ملخص
تروج السلطات الإسرائيلية لهذا المرفق العملاق بوصفه حلاً جذرياً لأزمة السكن التي تواجه الأزواج الشابة، لكن هناك من يعد مشروع مدينة "مشمار يهودا" إنذاراً لمرحلة جديدة من الصراع على الأرض والمكان عبر تحويل التلال والبراري إلى مجمعات أسمنتية وأحياء مدنية ضخمة.
في كل صباح، يخرج إبراهيم عبدالقادر من بيته المتواضع في أطراف بلدة كيسان شرق بيت لحم جنوب الضفة الغربية، ليقف على تلة ترابية تطل على الامتداد الشاسع لصحراء القدس وبيت لحم. ليس الرجل مجرد مزارع أو راعي غنم تجاوز العقد السادس من عمره، بل هو حارس ذاكرة حية لمساحات شاسعة جابها مع مواشيه منذ عقود. كان يرقب شروق الشمس وهي تتسلل من خلف جبال البحر الميت، مشكلة أفقاً مفتوحاً لا يحده سوى الأمل. لكن في الآونة الأخيرة، لم يعد الأفق كما كان. نظراته باتت تصطدم بأوتاد صفراء وجرافات عسكرية إسرائيلية ترسم خطوطاً صلبة على التلال المجاورة. بقرار واحد صادر عن المكاتب الإدارية العسكرية، أبلغ عبدالقادر أن الصحراء التي احتضنت آباءه لم تعد "أرضاً مشاعاً" أو مرعى لقطيع غنمه، بل تحولت بجرة قلم إلى "أراضي دولة" مخصصة لبناء مدينة استيطانية جديدة تدعى "مشمار يهودا". بالنسبة إليه، لا يعني التغيير مجرد مصطلحات في أوراق رسمية، بل يعني أن مسار قطيعه سيتوقف، وأن أبناءه لن يجدوا متسعاً لبناء بيت صغير، وأن أفق بيت لحم الذي عاش فيه سيتلاشى بين جدران أسمنتية باردة. قصة عبدالقادر هي متوالية يومية يعيشها عشرات آلاف الفلسطينيين الذين يجدون جغرافيتهم تتآكل كل يوم تحت وطأة واقع استيطاني متسارع.
"غول" حضري
لم يكن الإعلان الإسرائيلي قبل أيام المتمثل في تخصيص 370 ألف متر مربع إضافياً باعتبارها "أراضي دولة" مجرد خطوة إدارية روتينية، بل هو الإشارة الرسمية لإطلاق المخطط الهيكلي الأضخم في محافظة بيت لحم. إذ يمتد المشروع النهائي على مساحة شاسعة تصل إلى نحو 3.75 مليون متر مربع في المنطقة الممتدة شمال شرقي كتلة "غوش عتصيون" الاستيطانية. وتأتي الخطوة الأولى عبر الدفع بمخطط هيكلي أولي يتضمن إنشاء 3.600 وحدة استيطانية، لتشكل نواة لمدينة متكاملة استراتيجياً تستهدف استيعاب عشرات الآلاف من المستوطنين خلال الأعوام القليلة المقبلة. وتروج السلطات الإسرائيلية لهذا المرفق العملاق بوصفه حلاً جذرياً لأزمة السكن التي تواجه الأزواج الشابة، محولة الأزمة الاجتماعية الداخلية الإسرائيلية إلى أداة توسع جغرافي وسياسي في قلب الضفة الغربية. وتشكل "أزمة السكن" في الساحل والداخل الإسرائيلي المحرك الاقتصادي والديموغرافي الأكثر خطورة لدفع آلاف العائلات نحو مستوطنات الضفة الغربية. ووفقاً لبيانات دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية (CBS) ومعهد "تامي شتاينمتز"، قفزت أسعار الشقق السكنية داخل المدن الكبرى (مثل تل أبيب والقدس الغربية) بنسبة تتجاوز 140 في المئة خلال العقد الأخير، حيث يتراوح متوسط سعر الشقة السكنية العادية هناك ما بين 2.5 و4 ملايين شيكل (نحو 680 ألفاً إلى 1.1 مليون دولار)، وهو رقم يعجز عن تأمينه معظم الأزواج الشابة والطبقات المتوسطة.
