ملخص
تزامن إطلاق خمسة محتجزين لبنانيين وسوريين مع إعلان إسرائيل السيطرة على مرتفعات "علي الطاهر" وتحريك ملف رفات اليهود اللبنانيين، بعد استعادة رفات يهودا كاتس. وتقرأ مصادر مواكبة هذا الترابط بوصفه بداية تنفيذ لاتفاق الإطار واقتراباً من نهاية الحرب، فيما يرى محللون أن الحسم العسكري للتلة يكشف خطأ "حزب الله" في رفض تسليمها للدولة، لكنه لا يعفي إسرائيل من الانسحاب وإقفال ملف جميع الأسرى.
تلقت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل جرعة دعم نوعية، بعدما أمضت سبع جولات تحت وطأة الاتهامات بالعجز والتحذيرات من سقوط اتفاق الإطار. فمع جمود السياسة وتصاعد التوتر الميداني، شاعت تقديرات بأن سبتمبر (أيلول) سيكون شهراً دموياً، وأن تعثر المناطق التجريبية قد يمهد لانهيار التفاوض واندلاع "حرب ثالثة" يدفع اللبنانيون، لا سيما أبناء الجنوب، كلفتها الكبرى.
لكن اجتماع الأول من سبتمبر بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والسفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى، بحضور السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي، فتح ثغرة ملموسة في جدار الجمود. فبعد يومين فحسب، بدأ تنفيذ تفاهم يقضي بإطلاق خمسة محتجزين لبنانيين وسوريين، تزامناً مع إعلان إسرائيل "سقوط" مرتفعات علي الطاهر وإحكام السيطرة العملياتية عليها فوق الأرض وتحتها. وقبل ذلك بأيام، كانت تل أبيب قد أعلنت استعادة رفات يهودا كاتس، آخر مفقودي معركة السلطان يعقوب، بينما أعادت المفاوضات فتح ملف أفراد الطائفة اليهودية اللبنانية الذين خطفوا وقتلوا خلال الحرب الأهلية.
هكذا اجتمعت، في مشهد سياسي وأمني واحد، ثلاثة ملفات بدت ظاهرياً منفصلة: الأرض والأسرى والرفات. وهذا التزامن لا يثبت وجود صفقة سرية واحدة تشملها جميعاً، لكنه يكشف عن أن ما كان يظهر في العلن على شكل أحداث متفرقة هو، في الواقع، أجزاء من مسار تفاوضي مترابط تديره واشنطن بين بيروت وتل أبيب: منشآت عسكرية تجري معالجتها، ومحتجزون يبدأ الإفراج عنهم، ومواقع رفات تخضع للبحث، ومناطق يفترض أن تنتقل إلى الجيش اللبناني، وانسحاب إسرائيلي يجري التفاوض على مراحله وضماناته.
وليست هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها إسرائيل عن الاقتراب من حسم مرتفعات علي الطاهر، لكن توقيت إعلان "السيطرة العملياتية" منح الحدث هذه المرة بعداً يتجاوز الإنجاز العسكري، فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وخصوصاً عشية الانتخابات، لا تستطيع المجازفة بإعلان واسع يمكن تكذيبه ميدانياً، مما يرجح أن البيان عكس إلى حد بعيد حقيقة التحول الذي طرأ داخل التلة، وإن كانت عمليات "التطهير والتحييد" لم تنته تماماً.
وجاء الحسم بعد حصار منهجي استمر أسابيع، واستخدمت فيه إسرائيل الغارات الجوية والقصف المدفعي المتواصل والمسيرات وروبوتات الاستطلاع، إلى جانب توغلات نفذتها وحدات كوماندوز بهدف جمع المعلومات والعمل داخل المنشأة مع تقليص احتمالات سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش الإسرائيلي. ومع قطع مسارات المياه والطعام والذخيرة ومراقبة المداخل، تحول بقاء المحاصرين داخل الأنفاق إلى مسألة وقت، ولم يعد السؤال ما إذا كانت المنشأة ستسقط، بل متى وكيف.
