكها وفق معايير السوق، وألمانيا عززت الاحتفاظ بالذهب في فرانكفورت، بينما تشير البيانات إلى أن الهند أصبحت تخزن القسم الأكبر من احتياطاتها داخل البلاد، والبنوك المركزية أصبحت أكثر ميلاً إلى توزيع الأخطار بدلاً من وضع كل احتياطاتها في موقع واحد.

وتزداد أهمية هذا النهج في عالم يشهد اضطرابات متلاحقة، من الحروب والصراعات التجارية إلى العقوبات الاقتصادية وتجميد الأصول.

الذهب يعود إلى قلب السياسة الاقتصادية

قد تبدو حركة 86 طناً من الذهب الهولندي إلى لندن تفصيلاً تقنياً، لكنها تعكس تحولاً أكبر في تفكير المؤسسات المالية، فالبنوك المركزية لم تعد تسأل فقط: كم نملك من الذهب؟

والسؤال الجديد أصبح: أين نحتفظ به؟ وهل يمكن الوصول إليه بسرعة؟ وهل يمكن تداوله فوراً؟ وهل موقعه الحالي مناسب للأزمات المحتملة؟

وتؤكد هذه الأسئلة أن الذهب يستعيد مكانته كأصل استراتيجي في عالم يتسم بعدم اليقين، فبينما تتغير العملات وأسعار الفائدة والسياسات الحكومية، يبقى المعدن الأصفر أحد الأصول القليلة التي تنظر إليها البنوك المركزية باعتبارها مخزناً طويل الأجل للقيمة وأداة لتنويع الأخطار.

وتشير استطلاعات مجلس الذهب العالمي إلى أن أداء الذهب خلال الأزمات، وقدرته على الحفاظ على القيمة وتنويع المحافظ، لا يزالان من أهم أسباب احتفاظ البنوك المركزية به.

ولهذا، فإن انتقال الذهب بين نيويورك ولندن وباريس وفرانكفورت ومومباي لا يتعلق فقط بالخزائن، بل يعكس إعادة رسم خريطة الثقة المالية العالمية.

وفي وقت تتزايد فيه الأخطار السياسية والاقتصادية، يبدو أن البنوك المركزية لا تريد فقط امتلاك الذهب، بل تريد أيضاً التأكد من أن ذهبها موجود في المكان الذي تستطيع استخدامه فيه عندما تحتاج إليه.

اقرأ المزيد

المزيد من أسهم وبورصة