Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السيادة الرقمية" في روسيا: حين يتحول الإنترنت إلى أداة حكم

تقييد وصول ما يقارب 140 مليون مستخدم يحدد مصير قطاع تكنولوجيا المعلومات وطبيعة تفاعل المجتمع مع الدولة

بين الأجيال الشابة ما يقارب 70 في المئة لا يؤيدون حجب الموارد الرقمية والواقع الإلكترونية (أ ف ب)

ملخص

تبني روسيا نموذجاً جديداً للإنترنت مغلقاً، خاضعاً للرقابة ومؤمماً، فبينما كان ينظر إلى الإنترنت العالمي على أنه فضاء للحرية، والروابط الأفقية، وتكافؤ الفرص، فإن "شبكة الإنترنت الروسية السيادية" تتحول إلى أداة للحماية الرقمية والاكتفاء الذاتي المعلوماتي.

يؤيد ربع الروس فقط حجب الدولة لمواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة والاتصالات الرقمية، بينما يعارض ما يقارب 40 في المئة هذه الإجراءات، وتختلف إجابات المشاركين بصورة كبيرة بحسب الفئة العمرية، فبين الأجيال الشابة، لا يؤيد ما يقارب 70 في المئة من المشاركين حجب الموارد الرقمية، بينما يؤيد ذلك ربع المشاركين فقط ممن تزيد أعمارهم على 58 سنة، بحسب استطلاع رأي أجري على مستوى البلاد في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

خلال الأعوام القليلة الماضية، تم حجب عديد من تطبيقات التواصل الاجتماعي والمراسلة جزئياً أو كلياً في روسيا. عام 2022، صنفت شركة "ميتا" كجهة متطرفة، وتم حظر حساباتها على "فيسبوك" و"إنستغرام"، وفي صيف عام 2024، عانى مستخدمو "يوتيوب" من تباطؤ في الخدمة، وفي أوائل أغسطس (آب) 2025، تم حظر المكالمات الصوتية على "تيليغرام" و"واتساب".

استكشف الباحثون أيضاً مواقف الروس تجاه تجاوز القيود التي تفرضها سلطات الرقابة الحكومية "باستخدام وسائل مختلفة" (VPN مثلاً)، وأشار معظم المشاركين إلى عدم اكتراثهم بهذه الممارسة، حيث أجاب نحو نصف المشاركين من مختلف الفئات العمرية بهذه الطريقة، وكان جيل الألفية الأكبر سناً الأكثر لا مبالاة (62 في المئة)، في المقابل، كان جيل الألفية الأصغر سناً الأكثر تأييداً لتجاوز هذه القيود (38 في المئة)، بينما أبدى أفراد "جيل الركود" (27 في المئة) رفضهم لها.

جيل الشباب هو الأكثر تأثراً

يوضح معدو الدراسة أن "الشباب شعروا بآثار حجب الاتصالات الرقمية ومنع مواقع التواصل الاجتماعي أكثر من غيرهم: فأنماط تواصلهم المعتادة، وبحثهم عن المعلومات، وقضاء أوقات فراغهم، غالباً ما تتأثر سلباً بالقيود"، ويضيفون "يبحث البعض عن حلول بديلة وينتقلون إلى منصات جديدة، أما الأجيال الأكبر سناً، فلم تلاحظ أي تغييرات تذكر، إذ بقيت حياتهم على الإنترنت على حالها"، ولهذا السبب، يصف معهد "فتسيوم" مسألة تنظيم الفضاء الرقمي بأنها "مسألة جدلية بين الآباء والأبناء"، "هذا صراع بين ثقافتين - استقلالية الشبكة والثقة المؤسسية، فبالنسبة إلى البعض، تكمن قيمة الإنترنت في حرية الوصول والتعبير عن الذات، بينما تكمن بالنسبة إلى البعض الآخر في الأمن والتحكم".

أمام أعيننا، يتكشف مشروع غير مسبوق في روسيا، يهدف إلى إعادة هيكلة بنية الإنترنت الوطني بصورة جذرية، إن سياسة "الشبكة الروسية السيادية" ليست مجرد استجابة للتهديدات السيبرانية أو محاولة للسيطرة على تدفق المعلومات، بل هي نهج استراتيجي يهدف إلى تحويل الإنترنت من بنية تحتية عالمية شاملة إلى أداة للتحكم والمراقبة والحوكمة الداخلية، وهذا يخلق نظاماً بيئياً رقمياً فريداً، منفصلاً عن الشبكة العالمية وموجهاً نحو استقلالية وهمية مزعومة.

هذا التحول ذو شقين، فمن جهة، يصوره الكرملين كحماية من الضغوط الخارجية والحرب السيبرانية، ومن جهة أخرى يؤدي إلى تقييد جذري للانفتاح، وتقليص عدد مراكز المعلومات المستقلة، والعزلة التكنولوجية.

تراجع الموارد الرقمية المفتوحة: حقائق واتجاهات

إن أبرز مؤشر إلى هذه العملية المستمرة هو التراجع السريع في عدد موارد الإنترنت المفتوحة في روسيا، فبحسب مراكز أبحاث دولية مثل مؤسسة "شادو سيرفر"، انخفض عدد الخوادم والأجهزة المتاحة للجمهور في البلاد بصورة حادة خلال فترة وجيزة، من نحو 920 ألف خادم في أكتوبر 2024 إلى 270 ألف خادم بحلول منتصف عام 2025.

هذه الفجوة هائلة، للمقارنة، يقترب عدد الخوادم المفتوحة في الولايات المتحدة من 7 ملايين، وفي ألمانيا 1.8 مليون، وفي الصين 1.2 مليون، من حيث الأرقام، تتساوى روسيا اليوم مع دول أوروبية أصغر حجماً مثل السويد أو رومانيا.

هذا ليس مجرد تقلب إحصائي، بل اتجاه منهجي، لقد استهدفت جميع أنواع الأجهزة: خوادم البريد، وبوابات الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وأجهزة التوجيه، وأنظمة المراقبة بالفيديو، وموازنات الأحمال، يشير هذا مجتمعياً إلى أنه ليس مجرد "تقادم" طبيعي للبنية التحتية، بل تفكيك متعمد لبيئة رقمية مفتوحة، وبناء نظام شبكي معزول ومحكم السيطرة.

سياسة العزل التكنولوجي

تتضمن استراتيجية السيادة الرقمية الروسية إنشاء "ستار رقمي" داخلي، يشبه الستار الحديدي في الفضاء الإلكتروني، وتتجه قطاعات الشبكات الوطنية نحو الإغلاق، ويتم نقل مزيد من الموارد إلى نطاقات محلية، وتخضع قنوات الاتصال الدولية لرقابة صارمة.

وهذا يؤدي إلى تشكيل ما يسمى "نموذج الشبكة الداخلية"، أي أن الدولة متصلة رسمياً بالشبكة العالمية، ولكن الوصول إلى الموارد الخارجية يتم تصفيته وقياسه، بينما توجد البنية التحتية الداخلية في وضع "الملاحة الذاتية".

من الناحية الأيديولوجية، يتم تقديم هذا المسار على أنه ضمان للأمن والحفاظ على "السيادة الرقمية"، لكن في الواقع، فإنه يعزز آليات الرقابة، ويقيد حرية تبادل المعلومات، ويخلق تأثيراً خانقاً تكنولوجياً على الأعمال والعلوم.

التداعيات على المجتمع والاقتصاد

إن تراجع الموارد المتاحة للجمهور ليس مجرد إحصائية جافة، بل هو تهديد مباشر للتنمية الاقتصادية، فكل شبكة مغلقة، وكل بوابة مسدودة، تعني تقليص الاندماج في النظام التكنولوجي العالمي، بالنسبة إلى شركات العلوم وتكنولوجيا المعلومات، يشبه هذا الأمر انقطاع الاتصالات: يصبح تبادل البيانات صعباً، وتواجه المشاريع الدولية صعوبات، ويتعثر الابتكار.

