Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اقتصاد "البدائل" في مصر.. كيف أعاد الغلاء تشكيل سلة المشتريات؟

من اللحوم إلى الدواجن ومن العلامات الكبرى إلى المنتجات المحلية يبحث المستهلك عن معادلة جديدة تجمع بين السعر المقبول والاحتياجات الأساسية

وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بلغ معدل التضخم الأساس 14.7% (رويترز)

ملخص

دفع ارتفاع الأسعار الأسر المصرية إلى إعادة ترتيب أولوياتها، واستبدال السلع والخدمات بأخرى أقل كلفة، لتتحول قرارات الشراء إلى أداة للتكيف الاقتصادي.

لم يعد الغلاء في مصر مجرد ارتفاع يظهر في مؤشرات التضخم الشهرية والسنوية، بل تحول إلى عامل يعيد تشكيل واحدة من أكثر العادات الاقتصادية اليومية وضوحاً: ماذا يشتري المصري، وكم يشتري، وماذا يستبدل؟

فمع استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة، حتى مع تباطؤ معدلات التضخم مقارنة بسنوات الذروة، أصبح المستهلك أكثر حساسية للفروق السعرية بين السلع، وأكثر استعداداً للتخلي عن اختيارات اعتادها إذا وجد بديلاً أقل كلفة.

وهكذا ظهرت ملامح ما يمكن تسميته "اقتصاد البدائل"، إذ لم يعد السؤال الأساس للأسرة هو: ما المنتج الذي أفضله؟ وإنما: ما المنتج الذي أستطيع تحمل سعره؟

وتظهر هذه المعادلة في تفاصيل الحياة اليومية: اللحوم في مقابل الدواجن، والمنتجات ذات العلامات التجارية الكبرى في مقابل المنتجات المحلية، والمطاعم في مقابل الطبخ المنزلي، والجديد في مقابل المستعمل، بل وحتى تقليص الكميات بدلاً من التخلي الكامل عن السلعة.

"لم أعد أشتري بالطريقة نفسها"

فتقول أ. سليم، ربة منزل، "في السابق كنت أشتري احتياجات المنزل بناء على ما نفضله، أما الآن فأبدأ بالسعر، فاللحوم أصبحت موجودة على المائدة مرات أقل، وأعتمد أكثر على الدواجن والبيض والبقوليات، حتى العلامات التجارية التي اعتدت شراءها أصبحت أستبدلها بمنتجات محلية عندما يكون الفارق في السعر كبيراً".

واختتمت "المشكلة أنني لا أشعر أنني أشتري أقل فحسب، وإنما أصبحت أفكر في كل جنيه قبل إنفاقه".

"المطاعم أصبحت مناسبة استثنائية"

على المنوال نفسه قالت موظفة بالقطاع الخاص لم ترد ذكر اسمها "كنت أطلب الطعام من المطاعم أكثر من مرة أسبوعياً، لكن هذا الأمر تغير تماماً، وأصبحت أفضل إعداد الطعام في المنزل، وأحياناً أجهز كميات أكبر لتكفي أكثر من يوم".

 

وأضافت "حتى عندما أشتري ملابس أو أدوات منزلية، أصبحت أبحث عن العروض وأقارن الأسعار بين أكثر من مكان"، قائلة "لم يعد اسم العلامة التجارية سبباً كافياً للشراء، فالسعر أصبح العامل الأول".

"أشتري الضروري وأؤجل الباقي"

أما سيد عبدالمنعم الموظف بإحدى الجهات الحكومية، فقال "أصبحت أتعامل مع دخلي بطريقة مختلفة، الأشياء التي كنت أشتريها فوراً أصبحت مؤجلة، وأحياناً أبحث عن المستعمل بدلاً من شراء الجديد، خصوصاً في الأجهزة والأثاث، كذلك لم تعد الكمية هي نفسها، إذا كان المنتج غالياً أشتري حجماً أصغر أو أنتظر العروض"، مضيفاً بنبرة تنم عن الحسرة "أشعر أن الغلاء جعلني أتعامل مع الشراء كأنه عملية حسابية مستمرة، وليس مجرد اختيار لما أريده".

التضخم يهدأ.. لكن فاتورة المعيشة لا تعود للخلف

تكمن المفارقة الأساسية في أن تباطؤ التضخم لا يعني انخفاض الأسعار ففي يونيو (حزيران) 2026، بلغ التضخم الحضري السنوي 14.3 في المئة، في مقابل 14.6 في المئة في مايو (أيار) 2026، بينما انخفضت الأسعار على أساس شهري 0.4 في المئة.

لكن هذا التحسن النسبي في معدل التضخم لا يعيد الأسعار لمستوياتها السابقة، بعدما تراكمت الزيادات خلال السنوات الماضية.

وفي يوليو الماضي، ارتفع التضخم الحضري مجدداً إلى 14.9 في المئة، وفق بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بينما بلغ التضخم الأساس 14.7 في المئة.

وهذا يعني أن الأسر لا تتعامل مع رقم التضخم الحالي وحده، وإنما مع مستوى سعري جديد أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

فالأسرة التي كانت تشتري كيلوغراماً من اللحوم بسعر معين قبل سنوات لا تستعيد قدرتها الشرائية بمجرد انخفاض التضخم، إذا ظل السعر الحالي أعلى بكثير من ذلك المستوى.

اللحوم في مقابل الدواجن.. البديل قبل الاستغناء

ربما تكون سوق البروتين الحيواني واحدة من أوضح ساحات اقتصاد البدائل، فعندما ترتفع أسعار اللحوم، لا يعني ذلك بالضرورة أن الأسرة ستتوقف عن تناول البروتين، لكنها قد تنتقل إلى الدواجن أو الأسماك أو البيض أو البقوليات، وفقاً للفروق السعرية المتاحة في السوق.

وتكشف بيانات التضخم نفسها عن حساسية هذه الفئة من الأسعار للتغيرات في العرض والطلب، ففي يونيو الماضي، تراجعت أسعار اللحوم والدواجن 6.4 في المئة على أساس شهري، في حين انخفضت أسعار الألبان والجبن والبيض 2.4 في المئة.

لكن تجربة المستهلك لا تتوقف عند التغير الشهري، فهو يعيد ترتيب موازنته بناء على الأسعار التي يتوقع استمرارها.

وفي فبراير (شباط) الماضي، لجأت وزارة التموين إلى خفض سعر الدواجن المجمدة في المجمعات الاستهلاكية إلى 100 جنيه للكيلوغرام، في إطار محاولة زيادة المعروض وتوفير بدائل أقل كلفة للمستهلكين.

وهنا يظهر الدور الاقتصادي للبديل: ليس بالضرورة أن تنخفض كلفة السلعة الأصلية، وإنما يستطيع المستهلك خفض فاتورته بالانتقال إلى سلعة أخرى تؤدي وظيفة استهلاكية مشابهة.

العلامة التجارية لم تعد مقدسة

التحول نفسه يظهر في المنتجات المعبأة والمنظفات والمشروبات والوجبات الخفيفة، فالمستهلك الذي كان يفضل علامة تجارية بعينها قد يجد نفسه أمام خيارين: الاستمرار في شرائها مع تقليص الكمية، أو اختيار منتج محلي أقل سعراً.

وتشير أبحاث شركة "Euromonitor" عن سوق اللحوم والمأكولات البحرية والبدائل في مصر إلى أن ارتفاع قيمة المبيعات في 2025 كان مدفوعاً بدرجة كبيرة بزيادة الأسعار، وليس بزيادة مماثلة في الاستهلاك، مع تحول المستهلكين نحو بدائل أقل كلفة وتراجع الولاء للعلامات التجارية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهذا التحول مهم بالنسبة إلى الشركات، لأن المستهلك الذي يتعلم البحث عن البديل يصبح أقل ارتباطاً بالعلامة التجارية وأكثر اهتماماً بالسعر، بمعنى آخر، "التضخم لا يغير حجم الطلب فحسب، وإنما يغير نوعية الطلب أيضاً".

وبدلاً من شراء عبوة كبيرة، تشتري الأسرة عبوة أصغر، وبدلاً من شراء أصناف عدة في زيارة واحدة، تقتصر على الضروريات. وبدلاً من التخزين، يتم شراء الاحتياجات على فترات أقصر، وهذا السلوك يعكس انتقال المستهلك من اقتصاد الوفرة إلى اقتصاد إدارة الموازنة.

المطعم في مقابل المطبخ

قطاع الطعام خارج المنزل يواجه المعادلة نفسها،فالأسرة التي اعتادت تناول الطعام في المطاعم أو طلبه عبر التطبيقات قد تعيد حساباتها عندما تصبح كلفة الوجبة الواحدة قريبة من كلفة إعداد وجبة منزلية تكفي الأسرة بأكملها.

وهذا لا يعني اختفاء الطلب على المطاعم، لكنه يعني أن المستهلك أصبح أكثر انتقائية، وقد يتحول الإنفاق من المطاعم مرتفعة الكلفة إلى مطاعم شعبية، أو من الطلب المتكرر إلى الطلب في المناسبات، أو من الوجبات الجاهزة إلى الطبخ المنزلي، وهنا يتحول الطبخ في المنزل إلى بديل اقتصادي وليس مجرد تفضيل اجتماعي.

الجديد في مقابل المستعمل

ولا يتوقف اقتصاد البدائل عند الغذاء، في الملابس والأثاث والأجهزة وبعض السلع المعمرة، يمكن أن يتحول المستهلك من شراء الجديد إلى المستعمل، أو يؤجل قرار الشراء، أو يختار إصلاح المنتج بدلاً من استبداله.

 

وهذا السلوك له أثر أوسع في الاقتصاد، لأن تراجع الطلب على السلع الجديدة قد يدفع الشركات إلى إعادة النظر في الأسعار، وأحجام العبوات، والعروض، وخطط الإنتاج، وبذلك يصبح المستهلك جزءاً من آلية إعادة توزيع الطلب داخل السوق.

شركات التجزئة أمام مستهلك مختلف

التغير في سلوك الأسر يفرض بدوره تحديات على شركات التجزئة، فالمستهلك أصبح أكثر مقارنة بين الأسعار، وأكثر اهتماماً بالعروض، وأقل استعداداً لدفع فارق كبير لمجرد اسم العلامة التجارية.

وفي الوقت نفسه، تظهر مؤشرات على تحسن أحجام الطلب لدى بعض الشركات الاستهلاكية، مع تراجع التضخم واستقرار سعر الصرف نسبياً، وهو ما أشار إليه تقرير أبحاث المجموعة المالية "هيرميس" حول توقعات 2026 بالنسبة إلى شركات السلع الاستهلاكية المصرية.

لكن هذا التحسن لا يعني عودة المستهلك لنمط الإنفاق السابق، فجزء من التعافي قد يأتي من إعادة ترتيب السلة، وليس من ارتفاع القدرة الشرائية وحدها.

هل يتحول الاقتصاد إلى "اقتصاد الأقل كلفة"؟

المشكلة أن استمرار هذا السلوك لفترة طويلة قد يغير هيكل السوق نفسه، فإذا أصبحت الأسر تعتمد بصورة متزايدة على المنتجات الأرخص، فقد تتوسع الشركات التي تعمل في الشرائح الاقتصادية، بينما تواجه المنتجات الأعلى سعراً صعوبة أكبر في الحفاظ على حصتها.

وقد يؤدي ذلك إلى ظهور سوق أكثر انقساماً بين منتجات اقتصادية تستهدف الكتلة الأكبر من المستهلكين، ومنتجات مرتفعة السعر تستهدف أصحاب الدخول الأعلى، وهذا يعني أن التضخم لا يعيد توزيع الدخل فحسب، وإنما يعيد توزيع الطلب أيضاً.

فكل جنيه إضافي تدفعه الأسرة للطعام أو السكن يعني جنيهاً أقل، يمكن إنفاقه على الترفيه أو الملابس أو المطاعم أو السلع المعمرة.

البدائل تكشف عما وراء رقم التضخم

وهنا تظهر أهمية النظر إلى التضخم من زاوية مختلفة، فالبيانات الرسمية تخبرنا بسرعة تغير الأسعار، لكنها لا تخبرنا وحدها كيف تعيد الأسرة ترتيب حياتها استجابة لهذا التغير، وهذا هو المكان الذي يصبح فيه "اقتصاد البدائل" مؤشراً مهماً.

فإذا انتقلت الأسرة من اللحوم إلى الدواجن، ومن العلامة التجارية إلى المنتج المحلي، ومن المطعم إلى المنزل، ومن الجديد إلى المستعمل، ومن العبوة الكبيرة إلى الصغيرة، فهي لا تقول فحسب إنها تواجه غلاء، بل تقدم أيضاً خريطة حية لكيفية تغير الاقتصاد من أسفل إلى أعلى.

والأهم أن هذا التحول قد يستمر حتى بعد انخفاض التضخم، لأن الأسر التي غيرت عاداتها لا تعود بالضرورة لنمطها السابق بمجرد تحسن المؤشرات.

في النهاية، لا يمكن قياس نجاح السيطرة على التضخم بمجرد انخفاض الرقم السنوي، الاختبار الأصعب هو: هل أصبح دخل الأسرة قادراً على شراء كمية أكبر من السلع والخدمات؟ إذا كانت الإجابة لا تزال سلبية، فسيستمر اقتصاد البدائل في التوسع.

أما إذا تراجعت الأسعار نسبياً، ونمت الدخول الحقيقية، وزاد المعروض، وتحسنت المنافسة، فقد يبدأ المستهلك تدريجاً في استعادة بعض اختياراته القديمة.

حتى ذلك الوقت، يبدو أن الغلاء ترك وراءه تغييراً أعمق من مجرد أرقام على بطاقات الأسعار: لقد علم المستهلك المصري أن يعيد تعريف احتياجاته، وأن يبحث عن البديل قبل أن يتخلى عن السلعة، وأن يجعل السعر شريكاً أساسياً في كل قرار شراء.

وهكذا، فإن "اقتصاد البدائل" ليس مجرد ظاهرة استهلاكية عابرة، بل انعكاس لتحول أوسع في العلاقة بين الدخل والأسعار والأولويات داخل الاقتصاد المصري.

اقرأ المزيد