ملخص
أفاد تحقيق ميداني نشرته "هيئة الإذاعة البريطانية" بأن شبكات تهريب البشر على الساحل الشمالي الفرنسي تعاني نقصاً في الزوارق المطاطية، بعد حملة أوروبية على سلاسل توريدها، فتحولت إلى تحميل أعداد أكبر من المهاجرين على زوارق أقل عدداً وأكبر حجماً.
نشرت "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي) تحقيقاً ميدانياً من الساحل الشمالي الفرنسي، خلص إلى أن انخفاض عدد الزوارق التي تصل إلى إنجلترا يدفع شبكات تهريب البشر إلى تغيير أساليبها، بعدما باتت تعاني نقصاً في المطاطيات ومحركاتها.
ووفق التحقيق، اضطرت مجموعات إجرامية كانت متنافسة إلى العمل معاً، فراحت تحمّل أعداداً أكبر من المهاجرين على زوارق أقل عدداً وأكبر حجماً، ورصد فريق "بي بي سي" على شاطئ غرافلين، خلال جزر باكر، الزورق الوحيد الذي انطلق في ذلك اليوم، وفي التاسعة والنصف صباحاً خرجت مجموعة من 10 أشخاص من بين الكثبان الرملية بسترات نجاة برتقالية، اُشتريت من متجر رياضي محلي، ثم خاضت في المياه الضحلة في انتظار "زورق الأجرة" الذي كان قادماً هذه المرة من بلجيكا.
لم يكن في المشهد ركض أو تدافع، بل عملية منظمة تنفذ فيها التعليمات، لأن الزورق كان بالفعل في الماء، وهي اللحظة التي تقول الشرطة الفرنسية إن القانون يمنعها من التدخل فيها خشية الغرق، وأضاف التحقيق أن الزورق كرّر العملية خمس مرات على أجزاء مختلفة من الشاطئ خلال ثلاث ساعات، وأن الصعود صار أكثر ارتباكاً مع تقلص نافذة الفرصة، حتى تحرّك نحو أكثر ممرات الملاحة ازدحاماً في العالم، وعلى متنه 82 شخصاً.
ونقلت "بي بي سي" عن ضباط فرنسيين قولهم إنهم يعترضون اليوم ثلثي الزوارق قبل أن تصل إلى الساحل، مما يعني تقلص فرص العبور وارتفاع سعرها، وذكر التحقيق أن الشبكات تطلب راهناً ما يصل إلى 2000 يورو للشخص، بعدما كان السعر قرابة 1300 يورو قبل عام، وأنها باتت تشترط الدفع نقداً لضمان التزام الراكب، مضيفاً أن فترة الانتظار بين محاولة وأخرى صارت تمتد لأسابيع وشهور بعدما كانت أياماً، وأن الرحلة تحتاج إلى نافذة مناخية دقيقة، تقل فيها سرعة الرياح عن خمس عُقد، ويقل ارتفاع الموج عن 0.8 متر.
وقال عاملون في منظمات إغاثة للهيئة إن مهاجرين باتوا ينامون في الأحراج وبين الكثبان، قريباً من الشاطئ، بدلاً من المخيمات الكبرى التي تتوافر فيها مياه الاغتسال والغذاء والدواء، سعياً إلى الاقتراب من نقاط الالتقاط وتفادي الرصد، مضيفين أن الشبكات التي كانت تفضل الانطلاق في جوف الليل، صارت ترى منتصف النهار فرصة أفضل مع تكثيف الدوريات، لأن وصول زوارق الأجرة يستغرق وقتاً أطول، ولأن التنسيق في ضوء النهار أسهل.
وكان زورق بطول 15 متراً وعلى متنه 230 شخصاً، وصل إلى السواحل البريطانية في الـ 10 من أغسطس (آب) الماضي، محققاً أكبر رقم مسجل لزورق واحد في القنال الإنجليزية، ومتخطياً رقماً سابقاً بلغ 165 شخصاً في الـ23 من يوليو (تموز) الماضي، وقالت مصادر في وزارة الداخلية البريطانية إن الشبكات لجأت إلى هذه الزوارق لأن الحصول على القوارب والمحركات في شمال فرنسا صار أصعب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الرابع من أغسطس الماضي أيضاً، انقلب زورق يحمل 173 شخصاً بعد اشتعال محركه في منطقة البحث والإنقاذ الفرنسية، فجرت عملية إنقاذ واسعة شاركت فيها سفن الأمن الحدودي البريطاني وسفن فرنسية وزورق تابع لـ "المؤسسة الملكية الوطنية لقوارب النجاة"، وأعيد جميع من كانوا على متنه إلى بولونيه، فيما أصيب 11 شخصاً بجروح طفيفة ونقل ثلاثة إلى المستشفى.
وقالت السلطات الفرنسية في بيان إن من كانوا على متن الزورق رفضوا في البداية عرض المساعدة، وإنه "نظراً إلى الهشاشة البنيوية للزوارق المكتظة"، اُتخذ قرار بعدم إجبارهم على الصعود إلى سفن الإنقاذ الحكومية، تفادياً لتعريض حياتهم للخطر في حال الغرق.
وتكشف الأرقام حجم التحول في الحمولة، فحين بدأت الزوارق تصل في عام 2018، كانت تحمل سبعة أشخاص في المعدل، وفي العام المنتهي في مارس (آذار) 2026، صار المعدل 63 شخصاً، ولم يقتصر التغيير على الحجم، إذ انتقل جزء من مواقع الإطلاق إلى الغرب بعد تكثيف الدوريات حول كاليه ودنكرك.
وأفادت صحيفة "ديلي إكسبريس" بأن شبكات أجبرت مهاجرين على البقاء ما يصل إلى 18 ساعة على زوارق مطاطية بعد انطلاقها من دييب في نورماندي، وتنفيذها عمليات التقاط عدة من شواطئ مختلفة، وأن الزورق الذي انقلب قبالة بولونيه انطلق من دييب.
وقبل ذلك كان أسلوب "زورق الأجرة" قد أعاد رسم خريطة الانطلاق كلها، فبدلاً من نفخ الزوارق في الكثبان قريباً من الدوريات، صارت الشبكات تطلقها من مواقع أكثر تخفياً تبعد عشرات الكيلومترات عن شواطئ المغادرة الرئيسة، ومن مجار مائية داخلية، ثم تسير بها بمحاذاة الساحل لتلتقط ركابها الذين ينتظرون في البحر، بعيداً من متناول الشرطة، ووفق وثائق فرنسية رسمية، فقد بلغت نسبة نجاح هذا الأسلوب 81 في المئة عام 2025.
وأعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني ووزارة الداخلية سلسلة تعزيزات شرطية على الساحل الفرنسي، عشية استقبال آندي بيرنهام للرئيس إيمانويل ماكرون في داونينغ ستريت، وتشمل الإجراءات نشر فريق دعم من 45 عنصراً في الأسابيع المقبلة على الشواطئ الغربية في فرنسا، لمواجهة الإطلاق من مواقع أبعد، ومن الزوارق العملاقة، مما يضاعف الموارد الفرنسية في تلك المنطقة قرابة ثلاث مرات، وكذلك توسعت وحدة استخبارية وقضائية فرنسية متخصصة من 18 إلى 30 عنصراً، ودخلت وحدة جديدة من 75 عنصراً الخدمة في شمال فرنسا، ليقترب مجموع العناصر من 1050.
وقالت وزيرة الداخلية شبانة محمود إن الحكومة ترفع أعداد العناصر إلى مستويات قياسية وإن العمل يثمر، مشيرة إلى منع أكثر من 48 ألف محاولة عبور، وإلى تراجع أرقام الزوارق وبلوغ عمليات الإبعاد مستويات قياسية، فيما أفاد بيان حكومي بأن هذا الصيف شهد أدنى عدد لواصلي الزوارق منذ عام 2020، إذ إن 16391 شخصاً عبروا هذا العام، بانخفاض 43 في المئة عن الفترة نفسها من العام الماضي.
وتشكل سلاسل التوريد محور الحملة الأوروبية، ووفق "الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة" (إن سي إيه)، تأتي المعدات المستخدمة في العبور من الصين عادة، وتُجمّع في تركيا وتخزن في ألمانيا ثم تنقل إلى شمال فرنسا، وقالت الوكالة إنها ضبطت مع شركاء دوليين أكثر من 500 زورق ومحرك عام 2025، وأكثر من 1000 منذ مطلع عام 2023، وإن لديها 100 تحقيق جار في هذا الملف.