Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نزاهة فازاري المطعون بها في تأريخه للفن الإيطالي

نسف الألمان أسطورة "الموسوعي النهضوي" في مئويته الخامسة وطرحوا أسئلة مشروعة حول دوره الفني وأحكامه على البعض وتبجيله آخرين

جورجيو فازاري (1511 - 1574) (غيتي)

ملخص

كتاب الإيطالي جورجيو فازاري الضخم المعنون "حياة أفضل الرسامين والنحاتين والمعماريين" لا يزال يصدر في طبعات جديدة وترجمات أجد بصورة متواصلة ليعتمد عليه الباحثون والهواة بوصفه "الموسوعة" الأكثر دقة في مجاله، وغالباً من دون مزيد من التساؤل حول صوابية ذلك الاعتماد

نعرف في تاريخ الفن، وبشكل خاص في التاريخ المعتمد لما لا يقل عن ثلاثة قرون من عصور النهضة الإيطالية، أن المُؤلِّف - بكسر اللام - الذي كان ثمة إجماع على الاتكال على واحد من إنجازاته الرئيسة في مجال كتابة ذلك التاريخ، ليس سوى جورجيو فازاري (1511 - 1574)، التوسكاني، الذي عدا عن كونه رساماً، عرف كيف يخلد وجوده في تلك الأزمنة الزاهرة ومروره على صروح الفن والعمران والنحت، ليس فقط من خلال أعمال في هذا المجال تركها لمن سيأتي من بعده، بل من خلال ذلك الكتاب الضخم المعنون "حياة أفضل الرسامين والنحاتين والمعماريين". وهو كتاب لا يزال يصدر في طبعات جديدة وترجمات أجد بصورة متواصلة ليعتمد عليه الباحثون والهواة بوصفه "الموسوعة" الأكثر دقة في مجاله. وغالباً من دون مزيد من التساؤل حول صوابية ذلك الاعتماد.

ونعرف على أية حال أن سمعة هذا الكتاب الذي يعرف عادةً، اختصاراً بكلمة "حيوات" كانت دائماً موضع شك، ولكن ليس بالقدر الذي جابهه فيه المعلقون الألمان قبل عقدين من الآن، تحديداً في عام 2005 حين صدرت ترجمة ألمانية جديدة له، لمناسبة قرب الاحتفال بالمئوية الخامسة لولادة مؤلفه.

يومها بدا الأمر وكأن ثمة مؤامرة تهدف إلى تحطيم الكتاب وفازاري معاً. لكنها مرت ببساطة ولسان حال المعلقين على التعليق يقول: "نحن نعرف ذلك كله، لكننا لا يمكن أن نستغني عن الكتاب"، ما يعني أن السكوت عن عواهن الكتاب وقلة نزاهة مؤلفه، يبقيان أهم من فضح حقيقته في الأقل، في حسابات الربح والخسارة.

وهكذا نجا الكتاب يومها من الصرامة الألمانية، وواصل حياته، بينما سكت مالكو الحقيقة... كالعادة.

موسوعية باهتة

والحقيقة أن الحكاية بدأت يومها مع ما كتبه الناقد في مجلة "تسايت" معلقاً على الأهمية المُسبغة عادةً على كتاب فازاري هذا: "إن ما من كاتب، وما من مؤرخ، تمكن من أن يتلاعب بتصورنا للفن بقدر ما فعل هذا الرجل. فلئن بدا لنا دائماً أن من الطبيعي أن نتحدث عن المراحل الفنية من الغوطية إلى النهضة، فمنه تعلمنا كيف نرى في الفنان كائناً هامشياً وعبقرياً ضبابياً، يقف دائماً على حافة الجنون، ولئن أمعنا دائماً في الحكي عن حرية الفن واستقلالية الفنان، فإنما يعود الفضل في هذا إلى فازاري".

وهو كلام سرعان ما سيبدو، على رغم ما يحمله من سمات تقريظية، قابلاً للجدال على ضوء التفسيرات التي تلته وبدا واضحاً أنها تنتهز المناسبة لكي تقول كلمة "فصل حاسمة" في موضوع كثيراً وطويلاً ما شغل بال الألمان. إذ سيبدو على الفور وكأن ناقد "تسايت" إنما كان يمهد لما سيأتي بعد ذلك من "استطراد" سيبدو واضحاً أنه يحمل استنتاجات مناقضة لما يمكننا استخلاصه، حيث يتابع "الخطاب الجدالي" للكاتب على نحو مغاير تماماً.

ضمير مؤرخ

فالحال أن ما يلي ذلك الكلام الذي بدا أول الأمر كالبديهة سيأتي صادماً: "لكن ما سيبدو للوهلة الأولى بوصفه عملاً دقيقاً نزيهاً ناتجاً من ضمير مهني حي، في تضافر وتجاور بين سير أكثر من 100 مبدع من مبدعي تلك القرون الثلاثة التي تناولها كتاب فازاري، سرعان ما سيتكشف لنا كنص يفتقر إلى أدنى مستويات الدقة، مغرضاً ما يجعل منه أشبه ببيان يفتقر إلى الحد الأدنى من الصدقية والدقة". كيف ولماذا؟

بالتحديد لأن فازاري يفرض هنا رؤيته القائمة على اعتبار القرون الثلاثة التي سبقت زمنه نوعاً من مسيرة إنما كانت تستهدف الوصول بالفن النهضوي الإيطالي إلى نوع من الكمال السائر في خط مستقيم ومتصاعد كما لو كان مخططاً له أن يكون كذلك "فهو حيث ينطلق من تشيمابوي الذي سيعتبره الفنان المؤسس الذي أخرج برفقة جيوتو الفن الإيطالي من الظلمات إلى النور، سيصل في نهاية الأمر إلى أسمى درجات الكمال مع ميكائيل آنجلو المعاصر له والذي يعتبره "قمة القمم وخاتم تلك المسيرة الصاعدة من دون هوادة".

من الناحية التاريخية قد يكون هذا صحيحاً، ولا غبار على توصيف فازاري له، لكن المشكلة تكمن في أن التاريخ الذي يسرده هذا المؤرخ المبدع، لا يتسم في مسيرته الحقيقية بمثل تلك الخطية الواضحة. ومن هنا لن نستغرب، بحسب المعلق الألماني، إذا كان فازاري قد حرص على تصفية عديد من الحسابات وإسقاط كثير من الأسماء والمواهب في طريقه، والسهو عن إنجازات فنية كبيرة لمجرد أن يدعم "خط سير" حدده منذ البداية ولا يريد أن يحيد عنه.

سقطات مؤرخ

وهكذا نرانا نندفع إلى التساؤل عما إذا كان جورجيو فازاري محقاً في اعتبار باتشيو باندينيللي فنانا "غير موهوب"، والنحات سودونا مجرد "منحرف متعجرف فرض نفسه على الحياة الفنية بعلاقاته"، وأندريا ديل سارتو، "عابثاً أمضى وقته في مطاردة بنات الجنس اللطيف بدلاً من أن يمضيه في الإبداع".

والحقيقة أن القارئ الذي يعرف أعمال هؤلاء كما أعمال سواهم من فنانين لم يبد أن لهم حظوة لدى فازاري، سرعان ما يجد نفسه متسائلاً لماذا حط بهم الفن على صفحات هذه "الموسوعة" ولماذا يحتاج المرء إلى اللجوء إلى مؤلفات أخرى كي يجد تعاملاً حقيقياً ونزيها مع أعمالهم ومواهبهم؟

الجواب واضح على أي حال، لقد كانوا جميعهم منافسين لفازاري ذات لحظة أو أخرى، ناهيك بأن كل واحد منهم وعشرات غيرهم، كان "عيبه" الأساس أنه لم يكن توسكانيا كما حاله هو. وهكذا مثلاً نجد توسكانيا هو جد جد فازاري يتحول بقلم ذلك الحفيد من صانع أسرجة إلى فنان كبير! هذا من دون أن يفوتنا أن نلاحظ عند وصولنا إلى خاتمة الكتاب، كيف أن فازاري نفسه، يتحول بقلمه من رسام متواضع، غير مُكتفٍ بأن يكون مؤرخاً انتقائياً للفنون زمنه والفنون السابقة على ذلك الزمن، إلى فنان كبير لمجرد أنه كان واحداً من تلاميذ ميكائيل آنجلو كما يقول بنفسه، علماً أنه لا يتورع عن أن يضيف أن ثمة عشرات من المبدعين تتلمذوا على هذا المبدع الكبير وكانوا من مريديه، لكن أياً منهم لم يضاه الكاتب، أي فازاري، في المكانة الفنية التي عرف كيف يحتلها، وبإقرار من المبدع النهضوي الكبير يتفرد هو في الإشارة إليه من دون أن يكون في الإمكان التثبت من صحته في أي مرجع فني أو تاريخي آخر، ولا سيما في مجال الرسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسامح ألماني ما...

وهنا يبدو المعلقون الألمان، في نهاية الأمر متسامحين مع فازاري، فهم إذ أنكروا عليه أنه كان رساماً كبيراً كما يليق بتلميذ لميكائيل آنجلو أن يكون، أو نحاتاً ولو متوسط الجودة في ظل ذلك النحات الكبير الذي كانه أستاذه المعلن، فإنهم في الأقل أقروا له بإنجاز عمراني رأوا فيه حقاً تأثيرات الأستاذ، وهو تصميم فازاري، الحقيقي هذه المرة، لتلك المباني "الرسمية" في فلورنسا والتي اشتهر هو بتصميمها وتنفيذها، لتضم لاحقاً كنوز الفنون النهضوية، حتى وإن كان أغرب ما في الأمر هنا هو أن فازاري لا يتوقف عن التقليل من شأنها في سفره الكبير... مقارنة منه مع تعظيم دوره كرسام وعمراني متنوع الاهتمامات!

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة