ملخص
زيارة شي جينبينغ لمصر تفتح مرحلة جديدة في الشراكة الاقتصادية بين القاهرة وبكين، مع توقيع 5 اتفاقات وأكثر من 20 وثيقة تعاون.
وصل الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى مصر في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس صيني منذ نحو 10 أعوام، في محطة اقتصادية وسياسية تحمل دلالات تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً مع تصاعد الاضطرابات الإقليمية وتأثر طرق التجارة والطاقة العالمية بالحرب على إيران.
وعقد الرئيس عبدالفتاح السيسي ونظيره الصيني محادثات موسعة اليوم الأربعاء في قصر الاتحادية بالقاهرة، أعقبها توقيع مجموعة من الاتفاقات ومذكرات التفاهم، فيما أكدت الرئاسة المصرية توقيع أكثر من 20 وثيقة تعاون إضافية بين المؤسسات والجهات في البلدين، وتشير النتائج المعلنة إلى محاولة نقل العلاقات المصرية - الصينية من نموذج يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة والمشاريع والبنية الأساسية إلى نموذج أكثر تركيزاً على التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد والتصدير والاقتصاد الرقمي.
5 اتفاقات ومذكرات تفاهم
وتضمنت مراسم التوقيع الرسمية خمس اتفاقات ومذكرات تفاهم رئيسة، الأولى في شأن قائمة أولويات التعاون في إطار "رؤية مصر 2030" ومبادرة "الحزام والطريق" الصينية، بما يضع إطاراً أوسع لربط مشاريع التنمية المصرية بالأولويات الاستثمارية الصينية، وقعها عن الجانب المصري وزير الخارجية بدر عبدالعاطي، وعن الصين رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، وجرى كذلك توقيع اتفاق التعاون الاقتصادي والفني بين البلدين، بما يدعم التعاون التنموي والفني بين القاهرة وبكين.
أما الاتفاق الثالث فيتعلق بتعزيز التعاون الاقتصادي في مجال سلاسل الصناعة والإمداد، وهي من أكثر الوثائق ارتباطاً بالهدف المصري المعلن لتوطين الصناعة وزيادة مشاركة الشركات الصينية في الإنتاج المحلي، بدلاً من الاقتصار على استيراد السلع الجاهزة، وتضمنت الحزمة أيضاً مذكرة تفاهم للتعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات، في إطار توسيع التعاون التكنولوجي والرقمي بين البلدين.
ومن بين الوثائق أيضاً، مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس ووزارة التجارة الصينية، بهدف تعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري في المنطقة التي أصبحت بالفعل أحد أهم مراكز النشاط الصناعي الصيني في مصر، وقالت الرئاسة إن أكثر من 20 وثيقة أخرى جرى توقيعها خلال الزيارة، في مجالات التكنولوجيا والتمويل والاقتصاد الرقمي والمواصلات والإعلام وغيرها.
السخنة تتصدر المشهد الصناعي
وكان أبرز الإعلانات الاقتصادية التي خرجت من القمة الاتفاق على تدشين المرحلة الثالثة من توسعات المنطقة الصناعية المصرية - الصينية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وقال الرئيس السيسي إن المرحلة الجديدة تمثل انطلاقة جديدة للتعاون في قطاعات تشمل الطاقة المتجددة، وصناعة السيارات، والنسيج والألياف الكيماوية، وتكتسب هذه الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى حجم الحضور الصيني الحالي في المنطقة، إذ قالت الحكومة المصرية إن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس جذبت نحو 4 مليارات دولار من الاستثمارات الصينية، في حين تضم المنطقة الصناعية المصرية - الصينية بالفعل عشرات الشركات والمشاريع، وتريد القاهرة استخدام هذه المنطقة لاستقبال الاستثمارات، وكمنصة للإنتاج والتصدير، مستفيدة من الموقع الجغرافي لقناة السويس والاتفاقات التجارية التي تربط مصر بأسواق عربية وأفريقية وأوروبية.