وتشير المعطيات المتقاطعة إلى مقتل بعض من بقوا داخل الشبكة الجوفية وخروج آخرين، في تحول لافت بعدما كانت الرواية السابقة تتحدث عن إحكام الحصار ومنع جميع الموجودين من الفرار. وقد يكون السماح بخروج قسم منهم جزءاً من تسوية ميدانية غير معلنة، أو خطوة هدفت إلى تجنب معركة اقتحام مكلفة، تمهيداً لإقفال الملف وتهيئة الموقع لجولة تفاوضية جديدة واحتمال تسليمه لاحقاً إلى الجيش اللبناني ضمن مشروع المناطق التجريبية.
وهنا تبرز المفارقة السياسية الأقسى: "حزب الله" رفض تسليم "علي الطاهر" إلى الدولة اللبنانية، مفضلاً الاحتفاظ بمنشأته العسكرية تحت الأرض، لكنه انتهى إلى خسارتها تحت الحصار والنيران الإسرائيلية. وبدلاً من أن تتسلمها الشرعية اللبنانية من الحزب ضمن تفاهم داخلي يحفظ الأرض ويعزز سلطة الجيش، أصبحت إسرائيل هي الطرف الذي قد يسلم الموقع إلى الجيش بعد دخول منشآته وكشفها وتجريدها من قيمتها العسكرية. وكان هذا الخيار خطأ سياسياً وعسكرياً من الحزب، لأن التسليم للدولة كان أفضل له وللشرعية ولعلاقته ببقية المكونات اللبنانية.
ويكشف توقيت الإعلان عن محاولة إنتاج توازن بين إنجازين متوازيين: إسرائيل حصلت، وفق قاموسها العسكري، على منشأة استراتيجية أساسية لـ"حزب الله"، فيما حصلت الدولة اللبنانية والمفاوضات والسفير الأميركي ميشال عيسى على إطلاق مدنيين غير مرتبطين بالحزب. وهذا التوازن يتيح للطرفين العودة إلى مفاوضات روما من دون أن يظهر أي منهما في موقع المتراجع، ويعزز احتمال تثبيت موعد جديد بين الـ14 والـ16 من سبتمبر، مع إعادة البحث في "المناطق التجريبية" ومستقبل "علي الطاهر" بعد انتهاء عمليات التفجير.
At the request of the relevant parties, we facilitated the transfer of five individuals released from Israeli detention to Lebanon.
— ICRC (@ICRC) September 4, 2026
One individual was transferred on Thursday, and four others on Friday, with full respect for the safety and dignity of the individuals involved.… pic.twitter.com/FUNkRa5azO
مواكبة رئاسية
ويذهب مصدر مقرب من الرئيس الجمهورية جوزاف عون ومواكب للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، إلى أبعد في قراءة هذا التزامن، معتبراً أن "جمع سقوط 'علي الطاهر' مع تحريك ملف الرفات وبدء إطلاق المحتجزين ليس ترتيباً إعلامياً أو مصادفة في التوقيت، بل مؤشر سياسي وميداني إلى أن الحرب دخلت مرحلة الاقتراب من نهايتها".
فلم تكن "علي الطاهر" مجرد تلة أو منشأة عسكرية، بل تحولت إلى العقدة الأخطر القادرة على إسقاط المفاوضات وإشعال "الحرب الثالثة" التي هول بها على اللبنانيين. ومن هنا، فإن حسمها عبر الحصار والاستنزاف، من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة، يعني عملياً سحب أحد أخطر فتائل الحرب وإزالة عقبة كانت قادرة على نسف المسار السياسي برمته.
ويرى المصدر أن بدء معالجة ملف رفات الإسرائيليين بالتوازي مع إطلاق المحتجزين والبحث في مستقبل "علي الطاهر" يؤكد أن "اتفاق الإطار" لم يسقط كما حاول خصومه الإيحاء، بل بدأ ينتقل تدريجاً من النصوص إلى التنفيذ. فما يظهر في العلن على شكل خطوات منفصلة هو، وفق قراءة المتحدث ذاته، حلقات في عملية واحدة: رفات يجري البحث عنه، وأسرى يعودون، ومنشآت عسكرية تعالج، ومناطق يفترض أن تنتقل إلى سلطة الجيش، وانسحاب إسرائيلي يجري التفاوض على مراحله والضمانات المطلوبة لتنفيذه.
في هذا السياق، يكشف المصدر أن عون بذل خلال الأشهر الماضية جهداً كبيراً لإبقاء "اتفاق الإطار" حياً، على رغم الانتقادات الداخلية والضغوط الخارجية والمحاولات المتكررة لتصويره على أنه سقط أو فشل أو فقد قيمته بعد تعثر تنفيذ المناطق التجريبية واستمرار العمليات الإسرائيلية. ورفض عون التعامل مع التعثر باعتباره نهاية للمسار، وتمسك بالمفاوضات حين كان بعض الأطراف يدفع نحو إعلان فشلها، انطلاقاً من اقتناعه بأن البديل من التفاوض ليس اتفاقاً أفضل، بل حرب جديدة يدفع اللبنانيون أثمانها من أرواحهم ومنازلهم ومستقبلهم.
وبحسب المصدر، أدى السفير عيسى دوراً أساساً في حماية هذا المسار، من خلال تنسيق مباشر ودائم مع الرئيس اللبناني والإدارة الأميركية، فقد تحول إلى حلقة وصل سياسية فاعلة بين بعبدا وواشنطن وتل أبيب، ونقل الهواجس والمطالب اللبنانية، وساعد في ترتيب خطوات حالت دون سقوط الاتفاق تحت ضغط الميدان.
ولم يقتصر التنسيق بين الرئاسة والسفير الأميركي على إطلاق المحتجزين أو تحديد موعد جولة تفاوضية جديدة، بل شمل ترتيب الأولويات اللبنانية الداخلية، ودعم دور الجيش، وتوسيع سلطة الدولة، والبحث في آليات تسلم المناطق التي تنسحب منها إسرائيل. وكان عون، وفق المعلومات، على اطلاع مسبق بجدول لقاء عيسى ونتنياهو، وأصر على أن يتحول ملف الأسرى إلى إنجاز سياسي وإنساني للدولة اللبنانية، لا إلى ورقة جديدة تحتكرها القوى المسلحة.
وما ظهر بعد لقاء عيسى ونتنياهو ليس، بحسب المصدر، إلا أول نتائج هذا التنسيق، فالإفراج عن المحتجزين، وتحريك ملف الرفات، وفتح النقاش حول تسليم علي الطاهر، كلها إشارات إلى أن القناة السياسية لم تكن معطلة، حتى عندما بدا المسار في العلن جامداً. وبذلك يكون رئيس الجمهورية قد نجح، من خلال التمسك بالتفاوض والعمل الهادئ مع واشنطن، في إنقاذ اتفاق سارع كثر إلى إعلان وفاته قبل أن تبدأ نتائجه بالظهور.
ويشدد المصدر على أن اتفاق الإطار أصبح بالنسبة إلى عون خياراً استراتيجياً لا عودة عنه، لأنه يمثل الطريق الوحيد المتاح للانتقال من وقف هش للحرب إلى استقرار قابل للحياة. فالهدف لا يقتصر على معالجة ملفات الأسرى والرفات أو استعادة تلة وقرية، بل الوصول تدريجاً إلى حصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، وانسحاب إسرائيل، وعودة النازحين، وإطلاق إعادة الإعمار، ثم بناء ترتيبات أمنية ثابتة تمنع تجدد الحرب.
أعرب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون عن شكره لكل المساعي والجهود التي بذلت، لا سيما من جانب الولايات المتحدة الاميركية بقيادة رئيسها دونالد ترامب، والجهات الدولية، وفي مقدمها الصليب الأحمر الدولي، والتي أدت اليوم الى تحرير الدفعة الأولى من المحتجزين اللبنانيين من قبل الحكومة…
— Lebanese Presidency (@LBpresidency) September 4, 2026
خمسة أسرى
بدأ التنفيذ بالشاب، مالك كمال غازي، البالغ نحو 20 سنة، الذي فقد في "عين عطا – راشيا" في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 بعد خروجه لممارسة الرياضة. وأطلق عند الثانية والنصف من بعد ظهر أمس الخميس، وتسلمه "الصليب الأحمر" عبر الناقورة قبل نقله بمواكبة الجيش إلى صور، وهو الأول من بين خمسة أطلقت سراحهم إسرائيل.
أما الأربعة الباقون فهم علي شور وحسين عياش وأسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي. وتقول مصادر لبنانية إن بينهم لبنانيين وسوريين اثنين، بينما وصفهم مكتب نتنياهو جميعاً بأنهم "مواطنون لبنانيون".
وأعلنت "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" اليوم الجمعة أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص إضافيين أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني. وقالت المنظمة الدولية في بيان "بناءً على طلب الأطراف المعنيين، سهلت اللجنة الدولية للصليب الأحمر نقل خمسة أشخاص أفرج عنهم إلى لبنان"، موضحة أنه "تم نقل شخص واحد الخميس وأربعة آخرين الجمعة".
وكان مقرراً تسليم الأربعة مساء الخميس، قبل إرجاء العملية إلى صباح الجمعة، فيما أثار غياب أسمائهم عن بعض اللوائح اللبنانية تساؤلات حول العدد الفعلي للمحتجزين. وبعد تسلم غازي خضع للفحوص الطبية والإجراءات الأمنية المعتادة قبل عودته إلى عائلته، في مشهد أرادت بيروت تكريسه دليلاً على أن القناة الدبلوماسية بدأت تنتج نتائج قابلة للقياس.
ولا يقفل الإفراج الملف، إذ تتحدث جهات لبنانية عن 34 محتجزاً موثقاً و67 مفقوداً منذ حرب 2024. وفي يوم الإفراج نفسه، دخلت قوة إسرائيلية قرية حلتا واحتجزت ثلاثة أشخاص.
وأقر مكتب نتنياهو بأن التحقيق أظهر أن الخمسة المفرج عنهم لا ينتمون إلى تنظيم مسلح و"لم يشاركوا في أعمال إرهابية"، بما يجعل إطلاقهم واجباً قانونياً قبل أن يكون "بادرة حسن نية".
لكن إسرائيل ربطت الخطوة بالجهد المبذول لتحديد أماكن جثامين قادة وأفراد من الطائفة اليهودية اللبنانية. ونقلت "إسرائيل هيوم" أن بيروت تسلمت خرائط وصوراً لمقابر ومواقع محتملة في بيروت وصيدا. وتستند العملية إلى البند الـ13 من اتفاق الإطار الثلاثي الموقع في الـ26 من يونيو (حزيران) 2026، الذي ينص على البحث عن الرفات وإطلاق المحتجزين، بعد التطبيق الجزئي للمناطق التجريبية في قرى، فرون وصريفا وزوطر الغربية.
وكان ملف الأسرى محوراً في جولة المفاوضات السابعة في روما، التي جرت بين الرابع والسادس من أغسطس (آب) الماضي، ضمن مسارين: أسرى الحرب وفق القانون الدولي، وتبادل معلومات المفقودين والمحتجزين.
وأعادت تل أبيب، في المقابل، فتح ملف رون أراد ومفقودي الطائفة اليهودية. وتتحدث مصادر إسرائيلية عن 12 شخصاً، فيما تشير وثائق تاريخية إلى خطف 11 يهودياً بين عامي 1984 و1986 وإعلان قتل تسعة منهم، مع العثور على أربع جثامين فقط. ومن أبرز المفقودين سليم مراد جاموس، وإيلي حلاق، وإيلي سرور، وإسحق ساسون، ويهودا ويوسف بنستي، وهنري مان.
وتبنت "منظمة المستضعفين في الأرض" عدداً من العمليات، فيما ربطتها تقديرات أمنية بخلايا من البيئة التي نشأ فيها "حزب الله"، من دون أحكام قضائية تحسم المسؤولية في جميع الحالات.
