ملخص
تأثر البيئة بالحروب أمر طبيعي، نظراً إلى أن الذخائر والمتفجرات تحتوي على مواد شديدة الانفجار وأخرى سامة تترك آثاراً مباشرة في التربة لآلاف السنين. لكن التخلص من هذه الملوثات قد يستغرق فترات زمنية طويلة جداً، وآثارها لا تقتصر على التربة فحسب، بل تمتد إلى التجمعات البشرية والنباتات والحيوانات والطيور.
بعدما اتفقت الولايات المتحدة الأميركية وإيران على إنهاء النزاع وتهدئة الصراع ورفع الحصار البحري عن مضيق هرمز، ومع استمرار المساعي الدولية لوقف الحرب في غزة وأوكرانيا، تتصدر الواجهة التبعات البيئية الطويلة الأجل التي تخلفها العمليات العسكرية في مناطق الصراع.
وبحسب متخصصين، تحدثوا إلى "اندبندنت عربية"، تعد التربة أكثر العناصر تضرراً بفعل القصف الكثيف وانتشار مخلفات الذخائر، مما يؤدي إلى إحداث تغييرات كيميائية وفيزيائية عميقة في تركيبتها، لا يقتصر أثرها على فقدان الأرض خصوبتها الطبيعية، بل يمتد ليعطل خطط إعادة الإعمار والتنمية الزراعية.
ملوثات خطرة
لا يغفل الخبير في مجال الاستشعار عن بعد هشام العسكري أن العمليات العسكرية تخلف آثاراً مدمرة على التربة، والانفجارات تؤدي إلى تغيير بنيتها الفيزيائية وتدمير طبقاتها السطحية الخصبة التي تشكّلت عبر مئات، وربما آلاف السنين.
يقول العسكري لـ"اندبندنت عربية"، إن انتشار ملوثات خطرة، مثل المعادن الثقيلة وبقايا الوقود والمركبات الكيميائية الناتجة من الذخائر والمتفجرات، باعتبارها مواد "قد تبقى في البيئة فترات طويلة جداً. ولا تقتصر المشكلة على التربة وحدها، بل تمتد إلى المياه الجوفية والمحاصيل الزراعية وحتى السلسلة الغذائية بأكملها، فبعض هذه الملوثات ينتقل إلى النباتات، ومنها إلى الإنسان والحيوان".
ويضيف أن الغطاء النباتي يتعرّض لأشكال متعددة من الضرر، بينها التدمير المباشر الناجم عن الحرائق أو التجريف أو مرور المعدات العسكرية الثقيلة، فضلاً عن الأضرار غير المباشرة الناتجة من انقطاع المياه وارتفاع درجات الحرارة وتغير خصائص التربة.
وحول حجم التأثير، يوضح أنه مع فقدان الغطاء النباتي تبدأ الأرض في خسارة قدرتها على تثبيت التربة وامتصاص الكربون وتنظيم المناخ المحلي. ويقول: "من خلال تقنيات الاستشعار عن بعد والأقمار الصناعية، نرصد هذه التغيرات بوضوح كبير، ونلاحظ تراجعاً في كثافة الغطاء النباتي، وارتفاعاً في درجات حرارة سطح الأرض، وزيادة في معدلات التعرية والتدهور البيئي في مناطق الصراع. لذلك، فالحروب لا تدمر المدن فحسب، بل تقوّض أيضاً قدرة الأرض نفسها على الاستمرار كبيئة منتجة ومستقرة للحياة".
وعن تأثير الحروب في المنطقة، يقول: "في المنطقة العربية على وجه الخصوص، نتعامل مع نظم بيئية هشة تعاني محدودية الموارد المائية وارتفاع درجات الحرارة والضغوط المناخية. وعندما تندلع الحروب، فإنها تسرّع مسار التدهور البيئي بصورة مقلقة. وتعد البنية التحتية للمياه والري العمود الفقري لاستمرار النشاط الزراعي، وعندما تتعرض السدود أو قنوات الري أو محطات الضخ والمعالجة للتدمير، تبدأ سلسلة من التداعيات البيئية المتراكمة".
ويشرح: "أول ما يحدث هو انخفاض حاد في رطوبة التربة، مما يؤدي إلى تراجع النشاط البيولوجي فيها، لأن التربة ليست مادة جامدة، بل هي نظام حي يزخر بالكائنات الدقيقة التي تحافظ على خصوبتها. ومع غياب المياه، تبدأ هذه الكائنات في النفوق تدريجاً".
ووفقاً للعسكري، يؤدي غياب الري إلى زيادة تراكم الأملاح في التربة، لا سيما في المناطق الجافة. ومع مرور الوقت، تتحوّل التربة من بيئة قادرة على دعم الزراعة إلى أرض متملحة ومتدهورة يصعب استصلاحها. ويتابع: "تؤدي الحروب أحياناً إلى نزوح السكان وترك الأراضي الزراعية من دون إدارة أو صيانة، وعندما تترك الأرض بلا غطاء نباتي أو رعاية، تصبح أكثر عرضة للتعرية والانجراف، وتبدأ الرياح في إزالة الطبقة السطحية الخصبة التي تمثل أهم مكونات التربة الزراعية".
ويختتم: "من خلال الأقمار الصناعية، يمكننا أن نرى بوضوح كيف تتحول بعض المناطق، خلال أعوام قليلة فقط، من أراض خضراء ومنتجة إلى أراض جافة ومتصحرة، وهذا لا يعني خسارة زراعية فحسب، بل يمثل تهديداً مباشراً للأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لذلك، فالحروب لا تقتل البشر فقط، بل قد تدمر أيضاً قدرة الأرض على إطعامهم في المستقبل".
تأثير الحروب بيئياً
ويرى كبير خبراء الأمم المتحدة في مجالات الزراعة والمياه والبيئة الدكتور أحمد فوزي دياب أن تأثر البيئة بالحروب أمر طبيعي، نظراً إلى أن الذخائر والمتفجرات تحتوي على مواد شديدة الانفجار وأخرى سامة تترك آثاراً مباشرة في التربة لآلاف السنين. ويقول إن التخلص من هذه الملوثات قد يستغرق فترات زمنية طويلة جداً، وآثارها لا تقتصر على التربة فحسب، بل تمتد إلى التجمعات البشرية والنباتات والحيوانات والطيور.
ويضيف أن التعامل مع هذه الآثار يتطلب تدخلاً بيئياً شاملاً، يبدأ بإزالة الملوثات الناتجة من العمليات العسكرية والتخلص منها وفق معايير صحية وبيئية سليمة، ثم إعادة تأهيل التربة المتضررة واستصلاحها، لكنه يلفت إلى أن هذه الإجراءات تتطلب كلفاً مالية باهظة.
المعادن الثقيلة تعدّ من أخطر الملوثات، وفق دياب، إذ تبقى في البيئة فترات طويلة قبل أن تتحلل، كما أن تأثيرها السلبي يمتد إلى المنتجات الزراعية، ومن ثم إلى صحة الإنسان. ويرتبط حجم الضرر، بحسب دياب، بكثافة القذائف والمقذوفات المستخدمة، إذ تزداد فرص استصلاح الأراضي كلما انخفضت كمية الملوثات المتراكمة فيها.
ويؤكد أن الحل الأمثل يتمثل في تجنّب الحروب من الأساس، وفي حال وقوعها يجب الحد من نطاقها وآثارها قدر الإمكان، إلى جانب تنفيذ برامج واسعة لمعالجة المناطق المتضررة بيئياً. ويختتم: "التربة الملوثة تحتاج إلى عزل ومعالجة خاصة، إذ ينبغي فصلها وتعبئتها في حاويات أو أغلفة عازلة تمنع تسرب الملوثات، ثم التخلص منها أو دفنها في مواقع مخصصة ومؤهلة صحياً وبيئياً".
ويتفق رئيس رابطة المساحة الجيولوجية حسن بخيت مع الآراء السابقة، ويشير إلى أن الحروب التي اندلعت في السودان وإيران وغزة وأوكرانيا وروسيا تترك آثاراً متفاوتة على التربة تبعاً لنوعية الأسلحة المستخدمة.
ومن أخطر تداعيات الحروب يلفت بخيت إلى اضطرار الجهات المعنية إلى تجنّب استخدام مساحات واسعة من الأراضي بسبب زرع الألغام، مشيراً إلى أن بعض المناطق تحرم من مشروعات التنمية نتيجة وجود الألغام والقنابل غير المنفجرة التي تؤثر أيضاً في التربة. مضيفاً أن الحروب، بمختلف أنواع أسلحتها، تلحق أضراراً بالأراضي وتعوق استغلالها، كما تظهر آثارها على صحة الإنسان والحيوان.
وأشار إلى أن حجم الضرر يختلف بحسب طبيعة التربة، موضحاً أن التربة الصخرية المعروفة بصخور القاعدة النارية تتميز بصلابتها وقد تكون أقل تأثراً بالأسلحة مقارنة بالتربة الرملية. وتعد الصخور الرسوبية الأكثر عرضة للتضرر، كونها تمتص آثار الضربات وتتسبب في انتقال التأثيرات إلى أعماق أكبر، مؤكداً أن حجم الأضرار يرتبط بنوع التربة والذخائر المستخدمة.