Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الذات المستلبة في قصص "أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر"

الفلسطينية شيخة حليوى تختبر هويات شخصياتها المأزومة في واقع كابوسي

فرانز كافكا (غيتي)

ملخص

"أقرأ كافكا وكلبتي تحتضر" هي المجموعة القصصية السادسة للكاتبة الفلسطينية شيخة حليوى، (النهضة العربية - بيروت 2026)، وتضم 16 قصة قصيرة، لا تكاد تتجاوز الواحدة منها الصفحتين، وتتطرق إلى الذات المستلبة في عالم عبثي.

قبل الكلام على القصص في هذه المجموعة، يخطر لي أن ألتفت إلى مفهوم في التواصل كشف عنه العالم اللساني الحديث ياكوبسون، عنيت به النمط الإثباتي، وهو سادس أنماط الكلام الذي يسعى فيه المتكلم إلى إثبات وجوده ليس إلا. وليس يعني هذا أن الكاتبة لم تكن تسعى إلى إبلاغ القارئ العربي وغير العربي رسائل بليغة، وصادرة عن ألم الكائن، الماثل في ذات الكاتبة، وهي كذلك، وإنما لأن القالب الذي صاغت به الكاتبة قصصها، في هذه المجموعة، يشي بأن ما وراء النص، والسرد، والمشاهد، يكاد يكون أبعد، وأعمق، وأكثر كثافة، وأكثر إيحاء مما يدل عليه سطح النص. وما اختيار الكاتبة عنوان مجموعتها القصصية مرتبطا بكافكا، أبي الأدب العبثي والسوداوي، سوى دليل على مقصدها في الدلالة على عبثية الحياة التي تحياها الشخصية الراوية العليمة، على امتداد القصص الـ16 المشار إليها.

في قصتها القصيرة التي افتتحت بها الكتاب، تحكي الراوية العليمة بصيغة المتكلم حكاية المرأة العجوز، وكيف أنها تعايش يوميات احتضار كلبتها "مومو" التي أودعها ابنها المهاجر إلى ألمانيا لديها قبيل سفره، بينما راحت تترجم عن الألمانية قصة "تحريات كلب" لفرانز كافكا، وتقرأ لها القصص بالألمانية التي تهواها، مثلما كانت تفعل لما مرض زوجها بالسرطان نفسه. وتروي كيف أنها اتفقت مع ابنها على إعطاء كلبتها العجوز، المنهكة بالمرض، حقنة الموت الرحيم. ولكن يتضح، في ختام القصة، أن هذا الأمر كان مجرد اقتراح من المرأة الراوية نابع من تعبها المتراكم مع السنين، أو أن المرأة دخلت في اختلاط ذهني واضح، ولا سيما بعد اتصالها بنيثان، داعية إياه إلى زيارتها لرؤية كلبتها مومو.

وفي لغة مشدودة، متوترة، ومختزلة إلى الحدود الدنيا التي تستوفي معها شروط القص، وفي واقعية تكاد تكون صحافية، تؤدي الكاتبة غالب قصصها، وتضيف إلى كل منها عنصراً، سواء من شبه عالمها (المكان، الزمان، والشخصيات)، أو من خطاب الراوية فيها، أو تعديل وجهة النظر في القصة لتنقل تركيزاً على جانب من العالم الهامشي كان لا يزال مظللاً أو غير مضاء كفاية.

 القتيلة "الوافدة الجديدة"

ولئن بدت القاصة شيخة حليوى لا تعلي نبرتها النسوية في خطابات شخصياتها، فإنها لا تتوانى عن إثارة بعض القضايا التي كانت لا تزال تؤرق دعاة الإصلاح في مجتمعنا العربي، وعنيت بها قضية مساواة المرأة بالرجل، واحترام حقوقها بالحياة الكريمة والاختيار الحر لعلاقاتها العاطفية، وغيرها من الحقوق الأساسية. دليلنا على ذلك، ما ورد في القصة الثانية التي جعلتها الكاتبة على شكل نص تأملي، يغلب عليه أسلوب الحوار الأحادي، بحيث تنفرد الذات المتكلمة بالسؤال والإجابة في آن واحد.

ويتضح من السياق أن المعنية بالكلام هي المرأة المقتولة على يد أخيها، في ما يسمى بجريمة الشرف، وأن الراوية العليمة التي أخذت بناصية الكلام عنها، وطرحت عليها أسئلة، وأجابت عنها، إنما كانت تقصد إلى تصويب وعي القتيلة، ووعي الأنثى العربية، من خلالها، لما يرتكب بحقها من جرم شنيع باسم تقليد لا يمت إلى الرحمة بأية صلة، ولا يراعي قرابة ولا علاقة بالرحم. وما انتقال خطاب المتكلمة (القتيلة) من صيغة "قتلت أخي" إلى "تقصدين أنه ذبحني؟" (ص:13) سوى إشارة إلى حصول هذا الوعي لدى الأنثى، على ما رغبت الراوية العليمة، ومن ورائها الكاتبة، إذ أفلحت في إعانة هذه الأنثى على أن تفصل في ذهنها بين ذاتها، المضحى بها، وبين الآخر (أخيها) الجلاد المضحي بها. وعندئذ، تتحد الذاتان (الأنثى القتيلة، وذات الراوية)، وتتجسدان في ذات واحدة، متكلمة وشاهدة على مأساتهما، وتقولان: "سأمشي معهم في جنازتي حتى أعرف أين قبري".