هندسة إدارية
لا يولد "الغول الحضري" الاستيطاني بين عشية وضحاها، بل يخضع لعملية هندسة إدارية وقانونية محكمة ترعاها وزارة الداخلية الإسرائيلية وقيادة المنطقة الوسطى في الجيش. تبدأ عادة كـ"بؤرة عشوائية" تقام بضع خيام أو كرفانات سكنية على قمة تلة بأيدي مستوطنين متطرفين، ثم تجري "شرعنتها" بقرارات حكومية متدرجة لتتحول إلى "مجلس محلي" ينعم بالخدمات الأساسية. ولكن لتمرير القفزة الكبرى ونيل صفة مدينة، يضع الشارع التنظيمي الإسرائيلي شروطاً ومقومات محددة تبدأ بالعتبة الديموغرافية، وتجاوز عدد السكان حاجز الـ20 ألف مستوطن، وهو ما يخطط لـ"مشمار يهودا" تجاوزه سريعاً عبر الدفعة الأولى من الشقق.
إضافة إلى توفر مخطط هيكلي شامل لا يقتصر على الشقق فقط، بل يشمل مجمعات تجارية، جامعات أو معاهد عالية، مراكز صحية متكاملة، ومناطق صناعية تؤمن الدخل الذاتي للبلدية، وإنشاء شبكة طرق التفافية سريعة ومستقلة، تضمن وصول المستوطن إلى قلب القدس أو تل أبيب من دون المرور بأي قرية أو حاجز فلسطيني. هذا التحول الإداري ليس مجرد تسمية شكلية، بل هو "جواز سفر" قانوني يفتح أرقام الميزانيات الحكومية المباشرة، ويجعل تفكيك التجمع في أي مفاوضات سياسية أمراً معقداً وشبه مستحيل. وبحسب التقديرات الرسمية الإسرائيلية، يزيد عدد السكان في مستوطنة "موديعين عيليت" غرب رام الله على 85 ألف مستوطن وقد أدى هذا التوسع والزيادة الكبيرة في تدفق المستوطنين الى إغلاق الحدود الغربية لرام الله وفصلها كلياً عن الداخل. فيما يزيد عدد سكان مستوطنة "بيتار عيليت" غرب بيت لحم على 65 ألف مستوطن، وقد أسهمت زيادتهم بالتهام ومصادرة أراضي قرى نحالين وحوسان ووادي فوكين. أما "معالي أدوميم" شرق القدس فيزيد عدد سكانها على 40 ألف مستوطن وهو ما مكنها من شطر الضفة الغربية إلى نصفين وفصل القدس عن صحرائها. وتعد مستوطنة "أريئيل" الواقعة في قلب مدينة سلفيت وسط الضفة الغربية حاضنة لأكثر من 20 ألف مستوطن تمكنت من خلالهم من قطع التواصل بين شمال الضفة ووسطها وتضم جامعة كاملة. واليوم ستعمل "مشمار يهودا" (قيد الإنشاء) شمال شرقي بيت لحم ضمن مخطط لاحتواء أكثر من 30 ألف مستوطن لخنق بيت لحم شرقاً وقطع التواصل مع الخليل والقدس.
قفزات متسارعة
هنا تتدخل الحكومة الإسرائيلية عبر "صندوق دائرة أراضي إسرائيل" ووزارة البناء والإسكان لتطرح مدن الضفة الغربية، وعلى رأسها مشروع "مشمار يهودا"، كـ"جنة سكنية بأسعار مدعومة، خصوصاً مع الفارق السعري الهائل، إذ تباع الشقة السكنية بالمواصفات ذاتها في المدن الاستيطانية (مثل بيتار عيليت وموديعين عيليت ومرشحاً في مشمار يهودا) بسعر يتراوح ما بين 1.1 إلى 1.5 مليون شيكل فقط (بين 368 و502 ألف دولار)، أي بأقل من 50 إلى 60 في المئة من سعرها داخل الساحل الإسرائيلي. وتظهر تقارير حركة "السلام الآن" الإسرائيلية الحقوقية أن الحكومة الإسرائيلية تقدم حزم دعم تشمل قروضاً عقارية (تصل إلى 80 في المئة من قيمة العقار)، وإعفاءات ضريبية تصل إلى سبعة في المئة من الدخل الفردي، إلى جانب دعم البنية التحتية والمؤسسات التعليمية بنسبة 100 في المئة. وتشير بيانات مركز "تاوب" للدراسات السياسية الاجتماعية إلى أن مجتمع "الحاريديم" (اليهود المتدينين) الذي يسجل أعلى معدل نمو سكاني في إسرائيل (أكثر من أربعة في المئة سنوياً)، يعاني نسبة فقر تتجاوز 44 في المئة، الأمر الذي يدفع "الحاريديم" والطبقات الضعيفة التوجه إلى "المدن الاستيطانية ذات الطابع الديني" كخيار معيشي واقتصادي لا بد منه للهروب من الغلاء المفرط داخل إسرائيل. ومن هنا يتحول "المستوطن الاقتصادي" إلى حربة ديموغرافية تثبت السيطرة على جغرافيا بيت لحم والضفة. وتوضح البيانات الإحصائية الصادرة عن مؤسسات حقوقية ومراكز أبحاث مختصة، مثل حركة "السلام الآن" وجهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، حقيقة التحول الديموغرافي القائم، إذ لم يكن عدد المستوطنين في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) عام 1990 يتجاوز 78 ألف مستوطن في حين ارتفع الرقم عام 2000 ليصل إلى نحو 192 ألف مستوطن، وقفز في عام 2010 إجمالي المستوطنين ليتجاوز 314 ألف مستوطن. أما اليوم فيتجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس الشرقية حاجز 750 و780 ألف مستوطن، يتوزعون على أكثر من 140 مستوطنة رسمية وعشرات البؤر الرعوية والصناعية. وتكمن الخطورة الفعلية في أن معدل النمو السكاني الاستيطاني في الضفة الغربية يسجل سنوياً ما بين 2.2 و3 في المئة، وهو يقارب ضعف معدل النمو الطبيعي داخل إسرائيل نفسها، مما يعكس الضخ الحكومي والتسهيلات الاقتصادية والائتمانية الكبيرة الممنوحة للانتقال إلى هذه المدن.
خنق بيت لحم
تقع "مشمار يهودا" في منطقة شديدة الحساسية الجيوسياسية، تتقاطع فيها حدود بلدات زعترة والفريديس وتقوع وكيسان وشرق العبيدية. وتتجاوز الأخطار المباشرة للمدينة الجديدة مجرد المصادرة الترابية لتصل إلى ضرب أركان الهيكل الاجتماعي والاقتصادي للجنوب الفلسطيني، وخصوصاً لمحافظة بيت لحم المحاصرة تاريخياً بجدار الفصل والكتل الاستيطانية من الشمال والغرب. وتأتي "مشمار يهودا" في الشرق والجنوب الشرقي لتغلق النافذة والأفق الوحيد المتبقي للمحافظة نحو باديتها ومساحاتها المفتوحة، مما يحولها إلى "كانتون" مغلق عاجز عن النمو العمراني أو الاستثمار الاقتصادي. كذلك يحكم المخطط الخناق على الطريق الممتد بين محافظتي بيت لحم والخليل جنوباً، والقدس ورام الله شمالاً. كيف لا والهدف المخطط الضمني لـ"مشمار يهودا" هو وصل كتلة "غوش عتصيون" بالقدس وباديتها، مما يجهز تماماً على فكرة الإقليم الفلسطيني المتصل بل ويصل إلى تدمير الاقتصاد الرعوي والبدوي في المنطقة، إذ تعد الأراضي المستهدفة خزاناً حيوياً لرعي المواشي والزراعة البعلية. وسيؤدي إنشاء المدينة إلى تهجير غير مباشر للتجمعات البدوية (مثل عرب الرشايدة والربايعة) وحرمانها من الوصول لمنابع المياه والمراعي التاريخية.
نسف الاستقرار
تتفاوت المواقف الدولية والمحلية حول هذا المشروع بين تأكيد متطرف للضم الميداني، ورفض حاسم يعد الخطوة نسفاً لقواعد القانون الدولي. فمن وجهة نظر وزير المالية والوزير المسؤول عن الاستيطان في وزارة الدفاع الإسرائيلية بتسلئيل سموتريتش، فإن إعلان أراضي الدولة وبناء مدن جديدة مثل مشمار يهودا "ليس مجرد حل لأزمة السكن الإسرائيلية، بل هو خطوة استراتيجية لتثبيت حضورنا في يهودا والسامرة ومنع قيام دولة فلسطينية تهدد أمننا". من جانبهم، رأى قادة مجلس مستوطنات "غوش عتصيون" أن المشروع يمثل "حجر الزاوية لتطوير شرق القدس وبيت لحم، ويربط التجمعات الاستيطانية بشبكة أمان جغرافية واقتصادية متكاملة". في المقابل أكدت الرئاسة الفلسطينية ووزارة الخارجية في بيان رسمي أن ما يجري في شرق بيت لحم عبر إقرار مدينة "مشمار يهودا" هو "ضم فعلي وجريمة تطهير عرقي صامتة، تهدف إلى إبادة خيار حل الدولتين وتدمير المقومات الأساسية لأي كيان فلسطيني مستقبلي". وصرحت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في بيان بأن "تخصيص ملايين الأمتار المربعة تحت اسم أراضي دولة لإسرائيل هو أضخم عملية مصادرة تشهدها محافظة بيت لحم منذ عقود، وتأتي ضمن مخطط تحويل المستوطنات إلى مدن مركزية لفرض واقع ديموغرافي لا يمكن الرجوع عنه". في حين أكد الاتحاد الأوروبي في تصريح رسمي للناطق باسم الخارجية الأوروبية "أن توسيع المستوطنات وإعلان الأراضي المحتلة 'أراضي دولة' يتعارض مع القانون الدولي وقرار مجلس الأمن رقم 2334، ويقوض جهود السلام والاستقرار في المنطقة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الميدان والقانون
خبراء ومتخصصون في الشأن السياسي والجغرافي أجمعوا على خطورة هذه المرحلة، وقال خبير الخرائط والاستيطان خليل التفكجي "إن تحول المستوطنة من بؤرة صغيرة إلى 'مدينة إدارية' يعني نقل الملف من صلاحيات الجيش إلى القوانين المدنية الإسرائيلية". وأضاف "مشروع مشمار يهودا سينشئ بنية تحتية مستقلة تماماً من شبكات طرق التفافية وخطوط مياه ومراكز تجارية، مما يرسخ الضم الفعلي من دون الحاجة لإعلان سياسي رسمي". فيما أشار أستاذ القانون الدولي محمد شلالدة إلى أن "إعلان إسرائيل لهذه المساحات كـ'أراضي دولة' يمثل انتهاكاً صريحاً للمادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو إجراء تغييرات ديموغرافية وجغرافية دائمة فيها". وأكد أن هذا المخطط "يوفر أدلة إضافية للمحكمة الجنائية الدولية بشأن جرائم الاستيطان". ويرى المحلل السياسي سليمان بشارات أن محاولة الحكومة الإسرائيلية تقديم المخطط بغلاف اجتماعي موجه للأزواج الشابة يأتي "لحشد تأييد داخلي"، مشيراً إلى أن البعد الحقيقي هو "بعد جيوسياسي يعيد رسم حدود القدس الكبرى، ويحول المدن الفلسطينية الرئيسة إلى جزر معزولة داخل بحر استيطاني متلاطم".
إن مشروع مدينة "مشمار يهودا" ليس مجرد خطة تنظيمية أو حل إسرائيلي لأزمة سكن عابرة، بل هو إنذار لمرحلة جديدة من الصراع على الأرض والمكان عبر تحويل التلال والبراري إلى مجمعات إسمنتية وأحياء مدنية ضخمة، تسارع السلطات الإسرائيلية الزمن لفرض واقع جيو-ديموغرافي يجعل من تجزئة الضفة الغربية أمراً موجزاً وناجزاً. وبينما تقف القرارات الدولية عند حدود التنديد القولي، تبقى أراضي بيت لحم وباديتها تسابق الزمن تحت جنازير الجرافات. وبين أوراق التخطيط ومخططات الهيكلة الإسرائيلية، يواصل أمثال عبدالقادر النظر إلى تلالهم المصادرة، مدركين أن ما يبنى اليوم ليس مجرد بيوت للمستوطنين، بل هو خنادق من أسمنت تحاصر حلم جيل كامل بالاستقلال والتواصل على أرضه.