أما بالنسبة إلى المجتمع، فالعواقب أشد خطورة، إذ يؤدي انخفاض الوصول إلى المعلومات العالمية إلى خلق "عزلة رقمية"، حيث يترك المواطنون حصراً لمصادر الدولة والخدمات المحلية، وهذا يهيئ ظروفاً مثالية للتحكم في المعلومات والتلاعب بالرأي العام.

الحماية الرقمية: التطبيقات الإلزامية والمكالمات المختفية

تواصل روسيا إعادة هيكلة منظومتها الرقمية بصورة منهجية، وإخضاعها لمنطق الإنترنت السيادي، وتعد مراسيم رئيس الحكومة ميخائيل ميشوستين، التي توسع قائمة التطبيقات الإلزامية لجميع فئات الأجهزة، أحدث خطوة في هذا الاتجاه، فبينما كان التركيز سابقاً على بناء "هيكل" البنية التحتية الوطنية من مراكز البيانات إلى توجيه حركة البيانات، تركز الدولة الآن على واجهة المستخدم، مما يسهم فعلياً في بناء حماية رقمية يأتي فيها كل جهاز مزوداً مسبقاً بمجموعة الخدمات المناسبة.

 

 

ابتداء من الأول من سبتمبر (أيلول) 2025، تم تثبيت متجر التطبيقات الروسي RuStore مسبقاً ليس فقط على أجهزة أندرويد، بل أيضاً على أجهزة "آيفون" و"آيباد" وأجهزة "HyperOS"، وبذلك، تظهر الحكومة أنها ستعمل على تقليص احتكار متجر التطبيقات العالمي و"غوغل بلاي" للسوق الروسية بصورة تدريجية، كما يركز المشروع على استبدال تطبيق VK Messenger بمنصة Max الجديدة، التي يراد لها أن تصبح منصة اتصالات عالمية.

المرحلة الثانية تبدأ في يناير (كانون الثاني) 2026. تتضمن هذه المرحلة استبدالاً جذرياً لمنصة RuTube بمنصة "الفيديو الموحد"، تهدف هذه المنصة إلى دمج وظائف RuTube  وخدمات الفيديو الأخرى، مما ينشئ قناة موحدة لتوزيع المحتوى تحت سيطرة الدولة، يعد نظام التشغيل HarmonyOS  من "هواوي" حالة خاصة، حيث يضيف سبعة تطبيقات جديدة إلى المجموعة الأساسية، بما في ذلك Mir Pay وChestny Znak، باختصار، لا يقدم للمستخدمين واجهة مستخدم فحسب، بل نظاماً رقمياً متكاملاً ومغلقاً وجاهزاً للاستخدام.

رقابة حكومية تحت شعار برامج وطنية

إن إنشاء مجموعات تطبيقات إلزامية لكل نظام تشغيل يوضح الصورة، نحن نتحدث عن حزمة برامج وطنية مراقبة بشدة وبحزم، يتم فيها توحيد الشبكات الاجتماعية وخدمات الدفع والخرائط والبريد وحتى الترفيه من قبل الدولة.

على نظام أندرويد، هو عبارة عن "دمج رقمي" شبه كامل من ياندكس، وMail.ru، وVK، وعلى نظام iOS، هو النظام نفسه، ولكن من دون Mir Pay  وبعض الشبكات الاجتماعية.

وعلى نظام HarmonyOS، يقدم قائمة موسعة، مما يحول الجهاز فعلياً إلى محطة طرفية للخدمات المحلية، وعلى نظام HyperOS، يقتصر حالياً على RuStore فحسب، ولكن هذه مجرد البداية.

يكمن العنصر الأساس هنا في استبعاد البدائل وحذفها وإعدامها ولو جزئياً، فإذا حصل المستخدم على هاتف مثبت عليه مسبقاً خدمات حكومية وشبه حكومية، فإن احتمالية بحثه عن بدائل أجنبية تنخفض بصورة كبيرة.

في الوقت نفسه تتكشف عملية أخرى في روسيا: تقييد وظائف تطبيقات المراسلة العالمية المعروفة والمشهورة، ففي أغسطس (آب) 2025، واجه ملايين المستخدمين توقف المكالمات الصوتية والمرئية على تطبيقي "تيليغرام" و"واتساب"، سارعت هيئة روسكومنادزور إلى تفسير الوضع بأنه "مكافحة للاحتيال عبر الهاتف"، لكن الخبراء يؤكدون أن هذا مجرد ذر للرماد في العيون وقمع مقنع لحرية الاتصالات.

في الواقع، الهدف هو إخراج الأجهزة الأجنبية من قطاع الاتصالات وإجبار المواطنين على التحول إلى تطبيق "ماكس" المراقب بشدة وبعناية، أو الحلول المدمجة، يعد تقييد المكالمات أداة استراتيجية، إذ يمكن مراقبة الرسائل النصية، لكن قنوات الصوت المشفرة تشكل ثغرة أمنية لأجهزة الاستخبارات.

إن الجمع بين هذه الإجراءات، التثبيت المسبق الإلزامي للتطبيقات وحجب الميزات الرئيسة للمنصات الأجنبية، ينشئ ستاراً رقمياً متكاملاً، وتسعى روسيا جاهدة لخلق بيئة تتم فيها تفاعلات المواطنين المعلوماتية والمالية والاجتماعية بالكامل ضمن الخدمات المحلية التي تسيطر عليها الدولة.

إذا كان هذا يبدو قبل بضعة أعوام فقط وكأنه سيناريو رائع، فإنه يتم تنفيذه الآن بدقة جراحية: من مستوى البروتوكول إلى مستوى واجهة المستخدم.

3 طبقات من الإغلاق الرقمي: من الاقتصاد إلى السياسة

تتمحور الفرضية الأولى والأكثر وضوحاً حول مصالح شركات الاتصالات المتنقلة، كثيراً ما قوضت مكالمات الصوت عبر الإنترنت (VoIP) من خلال تطبيقات المراسلة نموذج الربح التقليدي للاتصالات الخلوية، لا سيما في قطاعي المكالمات الدولية والتجوال، نظرياً، من المفترض أن يؤدي تقييد هذه الخدمات إلى عودة الإيرادات إلى الشركات الأربع الكبرى MTS وMegaFon وBeeline وT2، إلا أن هذا المنطق لا يصمد، فكما يشير ميخائيل كليماريف من جمعية الدفاع عن الإنترنت، فإن انخفاض حركة المكالمات الصوتية قد عوض بنمو حركة الإنترنت الجوال الذي تؤمنه هذه الشركات، مما جعل شركات الاتصالات المذكورة مستفيدة من ثورة VoIP  بدلاً من كونها ضحية لها، بالتالي، لا يمكن أن يكون حظر المكالمات مبادرة منها، بخاصة أن الشركات نفسها مترددة في تحمل مسؤولية مثل هذا القرار القمعي البارز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الرواية الثانية هي الرسمية، يدعي وزير التنمية الرقمية، مكسوت شاداييف، أن الغالبية العظمى من المكالمات الاحتيالية تصل إلى 80 في المئة توجه عبر تطبيق "واتساب"، لكن الإحصاءات تناقض مزاعمه: فبحسب الحكومة نفسها، انخفضت نسبة الهجمات الاحتيالية عبر تطبيقات المراسلة بنحو الثلث العام الماضي، من 22.5 في المئة إلى 15.7 في المئة.

المنطق هنا غير مقبول، فمع انخفاض هذه النسبة، لا تختار الحكومة إجراءات موجهة، بل تطهيراً فعلياً وشاملاً لحركة المكالمات الصوتية، يتضح أن تبرير "الأمن" ليس إلا واجهة دعائية مريحة تخفي دوافع أعمق.

تبدو النظرية الثالثة الأكثر إقناعاً، فالحجب الجزئي، بدلاً من الحظر التام، بمثابة إشارة معايرة، إذ تختبر السلطات النظام تحسباً لأحداث قد تستدعي فرض قيود واسعة النطاق على الاتصالات، وفي ظل الحديث عن عمليات إغلاق محتملة في المستقبل القريب والانتقال إلى "قوائم بيضاء" لموارد الإنترنت، تكتسب هذه النظرية أهمية بالغة، وفي هذا السياق، يصبح تعطيل مكالمات "واتساب" و"تيليغرام" جزءاً من استراتيجية عامة لإعداد "ستار رقمي"، مساحة خاضعة للرقابة تسيطر فيها الدولة سيطرة كاملة على قنوات الاتصال.

امتعاض واحتجاجات

المثير للدهشة أن الاحتجاجات على القيود لم تقتصر على الأوساط الليبرالية فحسب، بل امتدت لتشمل مدونات الإنترنت، ومسؤولين حكوميين، وحتى البرلمان، وقد أقر أنطون تكاشيف، نائب رئيس لجنة السياسة الإعلامية في مجلس النواب الروسي (الدوما)، صراحة بأن هذه الإجراءات ستؤدي إلى زيادة هائلة في استخدام الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN)، وكان ياروسلاف نيلوف أكثر صراحة، إذ وصف الحظر بأنه "غير مناسب" و"مخالف للقيم الاجتماعية"، إلا أن هذه الاحتجاجات لم تدم طويلاً، فكما هي الحال غالباً في روسيا، سرعان ما خفتت حدة الانتقادات وسط ضجيج الإعلام، وبقي الموقف الرسمي على حاله.

الاختراق الرقمي للحزم كأداة للرقابة الرقمية

لقد ترسخ التطبيق التقني لتقنية الحجب منذ زمن طويل، فقد طبقت شركات الاتصالات أنظمة فحص الحزم العميقة (DPI) ضمن بنيتها التحتية، وهي أنظمة مدمجة في نظام مكافحة التهديدات ((TCMS، يتعرف نظام DPI على بصمات حركة البيانات الصوتية مثل بروتوكول  (SIP)، ويقطع الاتصالات بخوادم المراسلة، ويقلل من جودة المكالمات، أو يحجبها تماماً، ونتيجة لذلك، إما أن تنقطع المكالمات أو تتحول إلى سلسلة صوتية غير مفهومة.

بمعنى آخر، يعمل النظام بدقة متناهية لا تستطيع الحكومة فقط "إيقاف" خدمة ما، بل يمكنها أيضاً التحكم في درجة تدهور أدائها، وهذا يتجنب إثارة الذعر الفوري بين السكان، بل يدفع المستخدمين تدريجاً نحو التحول إلى التطبيقات الروسية "المناسبة" أي تلك التطبيقات الخاضعة للرقابة الاستخباراتية الدقيقة والعميقة.

البدائل الممكنة: استخدام التكنولوجيا بدلاً من التنظيف الكامل

المفارقة تكمن في أن مشكلة الاحتيال عبر الهاتف موجودة بالفعل، سواء في روسيا أو في الدول الأجنبية في الخارج، لكن التجارب العالمية تظهر أنه يمكن مكافحتها بأساليب أكثر دقة، من دون اللجوء إلى أساليب رقمية قاسية.

التحليل السلوكي والذكاء الاصطناعي، في الولايات المتحدة وكندا، تم تطبيق بروتوكولات STIR/SHAKEN على مستوى شركات الاتصالات، مما يسمح بالكشف عن انتحال الأرقام وحظر المكالمات المشبوهة، أما روسيا، فلديها نظام "مكافحة الاحتيال"، لكنه يعمل على أساس كل حالة على حدة، ومن الواضح أنه لا يستغل بكامل طاقته.

 أدوات داخل تطبيقات المراسلة، يستخدم تطبيق "تيليغرام" آليات تصفية مدمجة منذ أعوام، بدءاً من روبوت مكافحة البريد العشوائي الرسمي وصولاً إلى خوارزميات التعلم الآلي التي تكشف سلاسل البريد الإلكتروني المشبوهة، كما يكافح واتساب، على رغم التشفير التام بين الطرفين، الاحتيال من خلال الحد من الرسائل الجماعية، وتحليل أنماط السلوك، وحظر الحسابات المشبوهة.

نعم، هذه الإجراءات ليست مطلقة ولا تقضي على الاحتيال تماماً، لكنها تظهر نهجاً مختلفاً جذرياً، تخفيف الأخطار من دون تعطيل الاتصالات، على عكس الحظر، الذي يشل قنوات الاتصال لملايين الأشخاص، تعالج التقنيات الذكية المشكلة بصورة محددة، من دون انتهاك حقوق المستخدم.

هذا هو التباين الرئيس، تسعى الدول الغربية والأسواق الرقمية المتقدمة إلى تحقيق توازن بين الأمن والحرية، بينما اختارت روسيا طريق السيطرة القسرية على الإنترنت، حيث أصبح الحجب رد فعل رسمياً على أي تحد، يجيز للحكومة وأجهزة استخباراتها إجبار المواطنين على استخدام تطبيقات وبرامج يمكن مراقبتها بدقة وعناية شديدتين.

أهداف ودوافع سياسة "الإنترنت السيادي"

يتمحور الخطاب الرسمي للسلطات الروسية حول ضرورة حماية البنية التحتية الحيوية من الهجمات الخارجية، وفي ظل العقوبات، ومع تقادم كثير من معدات الشبكة وعدم إمكانية تحديثها، يبدو هذا التفسير مقنعاً، فالخوادم والأنظمة القديمة تصبح بالفعل نقاط ضعف يسهل على المتسللين اختراقها، ويؤدي تقليص قنوات الوصول الخارجية إلى إغلاق هذه الثغرات، مما يحول الشبكة الروسية إلى ما يشبه "حصناً رقمياً".

مع ذلك لا يمثل الأمن السيبراني سوى جانب واحد من جوانب المشكلة، فقد أظهر تاريخ الهجمات العديدة على البنوك والهيئات الحكومية، وحتى شركة الطيران العملاقة مثل شركة "أيروفلوت" في يوليو (تموز) 2025، أن حتى مليارات الدولارات المستثمرة في حماية تكنولوجيا المعلومات لا تضمن الحصانة، وهذا يعني أن حجة "الحماية" تستخدم كمبرر أكثر منها كتفسير للعملية.

يعد التركيز المركزي على إدارة حركة البيانات والمحتوى دافعاً أكثر أهمية، فمنذ إقرار قانون "الشبكة الروسية السيادية" عام 2019، حصلت هيئة "روسكومنادزور" للرقابة الحكومية على الأدوات القانونية والتقنية اللازمة لعزل الجزء الروسي من الإنترنت، وقد أجريت تجارب بالفعل، حيث شهدت بعض المناطق إغلاق موقع "يوتيوب" وتباطؤاً في خدمة "غوغل"، وتمكن بنية "استبدال المفاتيح" من تحويل الإنترنت إلى أداة تصفية متحكم بها في أي وقت.

تغير هذه الدورة التدريبية فلسفة الشبكة تغييراً جذرياً، فبينما أنشئ الإنترنت العالمي كنظام لا مركزي لتبادل المعلومات بحرية، فإن النموذج الروسي هو نظام رأسي إذ يمكن إغلاق كل قناة أو تقييدها في أي وقت.

العامل الثالث هو العامل الصناعي، فمن خلال قطع الوصول إلى الخدمات والتقنيات الأجنبية، تسعى السلطات إلى تحفيز الصناعة الرقمية المحلية، وتستثمر الدولة بنشاط في بدائل للخدمات الغربية، بدءاً من الشبكات الاجتماعية وصولاً إلى أنظمة الدفع، إلا أن نسبة النجاح متفاوتة، فمثلاً، لا تزال منصات مثل Rutube وEdinoe Video وRuStore تفتقر إلى مواصفات ووظائف وواجهات منافسيها العالميين، ويتضح استياء المستخدمين، ولا يسهم في جعل هذه المنتجات جزءاً من الحياة اليومية إلا الضغط الإداري.