لا تكتفي الكاتبة شيخة حليوى بتعديل الخطاب الذي تحمله الشخصية الرئيسة في كل من قصصها، وإنما تعمل أيضاً على تعديل وجهة النظر إلى المكان، الذي يتبدى للقارئ من دون ملامح واقعية، عدا عن ساكنيه الواقعيين، ربما تجنباً للإشارة إلى هذه الأماكن بأسمائها الحالية (بمدينة حيفا، حيث تعيش).

في القصة الثالثة ذات العنوان "zoom in"، تحكي الكاتبة عن مصور عاطل من العمل، منذ ثلاثة أشهر، يعاود تشغيل كاميرته في الشارع المزدحم، مع سياراته، والزمامير، والطوابير، وعلاقته بالشرطة، وبالعاهرات اللاتي يزددن حضوراً في الشارع، في المساء، ويقتربن من أي سائق، باعتباره زبوناً مفترضاً لهن، ويضاعفن من إغرائهن لغاية جذبه إليهن في مغامرة مدفوعة الأجر، وكيف أنهن يرمين نهودهن الاصطناعية، عندما ينقض رجال الشرطة عليهن. وكيف أن المتسولات اللاتي يشبهن بلباسهن المومسات، يتمكن من التواري عن أنظار رجال الشرطة، حالما يشعرن بخطر مداهمة مخابئهن، في زوايا الشوارع بالمدينة.

ديستوبيا ورمزية مخففتان

وفي القصص اللاحقة قدر من الديستوبيا المدينية المخففة، على ما يشهده القارئ في قصة "إزعاج موقت"، وهي تقوم على حبكة بسيطة لا عقدة ظاهرة فيها، وإنما مسار من الأحداث الداخلية التي لا تتصل مباشرة بحياة الشخصيات المعنية بالقصة، وهم ثلاثة من التجار الصغار البائعين، في المدينة، وقد حول خط القطار إلى شارعهم، فعطل أعمالهم، وكاد يقضي على رزقهم. ولما اشتكى هؤلاء للسلطة ما أصابهم من تحويل سير القطار، اقترحت عليهم السلطات إعطاءهم بطاقات مجانية للسفر على متنه، مدة سنة كاملة. ولكن واحداً من هؤلاء الثلاثة قرر الاعتراض على طريقته، فعمد إلى ركوب القطار، النهار كله، جيئة وذهاباً، والتلويح بيده "لحياته الواقفة عند باب محله المغلق"، (ص:25).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما قصة "الخيط الأبيض" فتحكي فيها الراوية العليمة حكاية بلوغها 40 عاماً، من خلال موتيف الخطوات، ويتضح للقارئ أن المعنية تزمع لقاء الطبيبة، في عيادتها لكونها مريضة، مرضاً مجهولاً، وأنها في انتظار دورها للعلاج. وفي هذه الأثناء، تستذكر الراوية كل الخطوات الحاسمة التي كانت تخطوها قاصدة كوخ عمتها، وجدتها، وبيت ذويها حيناً بعد حين، منذ طفولتها، وصولاً إلى كوخ ذويها، وهي راكبة سيارتها. وفي نهاية مطاف استذكارها، تفاجأ الشخصية ببروز ظل يلاحقها، ويقول لها إنه ينتظرها منذ 40 عاماً، و"دخل كلانا الكوخ، ظلي وأنا" (ص:38).

واقعية وتخييل 

لا تبخل الكاتبة شيخة حليوى بالمواضيع، ولا بالموتيفات، ولا بالمقاربات السردية، بين الواقعية الانتقائية، والكافية لشرط الصدقية، وبين التخييلية ذات الرمزية الطفيفة، وبين الانتقاد العام الذي تتجنب فيه الكاتبة صب لومها على جهة من دون غيرها، في شأن النكبة الفلسطينية، بل تعمد إلى تعميم نظرة الخيبة من أطراف وشعاراتهم، وانتظاراتهم، من أجل أن تركز على هموم الكائن (الفلسطيني) الفرد اليومية، وتظهير معاناته في بيئة غريبة، سواء في وطنه، أم في بلاد الاغتراب، وما أكثرها.

وهذا ما يعاينه القارئ في قصة "درس في التاريخ" التي تستهلها الكاتبة بمقولة لأحدهم يدعى باتريك دولابان، مفادها بأن "الشعوب التي ليس لها أساطير تموت من البرد"، حين حل البرد ثقيلاً على صيف المدينة حيث تعمل الراوية معلمة، فتكتشف أن السبب في ذلك يعود لأن مجنون المقهى، ويدعى زنان، مات ذات ليلة، وكثيراً ما كان لولب الحلقات، وتسلية الأماسي.

فيما يجد القارئ نموذجاً من أسلوب التخييل التام، في قصة "سأغادر نحو الربيع"، حيث تجعل الكاتبة من صورة الحذاء، في لوحة فنية، الشخصية الرئيسة فيها، في استعارة لمبدأ الصور المتحركة، إذ تجعل الحذاء يتفاعل مع عمال المتحف، ومع الأطفال، ولا يني يطوف معهم، ويؤاخي أقدامهم، ويستعرض معهم مشاهد من المدينة وناسها المشردين والفقراء، إلى أن وجد فتاة حافية القدمين، تجر "عربة تسوق صغيرة فارغة" (ص:47).

وباختصار شديد، لا يمكن لقارئ مثلي أن يختزل قصصاً قصيرة، وأخرى أقاصيص، إلى حدها الأدنى، بحيث يضيع على القارئ متعة قراءتها، والاطلاع على عالم الكاتبة، وإن يكن محصوراً، فهو مكثف ودال على رؤية إنسانية وفكرية، خاصة بالكاتبة شيخة حليوي.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة