Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

برنامج إصلاحي لرئيس كازاخستان يبدأ بنبذ "الأحضان والقبلات"

توكاييف أعلن أكثر من مرة عدم اعترافه بضم روسيا شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس مؤكداً تمسكه بمبدأ وحدة الأراضي الأوكرانية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة

تحول الرئيس قاسم جومارت توكاييف إلى إعادة بناء كازاخستان بما يتفق مع ما هو أقرب إلى يسار الوسط (أ ف ب)

ملخص

كان توكاييف سبق وأعلن موقفه من النزاع الروسي - الأوكراني، مؤكداً موقف بلاده الرافض للاعتراف بما اتخذته موسكو من خطوات حول ضم كل من القرم والمقاطعات الأوكرانية الأربع، وخلص إلى اقتراحه حول تجميد النزاع، وهو ما لم يلق موافقة من جانب بوتين الذي سبق وأشار إلى ضرورة استجابة الجانب الأوكراني لما طرحه الجانب الروسي من شروط.

منذ إحباطه محاولة الانقلاب على حكمه في يناير (كانون الثاني) عام 2022، وإمساكه بكل القوة بمقاليد الحكم في كازاخستان، تحول الرئيس قاسم جومارت توكاييف إلى إعادة بناء كازاخستان بما يتفق مع ما هو أقرب إلى يسار الوسط من خلال ما طرحه من إصلاحات واسعة شملت مختلف المجالات تحت شعارات حزبه الحاكم "كازاخستان العادلة". ولم يكتفِ توكاييف بما طرحه من تعديلات دستورية شملت ضمن ما شملت تصفير مدد الرئاسة السابقة، وتغيير السلطة التشريعية، بإلغاء مجلس الشيوخ والعودة لـ"القورولتاي"، أي البرلمان ذي الغرفة الواحدة، بل تجاوز ذلك بما أعلنه من انتقادات للسلوك العام ودعوته إلى العودة لتراث وتقاليد الأسلاف، فضلاً عن ضرورة غرس ما أطلق عليه اسم "ثقافة النظافة والنظام" بالمعنى المادي والأخلاقي، في سياق تعزيز الهوية الوطنية الكازاخية و"الابتعاد عن العادات والسلوكيات الاجتماعية الدخيلة على المجتمع الكازاخى".

 

حظر الأحضان والقبلات بين الرجال

ولكم كان من الغريب أن يتوقف توكاييف عند انتشار ظاهرة العناق والأحضان والقبلات في أوساط الشباب والرجال، وبين الرجال والنساء، بما أثاره في مؤتمره الصحافي الذي عقده في أواخر أغسطس (آب) الماضي في أعقاب الإعلان عن نتائج الاستفتاء الدستوري بقوله "إنه ليس من الصواب أن يبدأ الرجال في معانقة بعضهم بعضاً، وتقبيل بعضهم بعضاً"، معتبراً "أن هذه الممارسات مستوحاة من الظواهر الغربية الدخيلة، وأنها لم تكن موجودة قط ضمن عادات وتقاليد المجتمع الكازاخي"، وأمطر الرئيس توكاييف، بالنقد الشديد، العسكريين والجنرالات بما أثاره من تساؤلات حول إمكان تخيل كبار الضباط ومارشالات الاتحاد السوفياتي السابق وهم يعانقون ويقبلون بعضهم بعضاً؟

وطرح الرئيس توكاييف مبادرته الشخصية التي يمكن أن تكون بمثابة "مدونة سلوك كازاخية حديثة"، تعكس الهوية الوطنية وتعيد الوقار إلى المجتمع الكازاخي، بدعوته الرجال إلى نبذ الظواهر الغربية الدخيلة، والنأي بأنفسهم عن الأحضان والقبلات، والاكتفاء بالتشديد على المصافحة بقوة، أو الاقتصار على التحية من خلال الابتسامة، أو وضع اليد اليمنى على القلب دليلاً على الترحيب، في إطار العودة لـ"التقاليد الأصيلة" في التحية، وبما يتسق مع تعزيز الهوية الوطنية الكازاخية، وما اعتبره البعض دعوة إلى "الابتعاد عن الاقتداء بالظواهر الدخيلة وغير المألوفة بالنسبة إلى المجتمعات الشرقية، من دون الحاجة إلى الأحضان أو الملامسة الجسدية المبالغ فيها".

ولم يقتصر الرئيس على مثل هذه المبادرات، بل تجاوزها إلى تأكيد ضرورة غرس "ثقافة النظافة العامة والنظام"، في إشارة مباشرة إلى انتقاده لما يصفونه بالسلوكيات "التلامسية" اليومية، التي قد تكون غير صحية وغير مناسبة في الأماكن العامة. وفي هذا الصدد أكد توكاييف على ضرورة أن ترتكز "مدونة السلوك القومية" على القيم والأخلاق الكازاخية الأصيلة التي تجمع بين التواضع والاحترام، والابتعاد عن العادات المستوردة التي لا تتسق مع النسيج الثقافي والاجتماعي للبلاد.

على أن توكاييف، على رغم ذلك، لم يوضح ما إذا كانت مثل هذه "المبادرات" يمكن اعتبارها وثيقة رسمية تحمل صفة الإلزام أم لا، مكتفياً بما دعا إليه من تسريع لإقرار التشريعات التي تنص على حظر استخدام الأطفال دون 16 سنة لوسائل التواصل الاجتماعي، وما أشار إليه من إطلاق عملية تحديث واسعة للبنية التحتية في قطاعات النقل والطاقة والمياه.

 

الإصلاحات الدستورية... و"القورولتاي"

أما عن الإصلاحات الدستورية فإنها تستمد بداياتها مما سبق وجرى الاستفتاء حوله من تعديلات دستورية. وكان الرئيس دعا في مارس (آذار) الماضي إلى الاستفتاء على تعديل الدستور بما طرحه من مبادرات تتضمن إلغاء "مجلس الشيوخ"، وتحول البرلمان من غرفتين إلى مجلس واحد يحمل اسم المجلس التشريعي القديم، وهو "القورولتاي"، وذلك هو الاسم القديم الدال على المجلس السياسي والعسكري للمغول القدماء، ويعني "التجمع" الذي يستخدمه أيضاً البشكيريون وتتار القرم، وكذلك في منغوليا، وبورياتيا في شرق روسيا الاتحادية، إلى جانب المجر التي تستمد أصول شعبها ولغتها من شرق جبال الأورال وشمال سيبيريا. ويضم المجلس الجديد 145 مقعداً، وكانت أول انتخابات لاختيار نوابه الجدد جرت في 23 أغسطس عام 2026، وفاز فيها الحزب الحكم بالغالبية الساحقة.

وتم اعتماد التعديل الجديد الذي ينص أيضاً على تعديل مدة الرئاسة من خمس إلى سبع سنوات، وحظر إعادة ترشح الرئيس لفترة ولاية ثانية، مع عدم احتساب الفترات الرئاسية السابقة، ما يسمح لتوكاييف بالترشح مجدداً عام 2029، وذلك على غرار ما أقره الدستور الروسي بعد تعديلاته التي جرت في يوليو (تموز) عام 2020 ونصت على "تصفير" المدد الرئاسية السابقة للرئيس الروسي، بما يعني التصديق على إمكان ترشحه حتى عام 2036. ورداً على سؤال عما إذا كان توكاييف سيتقدم لترشيح نفسه مرة أخرى، فقد اكتفى بالقول إن هذا الموضوع لا يزال سابقاً لأوانه، وإنه سيعلن عن قراره في وقت لاحق، على أن هناك من يقول إن السلطات وبينما تقدم الإصلاحات كخطوة نحو التحديث، فإنها، حسب تقديرات المعارضة، تعزز قبضة الرئيس على السلطة، وتزيد من نفوذه وسلطاته، وتمنع المنافسة السياسية الحقيقية وتحد من الحركات السياسية المعارضة، ولكم كان مفاجئاً غياب الشيوعيين عن المجلس التشريعي الجديد، بعدما فشل مرشحوهم في تجاوز عتبة الخمسة في المئة المحددة كحد أدنى للفوز بمقاعد البرلمان.

مخاوف من تكرار أوكرانيا في كازاخستان

وثمة ما يشير إلى مخاوف كازاخية تراود كثيرين من أبناء كازاخستان من احتمالات تكرار ما جرى ويجري اليوم من صراع منذ بدايات الأزمة الأوكرانية، على ضوء ما سبق وقاله بوتين نقلاً عن أناتولي سوبتشاك العمدة السابق لمدينة لينينغراد، وأستاذه في كلية الحقوق بجامعة "لينينغراد". وكان سوبتشاك، ورداً على تساؤلات بوتين في شأن الأراضي الروسية التي آلت إلى أوكرانيا، ومنها شبه جزيرة القرم ومنطقة الدونباس في جنوب شرقي أوكرانيا، ومدى مشروعية اعتبارها حقاً خالصاً إلى أوكرانيا، قال بعدم أحقية أوكرانيا في هذه الأراضي، وحتمية تنازلها عنها لدى الخروج من الاتحاد السوفياتي، انطلاقاً من المبدأ القائل إن "الدولة التي تعلن مثل هذه الرغبة، ملزمة بالخروج من الاتحاد السوفياتي، في إطار الحدود ذاتها التي انضمت بها إليه". وذلك ما كرره بوتين في أكثر من مناسبة، وهو ما أثار ويثير حفيظة القيادة السياسية في كازاخستان منذ انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.

ونشير في هذا الصدد إلى ما تردد في الأوساط السياسية والاجتماعية في كازاخستان منذ بداية تسعينيات القرن الماضي حول ضرورة نقل العاصمة إلى شمال البلاد. وهو ما حسم أمر اختيار موقع العاصمة الجديدة انطلاقاً من ضرورات الأمن والديموغرافيا في مناطق ذات كثافة سكانية عالية من الناطقين باللغة الروسية، وفي محاولة تستهدف تعزيز الهوية الوطنية والسيادة الكازاخية وتنشيط الهجرة إلى الشمال، تحسباً لاحتمالات "الخلافات" العرقية التي قد تنشب لاحقاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونذكر في هذا الشأن ما احتدم من جدال وملاسنات كلامية في مطلع القرن الـ21 حين أعلن الرئيس بوتين أن نور سلطان نزارباييف الرئيس السابق لكازاخستان "أول من أقام للكازاخ جمهورية مستقلة"، وذلك ما تولت مصادر الكرملين تفسيره وإيضاح ما كان يقصده الرئيس الروسي، وما جرى في إطاره من تسوية "للخلاف اللفظي". ويذكر مراقبون كثر أن البرلمان الكازاخي بادر آنذاك لاتخاذ قرار نقل العاصمة من الما-آتا في جنوب البلاد إلى مدينة أقمولا (الضريح أو المقبرة البيضاء) في الشمال، والتي حلت محل مدينة تسيلينوغراد أي "مدينة الأراضي البكر"، وكانت عام 1810 مركزاً لقاعدة روسية عسكرية، لتعود لاحقاً إلى اسمها السابق في التسعينيات (1992-1997) قبل نقل العاصمة من الما-آتا إلى العاصمة الجديدة التي حملت اسم الآستانة وتعني العاصمة في نهاية تسعينيات القرن الماضي. وكانت المدينة حملت خلال الفترة من عام 2019 وحتى عام 2022 اسم نور سلطان، بمبادرة "سلطوية" تكريماً للرئيس السابق نور سلطان نزارباييف الذي كان تخلى عن السلطة طواعية، لتعود العاصمة إلى اسمها السابق الآستانة، بموجب مرسوم صدر عن قاسم توكاييف عام 2022 إعلاناً عن القطيعة مع إرث النظام السابق.

سولجنيتسين وانتقاداته في حق كازاخستان

وكان الأديب الروسي ألكسندر سولجنيتسين الحائز جائزة "نوبل" للآداب، والعائد إلى روسيا بعد 20 سنة من المنفي القسري إلى كل من سويسرا والولايات المتحدة، أعرب عن رأي مغاير حول الأراضي التي تنازلت عنها روسيا لكازاخستان، في ما كتبه عام 1990 قبيل عودته إلى روسيا، تحت عنوان "كيف نبني روسيا؟".

وقد أثارت هذه المقالة في حينها، كثيراً من الصخب والجدل، بما تضمنته من رؤية "اعتبرت أن الحدود بين روسيا وكازاخستان رسمت بطريقة غير معقولة" و"من دون تفكير" من قبل القادة الشيوعيين، مما أدى إلى منح كازاخستان أراضي قال "إنها كانت تاريخياً وجغرافياً جزءاً من روسيا". ووصف تشكيل أراضي كازاخستان بأنها ضمت مناطق من "جنوب سيبيريا وجنوب جبال الأورال". وعاد سولجنيتسين آنذاك إلى رأي مفاده بأن تلحق الأقاليم الشمالية لكازاخستان بروسيا، نظراً إلى تركيبتها السكانية بما يشكل الروس فيها الغالبية الساحقة من السكان، وارتباطها الجغرافي بسيبيريا الجنوبية. وأشار صاحب "نوبل" إلى "أن الجزء الجنوبي، حيث يشكل الكازاخ غالبية، يمكنه الانفصال إذا أراد"، فيما عاد إلى التاريخ الذي يشير إلى أن كازاخستان كانت تابعة في عشرينيات القرن الماضي إلى جمهورية قرغيزستان، حتى جرى تصحيح أوضاعها عام 1936 بإعلانها جمهورية ذاتية الحكم ضمن الجمهورية الروسية السوفياتية وحتى تحولها لاحقاً إلى جمهورية فيدرالية، وأن أراضيها الشاسعة بنيت وطورت بأياد روسية، وسجناء فضلاً عن شعوب القوقاز وشبه جزيرة القرم بموجب مراسيم ستالينية مثيرة للجدال، وتوقف سولجنيتسين عند أن الكازاخ كانوا يشكلون أقل من نصف السكان في ذلك الوقت، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة في كازاخستان التي وصف أهلها هذه التصريحات بـ"الشوفينية"، واعتبروها مساساً بالسيادة الوطنية.

توكاييف ومخاوف تكرار ما جرى مع أوكرانيا

في أومسك وفي اجتماع جمعه مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قال رئيس كازاخستان قاسم توكاييف "إن جذور الحرب الروسية - الأوكرانية غير مفهومة تماماً لكثيرين، بمن فيهم نحن". وأضاف أن أسباب الحروب بين أرمينيا وأذربيجان كانت "واضحة، لكن من الصعب جداً فهم أسباب الحرب في أوكرانيا"، فيما طرح اقتراحه حول العودة لاتفاقات إسطنبول التي جرت عام 2022 تحت رعاية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، و"التحرك بعد ذلك نحو السلام الذي طال انتظاره".

وكان توكاييف سبق وأعلن موقفه من النزاع الروسي - الأوكراني، مؤكداً موقف بلاده الرافض للاعتراف بما اتخذته موسكو من خطوات حول ضم كل من القرم والمقاطعات الأوكرانية الأربع، وخلص إلى اقتراحه حول تجميد النزاع، وهو ما لم يلق موافقة من جانب بوتين الذي سبق وأشار إلى ضرورة استجابة الجانب الأوكراني لما طرحه الجانب الروسي من شروط. وأوضح بوتين إلى جليسه تطورات الحرب، وما انتهت إليه محادثات السلام في إسطنبول، والتي عاد الجانب أو رفضها بإيعاز من رئيس وزراء بريطانيا السابق بوريس جونسون، وهو ما تناولته "اندبندنت عربية"، في أكثر من تقرير لها من موسكو.

وكان توكاييف أعلن أكثر من مرة عدم اعترافه بضم روسيا شبه جزيرة القرم ومناطق دونباس، مؤكداً تمسكه بمبدأ وحدة الأراضي الأوكرانية وفقاً لميثاق الأمم المتحدة، وأنه عاد وفي حضور الرئيس الروسي ليعلن من منصة منتدى سان بطرسبورغ، احتجاجه ضد تصريحات عدد من البرلمانيين وممثلي الأجهزة الإعلامية الرسمية، التي وصفها بأنها "استفزازية وتخريبية"، وسبق وأعلن رفضه أي تصريحات تشير إلى أن أي أراض كازاخية هبة من خارجها، قائلاً "لا يمكن لأي قوة خارجية أن تمنح شعباً بأكمله أرضاً بهذه المساحات الشاسعة"، تحسباً من جانبه لاحتمالات أن تستند روسيا في المستقبل إلى منطق "حماية الروس في الخارج"، تجاه الأقلية الروسية الكبيرة في شمال كازاخستان، حيث يبلغ طول الحدود المشتركة 7644 كيلومتراً، وهي أطول حدود برية متصلة في العالم على أن ذلك كله لا ينفي ما يبديه توكاييف من حرص شديد على عدم قطع العلاقات مع موسكو، والتمسك بسياساته المتوازنة مع كل بلدان الفضاء السوفياتي السابق، مفضلاً تسوية الخلافات عبر القنوات الدبلوماسية، في إطار كل ما يتخذه من قرارات استناداً إلى ما يمكن تسميتها بـ"الواقعية البراغماتية"، وبما يعكس الإصرار على السيادة الوطنية كخط أحمر غير قابل للجدال أو النقاش.

المزيد من تقارير