 النتائج: الأمن مقابل العزلة

بالنسبة إلى الدولة، لهذه السياسة أثر مزدوج، فمن جهة، تضمن السيطرة والقدرة على الاستجابة الفورية للتهديدات الخارجية، ولكنها من جهة أخرى تزيد من العزلة المعلوماتية والتكنولوجية، حيث تفقد الشركات الروسية مرونتها في الأسواق الدولية، ويتحول الفضاء الرقمي إلى نظام بيئي مغلق.

بالنسبة إلى المواطنين، يعني هذا تراجعاً حاداً في جودة الحياة الرقمية، فالوصول إلى الخدمات المألوفة مقيد، وشبكات VPN  محظورة، والانتقال إلى البدائل المحلية أمر مزعج، والإنترنت، بدلاً من أن يكون نافذة تقليدية على العالم، يتحول تدريجاً إلى منصة لعرض محتوى مراقب ومنتقى ومعتمد مسبقاً.

بينما بدأت الصين ببناء "جدارها الناري العظيم" في تسعينيات القرن الماضي، كثيراً ما اعتمدت روسيا على العولمة، في عصر كانت فيه التكنولوجيا الغربية متاحة للجميع، لم يكن يطرح حتى سؤال "الإنترنت السيادي"، لكن الأزمة الجيوسياسية التي بدأت عام 2014 مع الأحداث الانقلابية في أوكرانيا، والعقوبات، ثم الصدام الشامل مع الغرب بعد عام 2022، أوضحت جلياً أن التبعية التكنولوجية أصبحت نقطة ضعف روسيا.

 

 

يسعى الكرملين الآن جاهداً لتعويض ما فاته من وقت، إذ يضخ مليارات الدولارات في المشروع، لكنه يواجه معضلة، إما إنشاء نظام مغلق ولكنه فعال، أو الحكم على البلاد بالتخلف الرقمي، حيث يعوض عن سيطرة الدولة بالتخلف التكنولوجي.

إن "الإنترنت السيادي" الروسي ليس مجرد مشروع تقني، بل هو تجربة اجتماعية عالمية، وللمرة الأولى في التاريخ، تتجه دولة تضم ما يقارب 140 مليون مستخدم بوعي نحو الاكتفاء الذاتي الرقمي، وستحدد نتائج هذا الخيار ليس فقط مصير قطاع تكنولوجيا المعلومات الروسي، بل أيضاً طبيعة تفاعل المجتمع مع الدولة.

إننا نواجه نقطة تحول مماثلة للانتقال إلى الستار الحديدي في القرن الـ20، إلا أن الستار الآن ليس مصنوعاً من الفولاذ والخرسانة، بل من القوانين والمرشحات وتقنية.DPI

عواقب

تبني روسيا نموذجاً جديداً للإنترنت مغلقاً، خاضعاً للرقابة ومؤمماً، فبينما كان ينظر إلى الإنترنت العالمي على أنه فضاء للحرية، والروابط الأفقية، وتكافؤ الفرص، فإن "شبكة الإنترنت الروسية السيادية" تتحول إلى أداة للحماية الرقمية والاكتفاء الذاتي المعلوماتي.

تعد هذه الاستراتيجية تجربة وتحدياً في آن واحد، هل يستطيع البلد الصمود أمام العزلة الرقمية مع الحفاظ على قدرته التنافسية، أم إن هذا المسار سيؤدي إلى تخلف استراتيجي؟

فمنذ الأول من فبراير (شباط) 2021 الذي شهد حدثاً مهماً في تنظيم وسائل التواصل الاجتماعي في روسيا، بدخول قانون التنظيم الذاتي حيز التنفيذ، صار لزاماً على المنصات الرقمية مراقبة المحتوى المحظور وإزالته بصورة مستقلة، وعلى رغم أن مقترح القانون ألكسندر خينشتاين، ادعى أن عدم الامتثال لن يؤدي إلى عواقب وخيمة، فإن الواقع أثبت عكس ذلك، فقد بدأت الجهات الحكومية بفرض إجراءات صارمة على منصات التواصل الاجتماعي لمخالفتها هذه اللوائح، شكل هذا التغيير التشريعي خطوة مهمة نحو تشديد الرقابة على المحتوى الإلكتروني، مما يؤثر في عمل المنصات ومستخدميها.

يشارك فيودور موزاليفسكي، المدير التقني لمجموعة "آر تي أم"، رأيه حول أسباب عدم استجابة منصات التواصل الاجتماعي لطلبات الحكومات، ويشير إلى أن سمعة أي شبكة تواصل اجتماعي معرضة للخطر في حال إزالة أي محتوى بناء على طلب حكومي، علاوة على ذلك، فإن العملية التقنية لإزالة هذه الكميات الهائلة من المحتوى معقدة للغاية، إذ يتطلب الأمر من المطورين استخدام خوارزميات معقدة، وهو ما قد لا يبرر الكلفة، تثير هذه العوامل تساؤلات حول جدوى الامتثال لطلبات الحكومات، مما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على تفاعل منصات التواصل الاجتماعي مع الجهات الحكومية.

توطين البيانات الشخصية: التحديات والآفاق

تتزايد أهمية مسألة تخزين البيانات الشخصية للمواطنين الروس خارج البلاد، فبحسب التشريعات الروسية الحالية، يحظر تخزين هذه البيانات ومعالجتها خارج روسيا، واستجابة لذلك، بدأت هيئة الرقابة المالية الروسية (روسكومنادزور) بإجراء عمليات تدقيق للتأكد من الامتثال، وألزمت عديداً من الشركات بتأكيد تخزين البيانات الشخصية للمواطنين الروس ومعالجتها حصراً داخل روسيا، وتهدف هذه المبادرة إلى حماية خصوصية وأمن بيانات المواطنين، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل التحول الرقمي وتزايد أخطار الأمن السيبراني.

تبرز الآراء المتباينة بين خبراء توطين البيانات مدى تعقيد هذه القضية، ويشير فيودور موزاليفسكي، المتخصص في الحقوق الرقمية، إلى أن توطين البيانات قد يكون خطوة أساسية لحماية المواطنين الروس من "الاستعباد الرقمي" المحتمل، ففي مجتمعنا المعاصر، يتزايد تأثير شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل "غوغل" و"مايكروسوفت" و"ميتا"، على حياة الناس اليومية بصورة ملحوظة، ويعود هذا التأثير في معظمه إلى البيانات التي يتركها المستخدمون على الإنترنت، ويمكن لتوطين البيانات أن يسهم في التخفيف من هذا التأثير وتحسين حماية المعلومات الشخصية للمواطنين.

لكن سركيس داربينيان، المحامي المتخصص في قضايا الإنترنت والمؤسس المشارك لشركة "روسكومسفوبودا"، يتخذ موقفاً مختلفاً "إن منع المستخدمين من اختيار من يثقون به في بياناتهم وأين يخزنونها يتعارض مع أسس المجتمع الديمقراطي، ويمكن وصف هذا النهج الحكومي بأنه أبوي".

يؤدي الحصار المفروض على الاتصالات الرقمية في روسيا إلى العودة إلى المعاملات النقدية والتقليدية، وفرض قيود على العمليات التجارية وخسارة الإيرادات، وخطر الغرامات، وزيادة الرقابة الحكومية، واستقطاب المجتمع، وكذلك إلى اتساع الفجوة الرقمية بين الأجيال، وتفاقم فقاعات المعلومات، كل هذا ليس من شأنه أن يخلق فقط عالماً رقمياً موازياً من النظائر المحلية مثل VK وRuTube وMAX، ولكنه يتسبب أيضاً في توترات اجتماعية ومشكلات اقتصادية.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير