ملخص
تحولت مساحات شاسعة من الأراضي الأوكرانية إلى خطر دائم على المدنيين بفعل الألغام والذخائر غير المنفجرة، فيما تخوض فرق التطهير عملاً بالغ الخطورة لإعادة الحقول والمنازل إلى أصحابها. وتجسد أنطونينا كولهافا جانباً إنسانياً من هذه المهمة، إذ انتقلت من العمل في المال وصناعة الحلويات إلى قيادة فريق لإزالة المتفجرات، متحدية أخطار الحرب وهيمنة الرجال على هذا المجال.
تستيقظ أنطونينا كولهافا كل صباح على أزيز المسيرات الروسية.
بعد الاطلاع على التحذيرات المحلية للاطمئنان إلى سلامة أفراد عائلتها وأصدقائها، تتوجه إلى عملها في إزالة الألغام لأغراض إنسانية، في أحد الحقول الأوكرانية المليئة بالذخائر والمتفجرات. وهناك، يمضي فريقها في تمشيط الحفر الموحلة التي خلفتها الصواريخ وسط أراض كان المزارعون يحرثونها ذات يوم، في مهمة لا تخلو من أخطار جسيمة.
وهذه الأخطار ليست محصورة في مناطق قليلة، فأوكرانيا تعد من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام والذخائر المتفجرة، إذ يعتقد أن ما بين 20 و25 في المئة من أراضيها قد تحتوي على مواد خطرة. وتزيد مساحة المناطق المشتبه في تلوثها على 139 ألف كيلومتر مربع، أي ما يفوق مساحة إنجلترا وويلز مجتمعتين.
وينعكس هذا الواقع بصورة قاسية على المدنيين، إذ تسهم الألغام والذخائر غير المنفجرة في جعل أوكرانيا من الدول التي تسجل أعلى معدلات الضحايا المدنيين في العالم، فيما يظل الأطفال من أكثر الفئات عرضة للخطر ما لم تطهر هذه المناطق بصورة آمنة.
وعلى رغم كل ذلك، تصف كولهافا عملها لـ"اندبندنت" بأنه "مثير للاهتمام ومليء بالتحديات"، وتقول: "لا يشبه أي شيء فعلته من قبل، فهو يساعد الناس في أوكرانيا، لأننا كلما طهرنا مزيداً من أراضينا، تمكن عدد أكبر من الناس من العودة لمنازلهم وأراضيهم، وفي الوقت نفسه نجعل أوكرانيا أكثر أماناً".
ولم يكن وصول كولهافا، البالغة 32 سنة، إلى هذا المجال متوقعاً. فقد عملت سابقاً في القطاع المالي ثم طاهية حلويات، قبل أن تصادف، أثناء انتظارها تأشيرة للسفر إلى تشيكيا، إعلاناً لوظيفة لدى "المجموعة الاستشارية للألغام" Mines Advisory Group . استبعدت الفكرة في البداية بسبب خطورتها، لكنها بحثت عن طبيعة العمل على "غوغل"، ثم قررت في نهاية المطاف التقدم للوظيفة.
ولأنها كانت تعرف موقف والديها مسبقاً، أخفت عنهما طبيعة عملها في البداية. وتقول: "لم أخبر عائلتي، لأنني لم أرد أن يقلقوا علي".
وعندما عرفوا لاحقاً، كانت الصدمة كبيرة. وتقول كولهافا: "أعتقد أنهم، في قرارة أنفسهم، كانوا يفضلون ألا أعمل في هذا المجال وألا أنخرط فيه، لكن ماذا يمكننا أن نفعل؟".
وهي لا تقلل بدورها من حجم الخطر، موضحة أن "العمل خطر بالطبع، وكل شيء يتوقف على طبيعة التهديد. فمستوى الخطر يختلف من موقع إلى آخر، وقد يكون مرتفعاً جداً في بعض الأماكن".
أما العمل نفسه فيبدأ بمسح تقني لتقييم الأرض، وتحديد طبيعة الأخطار المحتملة. وبصفتها قائدة للفريق، تشرف كولهافا على أفراد مجموعتها خلال مراحل العملية، وتتأكد من التزام الجميع بارتداء معدات الحماية الشخصية المناسبة.
وتعتمد عمليات التطهير على ثلاث وسائل رئيسة: يدوية، وميكانيكية، وباستخدام الكلاب المدربة. ففي العمل اليدوي، يمشط خبراء إزالة الألغام الحقول بحثاً عن الذخائر المتفجرة ويحددون مواقعها تمهيداً لتفجيرها، بينما تستخدم الآليات والمعدات في التطهير الميكانيكي، وتستعين الطريقة الثالثة بكلاب مدربة على شم المتفجرات وتحديد أماكنها.
ولا يقتصر العمل على الألغام وحدها، بل يشمل أيضاً القنابل اليدوية والقذائف والصواريخ والقنابل الجوية والذخائر العنقودية والمسيرات وقذائف الهاون.
ومثل كثير من المجالات المرتبطة بالتعامل المباشر مع المتفجرات، يظل الرجال يشكلون الغالبية العظمى من العاملين فيه. فبحسب "هيئة الأمم المتحدة للمرأة"، تمثل النساء نحو 30 إلى 35 في المئة من إجمالي القوى العاملة في مجال إزالة الألغام لأغراض إنسانية، لكن نسبة المشاركات منهن مباشرة في العمليات الميدانية لا تتجاوز نحو 12 في المئة.
وكان دخول كولهافا إلى مجال يهيمن عليه الرجال تحدياً بحد ذاته، وتقول: "كان الأمر صعباً بالنسبة إلي، لأنني كنت أفكر في داخلي: كل هذه الذخائر المتفجرة والألغام والقنابل، هذه أمور تخص الرجال".
وتوضح أنها كانت تفترض أن الرجال أكثر دراية بهذه الأشياء بحكم اعتيادهم عليها حتى من خلال ألعاب الكومبيوتر، مضيفة: "حين كنت أتعلم كل شيء للمرة الأولى، كانوا يعرفون عنه بالفعل. لم أكن أشعر بالثقة، لكن مع الخبرة والممارسة أصبحت أكثر ثقة بنفسي".
ومع مرور الوقت، تحول العمل الذي أخفته عن عائلتها في البداية إلى مصدر فخر لها. فقد دعاها "متحف الحرب الإمبراطوري" في بريطانيا إلى تسجيل شهادة شفوية عن تجربتها خلال الحرب، لتصبح جزءاً من أرشيف يحفظ قصتها للأجيال المقبلة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما منحها العمل إحساساً بأنها تحدث فرقاً حقيقياً في حياة الناس، ولا سيما في بلد يعيش سكانه شتاءات قاسية، تتكرر خلالها انقطاعات الكهرباء والتدفئة مع استمرار الهجمات الروسية.
وتقول: "بدأت أقدر حياتي أكثر، فهناك أشياء تفكر فيها وتقول: يمكنني فعلها لاحقاً، يمكنني تأجيلها، لكنك تدرك أنك تحتاج إلى أن تعيش حياتك الآن".
ولعل أوضح دليل بالنسبة إلى كولهافا على أن عملها يحدث فرقاً هو ما تراه في الحقول التي سبق لفريقها أن طهرها، وتقول: "الحقول التي عملنا فيها من قبل عاد المزارعون لزراعتها، وحيث كانت الألغام، أصبحت هناك الآن حقول من دوار الشمس".
© The Independent