ملخص
يعود مشروع قانون "تمثيل الشعب" لمجلس العموم البريطاني محملاً بمئات التعديلات، أبرزها فرض سقف عام على التبرعات الحزبية يبدأ من 500 ألف جنيه إسترليني وينزل إلى 100 ألف في العام التالي، والحكومة التي كسرت قبل خمسة أشهر تقليداً عمره قرون، بفرضها أول سقف على تبرعات الناخبين المقيمين في الخارج، ترفض توسيعه إلى الداخل، لكن استطلاعات الرأي تقول إن 92 في المئة من الناخبين يؤيدون حداً للتبرع الفردي.
في الثاني من سبتمبر (أيلول) الجاري، عاد مشروع قانون "تمثيل الشعب" البرلمان البريطاني لمرحلة القراءة الثالثة، بعد تأخير امتد منذ يوليو (تموز) الماضي، رافق أيام كير ستارمر الأخيرة في رئاسة الحكومة، وأمام النواب مئات التعديلات، بينها نحو 100 تعديل حكومي، غير أن أكثرها إثارة للجدل تعديل تقدمت به النائبة العمالية ستيلا كريسي، يفرض سقفاً فورياً مقداره 500 ألف جنيه إسترليني على التبرع الواحد للأحزاب البريطانية، ينخفض إلى 100 ألف جنيه في العام التالي، ويلزم الحكومة بتحديد سقف دائم بعد استشارة اللجنة الانتخابية.
وبحسب صحيفة "بايلاين تايمز"، فقد حمل التعديل توقيع 31 نائباً حتى صباح الأول من سبتمبر الجاري، وهو ما وضعه ضمن الـ 20 الأكثر تأييداً، وكانت كريسي تقدمت بتعديل سابق يفرض سقفاً ثابتاً عند 100 ألف جنيه من دون مراحل انتقالية، ونال 46 توقيعاً لكنه بات أقل حظاً في الطرح بعد ظهور صيغة توافقية أحدث، صُممت أصلاً لتهدئة مخاوف النقابات العمالية.
جاءت التعديلات الحكومية خالية من أية إشارة إلى سقف محلي، لكن المفارقة أن الحكومة هي التي فتحت هذا الباب أصلاً، ففي مارس (آذار) الماضي أعلن وزير الإسكان والحكم المحلي حينها ستيف ريد، إضافة إلى وزير الأمن دان جارفيس، فرض سقف سنوي مقداره 100 ألف جنيه على تبرعات الناخب المقيم في الخارج، مع حظر كامل للتبرعات بالعملات المشفرة إلى حين إرساء تنظيم كاف لها، وقال ريد، وفق ما نقلت وكالة "رويترز"، إن حظر التبرعات المشفرة "أمر حيوي" لإغلاق طريق واضح أمام تسلل أموال غير مشروعة إلى السياسة، وطُبق الإجراءان من يوم الإعلان نفسه بأثر رجعي عبر تعديل يدرج في مشروع القانون، مع مهلة 30 يوماً تعيد فيها الأحزاب والجهات المنظمة أي تبرع غير قانوني، قبل بدء إجراءات الإنفاذ.
وجاء القرار تنفيذاً لمراجعة مستقلة أنجزها الأمين الدائم السابق فيليب رايكروفت في شأن التأثير المالي الأجنبي في السياسة البريطانية، وضمت 17 توصية، وفي السادس من يوليو الماضي أعلنت الحكومة قبول بقية توصيات المراجعة، وأضافت سقفاً زمنياً يسري على من انتقلوا حديثاً للإقامة في بريطانيا، إذ يظل حد الـ100 ألف جنيه سارياً عليهم حتى إتمام سنة تقويمية كاملة من الإقامة، إضافة إلى اختبارات أشد على تبرعات الشركات، تُحتسب على أساس الأرباح لا الإيرادات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تقليد التطوعية
في بحث نشرته مكتبة مجلس العموم في الـ 24 من أغسطس (آب) الماضي، ورد أن حدود الإنفاق الانتخابي مفروضة على المرشحين منذ عام 1883 وعلى الأحزاب منذ عام 2000، لكن إقرار مشروع القانون سيمثل المرة الأولى في التاريخ التي يخضع فيها التبرع نفسه لحد أعلى، وأشار البحث إلى أن هذا الانقطاع عن تقليد "التطوعية" الذي يقوم عليه تمويل الأحزاب، هو ما جدد المطالبات بتوسيع السقف، ليشمل بقية المتبرعين المسموح لهم.
وفي الـ 26 من أغسطس الماضي أيضاً أوردت صحيفة "ذا غارديان" أن رئيس الوزراء آندي بيرنهام تخلى عن دعمه لسقف التبرعات، بعد حملة ضغط من النقابات الممولة لحزب العمال، وكان بيرنهام قد كتب في مايو (أيار) الماضي، أي قبل وصوله إلى السلطة، أنه يؤيد سقفاً للتبرعات السياسية، لأنه برأيه "يقي من انطباع أن حزباً بعينه يتأثر أو يُستمال على نحو غير مبرر، من شخص أو مؤسسة واحدة، مضيفاً أن "حدسه يرجح مستوى في حدود 500 ألف"، ونقلت "بايلاين تايمز" في يونيو (حزيران) الماضي عنه قوله إنه "يفضل البدء بسقف مرتفع ثم خفضه تدرجياً، وإن ويستمنستر تحتاج إلى تغيير ثقافي شامل".
مصدر في حزب "العمال" قال إن مشروع القانون البرلماني صمم أصلاً لتنفيذ التزام البرنامج الانتخابي في شأن التصويت في سن الـ16، وتشديد قواعد التبرع لصد التدخل الأجنبي، وإن الحكومة "لا تستبعد خطوات إضافية لحماية الديمقراطية مستقبلاً"، ويستند دعاة السقف إلى تركز التمويل في أيد قليلة، فوفق أبحاث منظمة "الشفافية الدولية" فرع بريطانيا، ارتفعت حصة التبرعات الآتية من أفراد وشركات تمنح مليون جنيه فأكثر، من واحد في المئة من مجموع التبرعات عام 2015 إلى 35 في المئة عام 2024، وبحسب منظمة "أنلوك ديموكراسي" فقد منح ثلاثة أفراد في الربع الأول من عام 2026 أكثر من 8 ملايين جنيه، أي ما يعادل جنيهين من كل خمسة تلقتها الأحزاب، ويتصدر حزب "ريفورم" النقاش، فوفق بحث لمنصة "ديموكراسي فور سيل"، جاء 23 مليون جنيه من أصل 30 مليوناً تلقاها الحزب منذ تأسيسه عام 2019 من ثلاثة رجال، وهم كريستوفر هاربورن وجيريمي هوسكينغ وريتشارد تايس، وكان هاربورن المقيم في تايلاند وصاحب المصالح الواسعة في العملات المشفرة، قد تبرع بـ 9 ملايين جنيه في سبتمبر 2025، وهو أكبر تبرع سياسي فردي من شخص حيّ في تاريخ بريطانيا، بينما يبقى أكبر تبرع على الإطلاق 10 ملايين جنيه، أوصى بها اللورد جون سينسبري لـ "المحافظين" عام 2023.
المجتمع المدني
وجّه 21 من ممثلي منظمات المجتمع المدني والشخصيات العامة رسالة مفتوحة إلى بيرنهام، تدعوه إلى استغلال مشروع القانون لفرض "سقف منخفض وصارم"، وقال مدير حملة "كلين أب ويستمنستر"، أولي بستون، إن السياسة البريطانية "عالقة في سباق تسلح تمويلي، وإن الجمهور يعرف أن كبار المتبرعين يشترون النفوذ".
وكانت مؤسسة "سيرفيشن" أجرت استطلاعاً نهاية عام 2025 أظهر تأييد 57 في المئة من البريطانيين لسقف التبرعات، في مقابل معارضة سبعة في المئة، ووجدت المؤسسة نفسها أن 47 في المئة من ناخبي "ريفورم" يؤيدون السقف، وفي متابعة نشرتها "يوغوف" في الـ 15 من يونيو الماضي، أيد أكثر من 50 في المئة إما حظراً كاملاً وإماً حداً عند 500 أو 5 آلاف جنيه للتبرعات الفردية (55 في المئة) وتبرعات الشركات (54 في المئة) والنقابات (59 في المئة)، أما استطلاع أجري لمصلحة "فير فوت" فأظهر تأييد 92 في المئة لحد أقصى للتبرع الفردي.
وفي الـ 10 من يوليو الماضي، وجهت نقابة "جي إم بي" رسالة إلى أكثر من 80 نائباً عمالياً منتسباً إليها، تدعوهم إلى رفض تعديلات تحدد التبرعات عند 100 ألف أو مليون جنيه، وجاء فيها أن التعديل ينطوي على خطر عواقب جسيمة غير مقصودة، وتشاطر نقابات أخرى منتسبة إلى الحزب المخاوف نفسها، ولا سيما في شأن رسوم الانتساب التي تتدفق سنويا إلى "العمال"، ويبدو أن مسؤولي الانضباط الحزبي اتصلوا بنواب لحضهم على أخذ تحفظات النقابة في الاعتبار، وأن بعضهم سحب تأييده للتعديل.