500 مليون دولار للإطارات
كذلك وقعت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس ومجموعة "ZC Rubber" الصينية خطاب نيات لدرس إقامة مجمع صناعي متكامل لتصنيع إطارات السيارات والشاحنات في منطقة السخنة الصناعية، وتبلغ قيمة الاستثمارات التقديرية 500 مليون دولار، على مساحة مبدئية تقارب 600 ألف متر مربع، مع خطة لتنفيذ المشروع على ثلاث مراحل، وتوجيه نحو 95 في المئة من الإنتاج إلى التصدير، ولا يُوصف الرقم بأنه "استثمار صيني جرى ضخه في مصر"، لأن الوثيقة الموقعة اليوم مجرد خطاب نيات لدرس إقامة المشروع، أي أن لا يزال بحاجة إلى استكمال الدراسات والإجراءات الخاصة بالتنفيذ، وفي حال تحوله إلى مشروع فعلي فسيكون من أكبر مشاريع صناعة الإطارات في مصر، مع استهداف إنتاج السيارات والشاحنات وربط المصنع بشبكة التصدير الإقليمية.
شراكة جديدة مع "Tianneng"
وفي قطاع السيارات والطاقة، شهد اليوم أيضاً توقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة "منصور" وشركة "Tianneng" الصينية لدرس فرص التعاون والاستثمار في تصنيع البطاريات وحلول تخزين الطاقة في مصر، وتشمل المذكرة درس إنتاج بطاريات الرصاص للسيارات، وبطاريات الليثيوم لمركبات الطاقة الجديدة، في خطوة ترتبط مباشرة بإستراتيجية توطين الصناعات المغذية للسيارات الكهربائية، وهنا أيضاً يجب التمييز بين المذكرة وبين الاستثمار النهائي، فالوثيقة تتعلق بدرس فرص التعاون والاستثمار، وليست إعلاناً عن ضخ رأسمال نهائي بقيمة محددة حتى الآن.
ولا يقتصر التحول الأبرز في العلاقات خلال المرحلة الجديدة على المصانع التقليدية، فبحسب البيان المشترك الذي نقلته "رويترز"، اتفق الجانبان على توسيع التعاون في مراكز البيانات وأشباه الموصلات وسلاسل إمداد المعادن والمواد الحرجة، إضافة إلى توسيع التعاون التكنولوجي والاقتصاد الرقمي، وتكشف هذه البنود عن اهتمام صيني ومصري ببناء شراكة في قطاعات ترتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي الجديد، خصوصاً الحوسبة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد المرتبطة بالصناعات المتقدمة، وأكد الرئيس السيسي أن المرحلة المقبلة ستشهد تعاوناً أوسع في الطاقة المتجددة وصناعة السيارات والنسيج والألياف الكيماوية، بما يوسع نطاق التصنيع المشترك.
اليوان والجنيه في مواجهة الدولار
ولا تقتصر التحركات الاقتصادية على الاستثمار والتجارة، فقد تعززت أيضاً البنية المالية للعلاقات، ففي يونيو (حزيران) الماضي جدد البنك المركزي المصري وبنك الشعب الصيني اتفاق مبادلة العملات المحلية مدة ثلاثة أعوام إضافية، مع رفع قيمتها إلى 30 مليار يوان صيني (نحو 4.43 مليار دولار) في مقابل 18 مليار يوان في الاتفاقات السابقة، ويستهدف الاتفاق دعم التجارة الثنائية وتسوية جزء من التعاملات بالجنيه المصري واليوان الصيني، وتقليل الاعتماد على الدولار في التعاملات الثنائية، وخلال زيارة شي أكد البلدان أيضاً رغبتهما في زيادة استخدام العملات المحلية في التجارة والاستثمار، بما يضيف بعداً مالياً إلى الشراكة الاقتصادية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يشار إلى ارتفاع حجم التجارة ما بين مصر والصين إلى نحو 20.78 مليار دولار خلال 2025، من 17.37 مليار دولار عام 2024، بنمو مقداره نحو 19.6 في المئة، لكن المشكلة الرئيسة بالنسبة إلى القاهرة لا تزال تتمثل في اختلال الميزان التجاري لمصلحة الصين، وقالت "رويترز" إن مصر استوردت نحو 10 مليارات دولار من السلع الصينية خلال النصف الأول من عام 2026 وحده، ولهذا تركز القاهرة على زيادة الصادرات المصرية، خصوصاً المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية، وتحويل الاستثمارات الصينية إلى مصانع إنتاجية يمكنها توفير حاجات السوق المحلية، وتوليد صادرات وعملة أجنبية، وقد وقّعت الشركات المصرية في أغسطس (آب) الماضي 17 عقداً تصديرياً مع مشترين صينيين بقيمة نحو 168 مليون دولار، شملت منتجات زراعية وغذائية ومعادن ومنتجات هندسية وجلوداً ومنسوجات.
لماذا تهتم الصين بقناة السويس؟
تتمثل إحدى أهم مزايا مصر بالنسبة إلى الصين في موقعها عند ملتقى طرق التجارة العالمية، فالقاهرة تملك قناة السويس، وأصولاً لوجستية وموانئ ومناطق صناعية مرتبطة بها، إضافة إلى سوق محلية كبيرة، وقربها من أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، وتقول "رويترز" إن الاستثمارات الصينية في مصر شملت بالفعل الموانئ، والهيدروجين الأخضر، وصناعة أنابيب الحديد والإطارات والأقمار الاصطناعية، بينما أصبحت المنطقة الاقتصادية لقناة السويس نقطة ارتكاز رئيسة للوجود الصناعي الصيني، وبالتالي فإن توسيع المنطقة الصناعية المصرية - الصينية يمنح بكين إمكان بناء قاعدة إنتاج قريبة من عدد كبير من الأسواق، ويمنح مصر في المقابل فرصة لتحويل موقعها الجغرافي إلى قيمة مضافة صناعية، بدلاً من الاقتصار على إيرادات المرور والخدمات اللوجستية.
وتأتي زيارة شي في توقيت شديد الحساسية، فالحرب على إيران أدت إلى اضطرابات في طرق التجارة والطاقة، وأثرت في الملاحة عبر مناطق إستراتيجية، خصوصاً مضيق هرمز وباب المندب، وقال شي خلال الزيارة إن الصين مستعدة للعمل مع دول المنطقة للمساعدة في حماية طرق الشحن، بينما اتفق البلدان على تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب والأمن وحماية الملاحة، وقد دعا الرئيس الصيني دول الشرق الأوسط إلى تعزيز قدرتها على إدارة أمنها الإقليمي، بعيداً من التدخلات الخارجية، في إشارة تؤكد أن زيارة القاهرة تحمل في الوقت نفسه بعداً إستراتيجياً يتجاوز الاقتصاد، أما بالنسبة إلى مصر فتندرج الشراكة مع الصين في إطار ما وصفه الرئيس السيسي بسياسة "التوازن الإستراتيجي"، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية، بدلاً من الاعتماد على قوة واحدة أو محور واحد.
ماذا تغير في العلاقة المصرية - الصينية؟
تكشف نتائج زيارة شي عن تحول واضح في هيكل العلاقات، فخلال المرحلة السابقة كانت علاقة الصين مع مصر مرتبطة بمشاريع البنية التحتية والإنشاءات والطاقة وبعض الصناعات، وهي الآن تتجه الآن إلى قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، تشمل السيارات والبطاريات والإطارات والطاقة المتجددة والتكنولوجيا ومراكز البيانات وأشباه الموصلات وسلاسل الإمداد والاقتصاد الرقمي، وهذا التحول هو الجزء الأكثر أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد المصري، لأن نجاحه لن يقاس بقيمة الاستثمارات المعلنة، وإنما بقدرة هذه المشاريع على إنتاج سلع محلية، وتوفير وظائف، ونقل التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتحسين قدرة مصر على توفير النقد الأجنبي.
ولا تكمن الأهمية الحقيقية لزيارة شي جينبينغ إلى القاهرة في عدد الاتفاقات وحدها، بل في نوعية الشراكة التي يجري بناؤها، فالقاهرة تريد من الصين رأس المال والتكنولوجيا والتصنيع والأسواق، بينما تريد بكين في مصر سوقاً كبيرة وقاعدة إنتاج وتصدير وموقعاً لوجستياً بالغ الأهمية عند قناة السويس، ليبقى الاختبار الحقيقي خلال الفترة المقبلة في الانتقال من مذكرات التفاهم وخطابات النيات إلى العقود النهائية والتنفيذ الفعلي، ومشروع الإطارات بقيمة 500 مليون دولار مثال واضح على ذلك، فالرقم كبير وجاذب للعناوين، لكن المرحلة الحالية لا تزال مرحلة درس.
أما المرحلة الثالثة من المنطقة الصناعية المصرية - الصينية والاتفاقات الموقعة اليوم، فهي تمثل الإطار المؤسسي الذي يمكن أن يحول هذه التفاهمات إلى استثمارات صناعية فعلية خلال الأعوام المقبلة، وبذلك تبدو زيارة شي جينبينغ أقرب إلى إعادة تأسيس اقتصادية للعلاقة المصرية - الصينية، ضمن توقيت تعيد فيه الحرب الإقليمية تشكيل التجارة العالمية والتحالفات الاقتصادية وطرق الطاقة والنقل في الشرق الأوسط.