إحياء المفاوضات
وضعت الخارجية الأميركية توقيعها السياسي على الإفراج، واصفة إياه بنتيجة وساطة بين "حكومتين شرعيتين"، فيما نقل "أكسيوس" أن الملف طرح في روما. وبذلك كرس عيسى مهمته المزدوجة: سفير في بيروت، وقناة تفاوضية بالتنسيق مع نظيره في تل أبيب مايك هاكابي، والرئاسة اللبنانية.
ويجري التداول في الفترة بين الـ14 والـ16 من سبتمبر، موعداً للجولة الثامنة، عشية مؤتمر باريس في الـ17 منه لدعم الجيش وقوى الأمن.
ويتولى الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد الشق العسكري على رأس مجموعة التنسيق الخاصة بلبنان، لكن الجهة التي ستراقب التنفيذ لم تحسم بعد، مع توقف عمليات "اليونيفيل" نهاية 2026 وبدء انسحابها خلال 2027.
ويقوم التصور الأميركي النهائي على الانتقال إلى تنسيق مباشر بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي، لكن الأرضية غير ناضجة، إذ يرفض لبنان ذلك في ظل الاحتلال وغياب اتفاق أمني، وإسرائيل ترفض الانسحاب وتوسيع المناطق التجريبية قبل خطوات قابلة للقياس في تفكيك بنى الحزب وحصر السلاح.
"علي الطاهر"
أعلن الجيش الإسرائيلي أن الفرقة 36 استكملت "تطهير" مسارين جوفيين، وعثرت على غرف قيادة ومستودعات ومولدات وأماكن إقامة ومطبخ داخل منشأة، قال إن إيران بنتها خلال نحو 20 عاماً واستخدمتها وحدة "بدر".
جيش الدفاع استكمل تطهير البنى التحتية تحت الأرض التابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر ويعمل على تحييدها
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) September 3, 2026
عملت قوات الفرقة 36 خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر الواقعة ضمن المنطقة الأمنية. وحققت القوات سيطرة عملياتية على منطقة المرتفعات… pic.twitter.com/LtZUR6CqxX
وتشير معطيات نشرتها "اندبندنت عربية" إلى 12 مدخلاً معروفاً، ومجمع يقع على عمق نحو 40 متراً من قاعدة الجبل، مع احتمالات اتصاله بجبل الريحان واحتوائه صواريخ بعيدة المدى وربما باليستية، وامتداد الشبكات نحو مناطق جزين والبقاع الغربي.
وترتفع التلة نحو 600 متر، وتبعد بين 12 و15 كيلومتراً من الحدود، وتشرف على النبطية والليطاني وإقليم التفاح، مما يجعل السيطرة عليها قطعاً لشريان لوجيستي بين البقاع والجنوب.
لكن مصادر أمنية تقول إنها سقطت عسكرياً قبل أسابيع، وإن إعلان الثالث من سبتمبر كان لحظة استثمار للحسم، فقد سبق أن قال نتنياهو إن إسرائيل نفذت "عملية بالغة الأهمية" وستعلن تفاصيلها لاحقاً، ثم احتفظت تل أبيب بصورة النصر حتى نضج توقيت إطلاق الأسرى وتحريك ملف الرفات وزيارة عيسى.
وتفيد معلومات سكان ومصادر أمنية بأن الحزب بدأ، منذ ثمانية أو تسعة أسابيع، إنشاء خط دفاع ثانٍ في جبل صافي وجبل الريحان وإقليم التفاح وبعض قرى قضاء جزين المشرفة على الجنوب والبقاع الغربي. ويشمل ذلك منشآت وتجمعات للمقاتلين وبنى عسكرية، مما يدل على أن قيادة الحزب كانت تتوقع خسارة "علي الطاهر" وتستعد للانسحاب منها، فيما خاض المحاصرون دفاعاً مستميتاً وصفه بعض قادة الحزب بـ"المنطق الكربلائي".
ونقلت مصادر أميركية أن عيسى طلب من نتنياهو تسليم التلة إلى الدولة اللبنانية، لكن الأمر اصطدم برفض إيراني عبر الحزب، فدخلتها إسرائيل لتجريدها من قيمتها العسكرية. وسبق الحسم تحذير إيراني عبر سلطنة عمان من رد واسع، مع معلومات عن وجود أكثر من 12 عنصراً من "الحرس الثوري"، بينهم ضابطان رفيعان. ونفى البيت الأبيض ممارسة ضغط لتأجيل الاقتحام، ولم يظهر دليل على وجود إيرانيين عند دخول الأنفاق.
دولة وميليشيا
يقدم مصدر أميركي الصورة كمواجهة بين نموذجين، الأول يقرر فيه "حزب الله" الحرب ويعرض اللبنانيين، وخصوصاً بيئته الشيعية، للموت والأسر والنزوح، ثم يترك للدولة استعادتهم وإعمار قراهم بالدبلوماسية. وينتقد المصدر الأمين العام للحزب، نعيم قاسم الذي، بحسبه، يحمي القيادة فيما يعرض الآخرين للخطر، أما في النموذج الثاني فتستخدم الدولة اللبنانية الوساطة الأميركية لتحقيق الانسحاب وعودة النازحين والأسرى وحصر السلاح بالجيش.
في عامي 2004 و2008 احتكر الحزب صفقات الأسرى والرفات وكرس سردية أن السلاح وحده يحررهم، ففي صفقة 2004 أطلقت إسرائيل مئات الأسرى في مقابل رجل إسرائيلي وجثامين جنود، ثم أعاد الحزب عام 2008 جثماني إيهود غولدفاسر وإلداد ريغيف في مقابل خمسة أسرى لبنانيين ونحو 199 جثماناً.
أما اليوم فتمر العملية عبر الرئاسة والحكومة والجيش والفريق المفاوض والوسيط الأميركي والصليب الأحمر. وتحاول الدولة انتزاع الملف من منطق المقايضات المسلحة وإعادته إلى المؤسسات والقانون والتفاوض بين الحكومات.
ممثلو الأسرى
يقول الأكاديمي والأسير المحرر، نبيه عواضة، إن "هيئة ممثلي الأسرى" والجهات اللبنانية توثق 36 أسيراً لبنانياً على قيد الحياة بإسرائيل، فيما أعلنت تل أبيب عن وجود 33 فقط.
ويوضح أن 21 شخصاً اعتقلوا بعد وقف إطلاق النار في الـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 أثناء عودتهم إلى قراهم، وخضع ستة منهم لمحاكمات إسرائيلية، فيما تصنف تل أبيب ما بين 7 و10 آخرين كعناصر في "قوة الرضوان"، مما يعني أن الغالبية لا تدخل في هذا التصنيف.
مكسب دعائي
يرى الكاتب السياسي راشد فايد أن "إسرائيل لم تخسر شيئاً بإطلاق مدنيين أقرت بعدم انتمائهم إلى تنظيم مسلح، لكنها كسبت صورة خارجية أفضل". ويشير إلى مراجع تتحدث عن نحو 32 معتقلاً لا تتاح لعائلاتهم زيارتهم بسهولة، معتبراً الإفراج تنفيذاً جزئياً لاتفاق الإطار لا مبادرة مستقلة.
وعلى رغم ذلك، يقول فايد إن "لبنان لا يملك ترف مغادرة المسار الأميركي، في ظل اختلال القوى والانكفاء الفرنسي وانشغال ألمانيا وإمساك واشنطن بالملف"، ويرى أن "نتنياهو يلعب على الوقت انتخابياً"، لكنه يسأل أيضاً "ماذا بعد علي الطاهر؟".
فبعد أداء الموقع دوره العسكري، لا يبقى أمام إسرائيل إلا التفاوض أو الدخول في مغامرة أوسع في لبنان والجنوب السوري، لذلك يجب التمسك باتفاق الإطار مع الضغط لوقف الاعتداءات وتحديد الانسحاب.
ويرد فايد على من يتهم المفاوض اللبناني بأنه "حاصر نفسه، وكان يستطيع الذهاب إلى طاولة إسلام آباد أو استخدام الحزب كورقة داخلية"، بأن "الأطراف لم تكن أساساً مستعدة لتنازلات حقيقية، كذلك فإن تحويل السلاح إلى ورقة تفاوض لا يعوض غياب ميزان قوة يسمح للبنان بفرض شروطه، بل قد يمنح إسرائيل ذريعة إضافية للمماطلة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
متاهة تفاوضية
من جهته، يعتبر الباحث السياسي توفيق شومان أن "الإفراج مرحب به إنسانياً لكنه محدود تفاوضياً، لأن الخمسة لم يكونوا على لائحة الأسرى، فيما يبدو المقابل السياسي أكبر مع تكليف لبنان البحث عن رفات اليهود"، ويرى أن "ذلك يخدم نتنياهو انتخابياً"، وأن "البدء بالبند الـ13 يحرف الأولويات عن وقف الاعتداءات وجدول الانسحاب".
ويأخذ شومان على الدولة "عدم إطلاق حوار وطني يحدد قواعد التفاوض وأولوياته ويمنح الوفد غطاءً داخلياً. ونتيجة ذلك، دخل لبنان متاهة تفاوضية: لا يحدد موعد الجولات أو جدولها، بل ينتظر ما ينقله الأميركيون وما تقبله إسرائيل، لذلك لا يقاس النجاح بإطلاق مدنيين فحسب، بل باستعادة الأرض ووقف الاعتداءات وفرض الانسحاب".
ويلفت شومان إلى أن "ربط الإفراج بالرفات يمنح نتنياهو مادة انتخابية في ظل تراجع تأييده، فيما يبقى لبنان متلقياً للمواعيد والعناوين". وبذلك تصبح المشكلة، في رأيه، ليست في مبدأ التفاوض، بل في دخوله من دون مرجعية وطنية موحدة أو قدرة على فرض ترتيب الملفات، مما يسمح لإسرائيل بالبدء بالقضايا التي تخدمها وتأجيل المطالب اللبنانية الأكثر إلحاحاً.
سيادة مستباحة
ترى الأكاديمية والباحثة السياسية حياة الحريري أن تمثيل "حزب الله" شريحة لبنانية يمنحه حق المشاركة في الدولة، "لا حق التحول إلى جيش يقرر الحرب عنها". وتقول إن "قرارات الحكومة الأخيرة حصرت السلاح بالمؤسسات واعتبرت نشاطه العسكري غير قانوني، لكنه رفضها مدعوماً من طهران".
وتستشهد بتواصل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف مع عناصر الحزب في "علي الطاهر"، وبحديث النائب حسن فضل الله عن معادلة تمتد من هرمز إلى باب المندب وصولاً إلى "علي الطاهر"، كدليل على ربط لبنان بالمشروع الإيراني.
وتعتبر الحريري أن "الدولة تحاول استعادة قرارها من قوتين تنتهكان سيادتها بأسلوبين مختلفين: إسرائيل تحتل الجنوب مباشرة، وإيران تستخدم حزباً لبنانياً لمصالحها وتمنح الاحتلال ذرائع إضافية".
وترفض "تبرير سلاح الحزب بضعف الدولة، لأن مصادرة قرارها تكرس هذا الضعف. فالسيادة لا تتجزأ: لا يمكن رفض الاحتلال الإسرائيلي والقبول بأن تقرر طهران متى يحارب لبنان ولمصلحة من. ومن هنا، ليست المعركة دفاعاً عن إسرائيل أو خصومة مذهبية مع إيران، بل معركة استعادة الدولة ومنع استخدام اللبنانيين وقوداً لحروب الآخرين".
وتوسع الحريري المقارنة إلى الإقليم، معتبرة أن "إسرائيل وإيران تستخدمان خطاب الخوف والمظلومية لتبرير إضعاف الدول العربية، فطهران تحرك نفوذها في العراق واليمن ولبنان، وتستهدف دولاً عربية بذريعة وجود قواعد أميركية، فيما تتجنب المواجهة المباشرة التي ترفع شعاراتها ضد إسرائيل".