وبحسب تحليل نشرته لجنة الانتخابات في البرلمان، كان سقف مرتفع نسبياً عند مليون جنيه كفيلاً بخفض دخل التبرعات خفضاً كبيراً في عام الانتخابات العامة أو العام السابق له، وكان الأثر الأشد في حزبي "المحافظين" و"العمال"، لارتفاع دخلهما واعتمادهما على التبرعات الكبيرة، مع أثر مماثل في "ريفورم" عامي 2024 و2025، أما بقية الأحزاب فلا تتأثر إلا إذا هبط السقف دون 100 ألف جنيه سنوياً.
محاولات سابقة
ليست هذه المحاولة الأولى لتقييد التبرعات في بريطانيا، ففي عام 2007 أجرى هايدن فيليبس مراجعة واسعة لتمويل الأحزاب في أعقاب فضيحة "القروض في مقابل الألقاب" التي تلت انتخابات عام 2005، وأوصى بسقف مقداره 50 ألف جنيه، يعوض نقص الدخل الناجم عنه بزيادة التمويل العام، ثم قاد محادثات بين "العمال" و"المحافظين" و"الليبراليين" على قاعدة "لا شيء متفق عليه حتى يُتفق على كل شيء"، فانهارت المفاوضات على خلاف حول كيفية إدراج النقابات في السقف، وفي عام 2011 نشرت "لجنة المعايير في الحياة العامة" تقريرها "إنهاء ثقافة المتبرع الكبير"، موصية بسقف عند 10 آلاف جنيه يشمل النقابات، ما لم يتحول انتساب أعضائها إلى نظام اختيار صريح بالانضمام لا الانسحاب، وسجلت النائبة العمالية الدايم مارغريت بيكيت مذكرة اعتراض قالت فيها إن لديها "مخاوف جدية" حول معاملة رسوم الانتساب النقابي، فيما اعترض ممثل "المحافظين" السير أوليفر هيلد، لأن السقف منخفض أكثر مما ينبغي.
ولم تأخذ حكومة الائتلاف حينها بالتوصيات، إذ قال نائب رئيس الوزراء نيك كليغ إن "الحكومة تقبل من حيث المبدأ تسقيف التبرعات، لكن لا ترى مسوغاً لزيادة التمويل الحكومي للأحزاب، في وقت تضغط الموازنات".
وكانت الأحزاب الثلاثة قد التزمت جميعاً بسقف للتبرعات خلال برامجها الانتخابية عام 2010، ووفق مكتبة مجلس العموم، فثمة عائقان حالا دون فرض سقف للتبرعات السياسية في بريطانيا، وهما العجز عن الاتفاق على وضع النقابات، وغياب الإسناد الشعبي لزيادة التمويل العام، وقد أظهرت مجموعات النقاش التي أجرتها لجنة المعايير عام 2011 أن قبول التمويل الحكومي يتراجع حين يعرض بوصفه ثمناً للسقف، بينما وجدت ورش تداولية أجرتها اللجنة الانتخابية عام 2026 أن التعرض للتجارب الدولية يغير المواقف تغيراً ملموساً، ولا سيما حين يقدم التمويل العام باعتباره وسيلة لتقليص نفوذ كبار المتبرعين.
وفي المقارنة الدولية تُظهر قاعدة بيانات "المعهد الدولي للديمقراطية" أن نصف الدول الـ175 المتوافرة بياناتها تحد من التبرعات خارج فترات الانتخابات، فمثلاً تحد كندا التبرعات عند 1500 دولار كندي، وفرنسا عند 7500 يورو، وإيرلندا عند 2500 يورو، وأستراليا عند 50 ألف دولار أسترالي، بينما لا تفرض ألمانيا والدنمارك والنرويج ونيوزيلندا حدوداً، وفي المحصلة فإن الحملات المطالبة بسقف للتبرعات تستند إلى تصور عام لدى الجمهور بأن المال يشتري السياسات، لا إلى وقائع مثبتة تربط تبرعاً بعينه بقرار حكومي بعينه، وتقول النقابات إن رسوم الانتساب تجميع لمساهمات صغيرة من مئات آلاف الأعضاء، وليست شيكاً من ثريّ واحد، وإن معاملتها معاملة التبرع الفردي تشويه لطبيعتها، فيما نبّهت مكتبة مجلس العموم إلى أن النمذجة لا تستطيع التنبؤ بسلوك المتبرعين.