Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قوات "قسد" السورية... سنوات من الانتصارات والانكسارات

بدت خفيفة الحركة والتنقل ولديها براغماتية عقدت بها الاتفاقات الميدانية ونسجت العلاقات مع معظم أطراف الصراع

تأسست قوات سوريا الديمقراطية من تحالف مجموعات عسكرية غير نظامية كردية وعربية ومسيحية 2019 (اندبندنت عربية)

ملخص

بدأت قوات سوريا الديمقراطية تأسيسها من نواة كردية اسمها وحدات حماية الشعب، ثم انضمت إليها مجموعات عسكرية عربية ومسيحية في المنطقة، وخاضت معارك شرسة واستعادت مناطق واسعة من سيطرة تنظيم "داعش"، لكنها خسرت مناطقها وتعرضت لهجمات قادتها تركيا لتنتهي بعد 11 عاماً في ألوية عسكرية نظامية داخل الجيش السوري، في عهد الحكومة الانتقالية.

عند الحديث حول تأسيس قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا يستقيم الكلام إن لم يتطرق إلى وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة والظروف التي أدت إلى تشكيل قوات من مختلف مكونات شمال وشرق سوريا من الكرد والعرب والمسيحيين في ظل ظروف كانت قاهرة على المنطقة وسوريا.

تحولت سوريا عقب الانتفاضة الشعبية والثورة السلمية بعد أسابيع وأشهر قليلة إلى حرب أهلية بادرت فيها قوات جيش النظام السابق والأجهزة الأمنية إلى قمع المتظاهرين بالنار والاعتقال، ثم استعرت الحال إلى مواجهات عسكرية في مناطق مختلفة من سوريا بما فيها المناطق الكردية التي كانت تشهد تظاهرات معارضة للنظام.

لكن هذه المناطق تعرضت في عام 2004 إلى حملة قمع مصغرة لما شهدته سوريا في عام 2011 عندما انتفض الكرد في الـ12 من مارس (آذار) 2004 في ما عُرف بانتفاضة "12 آذار"، التي اعتقلت فيها أجهزة الأمن السورية آلاف الناشطين والشبان الكرد وقتل العشرات بالرصاص الحي وفي المعتقلات، فيما توزع الجيش للمرة الأولى بكثافة داخل المناطق الكردية بُغية فرض سيطرة وهيبة الدولة التي كُسرت بتحطيم تماثيل الرئيس السابق حافظ الأسد وخروج المنطقة من سيطرة الدولة لأيام معدودة.

مقابل هذا القمع وبصورة سرية قام عدد من الشباب الكرد المؤمنين بأفكار حزب العمال الكردستاني وآخرون مؤيدون له بتشكيل تنظيم مسلح بُغية حماية الكرد داخل البلدات والمدن التي يقطنونها، ولم يكن نشاط هذه المجموعات يتعدى بعض العمليات التي طاولت إما عناصر أمن أو آخرين مناوئين للأكراد، لكن بصورة محدودة جداً.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة لهذه المجموعات ومن ورائها حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي كان جزءاً من المنظومة الفكرية والتنظيمية لحزب العمال الكردستاني الذي تغير وجوده في سوريا من تلقي الدعم وغض النظر من النظام السوري السابق إلى الملاحقة من قِبله، لا سيما عقب ممارسة تركيا ضغوطاً كبيرة وتحشيدات عسكرية عام 1998 وإخراج حافظ الأسد لزعيم الحزب عبدالله أوجلان من سوريا، ومن ثم اعتقاله من قبل تركيا ضمن عملية استخباراتية شاركت فيها دول عدة.

البدايات

هذه اللحظة تمثلت في تراجع نفوذ النظام السوري داخل المناطق الكردية الثلاث، الحسكة وكوباني وعفرين، وذلك في صيف 2012، لتعلن وحدات حماية الشعب تأسيسها العلني وتعهدها بحماية المجتمعات المحلية في المناطق الكردية ولعل أولى المواجهات الحقيقة كانت محدودة مع النظام السوري، لكنها دخلت معارك كبيرة في محيط عفرين ومدينة سري كانيه (رأس العين) ومناطق أخرى لاحقاً مع كتائب وفصائل الجيش السوي الحر، والذي كان يتلقى الدعم على مختلف الصعد من تركيا التي كانت على تماسٍ مع المناطق الكردية المذكورة عبر حدود طويلة.

بدت هذه القوات الكردية خفيفة الحركة والتنقل وبراغماتية في الميدان، فعقدت الاتفاقات الميدانية ونسجت العلاقات مع معظم أطراف الصراع داخل الأراضي السورية، لا سيما تلك التي كانت على تماسٍ مع مناطقها، إلى أن ظهر تنظيم "داعش" حيث واجهتها في ريف سري كانيه والقامشلي. وتدخلت هذه الوحدات الكردية لفتح ممر آمن للنازحين الأكراد الإيزيديين من جبال سنجار في محافظة الموصل العراقية عندما تعرضوا لهجوم التنظيم، ثم لاحقاً ظهرت المواجهات مع "داعش" في عدة مناطق إلى أن اجتاح منطقة كوباني وكاد يسيطر على كامل المدينة في خريف 2014، حيث انحسر وجود المقاتلين الكرد في ربع مساحة المدينة، وصرح وقتها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في خطاب شهير بأن المدينة على وشك السقوط.

جزء من التحالف الدولي

لكن في المقابل كان التحالف الدولي ضد الإرهاب، المشكل حديثاً، يراقب الأوضاع داخل هذه المدينة الكردية في أقصى شمال سوريا، وبوساطة من أكراد العراق وجهات دولية أخرى وصلت أولى شحنات المساعدات العسكرية إلى المقاتلين الأكراد داخل كوباني، ثم تلقوا أيضاً دعماً جوياً مباشراً ومؤازرة برية رمزية من البيشمركة القادمة من إقليم كردستان العراق، لتبدأ عملياً معركة كسر تنظيم "داعش" في سوريا.

 

 

وخلال المعارك التي كان يقودها المقاتلون الكرد مع تنظيم "داعش" الذي بدوره سيطر على المناطق التي كانت تحت سيطرة فصائل الجيش السوري الحر المعارض والفصائل الإسلامية المعارضة، وكذلك على مناطق أخرى أخرج النظام السوري منها، كانت حركة جمع المقاتلين المحليين ومحاولة ضم مقاتلين عرب في مواجهة التنظيم سارية من قبل هذه القوات، وبالفعل أُعلن في أكتوبر (تشرين الأول) 2015 تأسيس قوات سوريا الديمقراطية.

وبحسب مراقبين، فإن الولايات المتحدة الأميركية التي كانت تقود التحالف الدولي وقوى غربية أخرى داعمة لمشروع تأسيس القوات الجديدة التي شكل فيها وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة عمودها الفقري إلى جانب فصائل عربية كانت تابعة للجيش السوري الحر وراغبة في مقاتلة التنظيم، لا سيما في ريف الحسكة ودير الزور والرقة ثم منبج وغيرها.

أبرز معارك "قسد"

وفي لحظة إعلان تأسيس قوات سوريا الديمقراطية في الـ10 من أكتوبر 2015 شاركت ثماني فصائل كردية وعربية وسريانية فيها، لتقر لاحقاً نظاماً داخلياً ناظماً للقوات العسكرية المشكلة، والتي يقودها مجلس عسكري عقد أول اجتماعه في يناير (كانون الثاني) 2015.

ومع هذه البداية كانت التطورات الميدانية تفرض نفسها من خلال المواجهات مع تنظيم "داعش"، كما أن الدعم الدولي أصبح أكثر حضوراً على عدة مستويات عسكرية، فكانت معركة الهول وريف الحسكة الجنوبي الاختبار الأول للقوات المشكلة حديثاً ثم معركة تحرير سد تشرين في ديسمبر (كانون الأول) من العام ذاته، والتي عُدت نقطة تحول استراتيجية في سيرة مقارعة التنظيم مع القوات المشكلة من أبناء المنطقة، والتي بدأت تنشئ مجالس عسكرية محلية جديدة في كل منطقة تتجه إليها.

وفي يونيو (حزيران) من العام التالي بدأت معركة منبج المدينة التي استفاد منها التنظيم في الناحية الاقتصادية والاجتماعية وكذلك الجغرافية، حيث كانت ممراً غير رسمي باتجاه الأراضي التركية، في حين بدأت معركة مدينة الطبقة وتحرير سد الفرات في مايو (أيار) 2017 وبها كسبت القوات مرفقاً استراتيجياً، والذي يعد أكبر سدود البلاد في حجز المياه وإنتاج الكهرباء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان هذا التقدم حاسماً في القضاء على التنظيم وإخراجه من عاصمته المتمثلة بمدينة الرقة في معركة طويلة دامت أكثر من أربعة أشهر لتعلن القوات بقيادة كردية في الـ17 من أكتوبر 2017 السيطرة الكاملة على المدينة، ثم لتبدأ بعدها معركة استعادة ريفي دير الزور الشمالي والشرقي وبلداتها التي تقع على ضفة نهر الفرات اليسرى، وصولاً إلى آخر معركة ضد التنظيم في آخر معاقله في الباغوز، والتي انتهت في مارس 2019 وعليه اسدلت القوات الستار على وجود التنظيم عسكرياً لتبدأ بعدها معارك أمنية تمثلت بملاحقة خلايا التنظيم الذي بدوره غير من تكتيكاته واستراتيجياته العملياتية في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية حتى إنها حاولت اقتحام سجن الصناعة الشهير في مدينة الحسكة واستطاع عدد من عناصره الفرار من السجن في حين أن آخرين خاضوا معركة شرسة في يناير 2022.

تشكيلات متخصصة

منذ تأسيس قوات سوريا الديمقراطية وعلى مدى أعوام عمرها تشكلت فيها وحدات متخصصة، شملت القوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب عام 2018، وقوات التدخل السريع، وكذلك الاستخبارات العسكرية عام 2019، وفرق إزالة الألغام عام 2020، وقوات التدخل الجوي عام 2024، وأنشأت قوات "قسد"، بحسب بياناتها، عشرات الأكاديميات العسكرية بين عامي 2017 و2025، بهدف تأهيل المقاتلين فكرياً وعسكرياً وتطوير قدراتهم القتالية، فيما وصل عدد المقاتلين الذين مروا بهذه الأكاديميات إلى أكثر من 100 ألف مقاتل ومقاتلة، وفق تصريحات قيادات في قوات سوريا الديمقراطية لوكالة أنباء "هاوار".

هاجس تركيا

لكن قوات سوريا الديمقراطية لم تكن تعمل بأريحية خلال أعوام حربها ضد تنظيم "داعش" بل تعرضت منطقة عفرين الكردية والتي كانت تسيطر عليها وحدات حماية الشعب في بداية عام 2018 إلى عملية عسكرية تركية بمشاركة فصائل الجيش الوطني السوري، حيث عملت القوات التركية على إخراج القوات الكردية من المنطقة ضمن عملية سمتها "غصن الزيتون"، وعملت قبلها في معركة طرد تنظيم "داعش" من مناطق ريف حلب الشمالي في عام 2016 سمتها "درع الفرات". وقال مسؤولون أتراك في خطابات علنية إن هدف هذه العمليات كان منع القوات الكردية من تشكيل منطقة كردية انفصالية تهدد أمنها القومي، ووصلت سيطرة قوات "قسد" في عموم مناطق شمال وشرق سوريا إلى نحو 30 في المئة من مساحة سوريا الكلية، والتي كانت تضم معظم سدود المنطقة ونفطها إلى جانب موارد زراعية لا سيما أهم المناطق التي كانت تنتج القمح القطن على مستوى البلاد.

وأعادت تركيا الكرَّة في أكتوبر 2019 بعمليتها العسكرية المعروفة بـ"نبع السلام" وبها أخرجت "قسد" من منطقتي سري كانيه (رأس العين) وتل أبيض لتستكمل تركيا لاحقاً الضغط على قوات سوريا الديمقراطية وقياداتها عبر استهدافهم بطائرات مسيرة، فيما تحولت لاحقاً إلى قصف المنشآت الحيوية الخاصة بالنفط والكهرباء، مما خلف أضراراً جسيمة في البنية التحتية خلال عامي 2023 و2024.

 

 

وبعد بدء عملية "ردع العدوان" التي قادها الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع بأيام قليلة، بدأت الفصائل المدعومة من تركيا بعملية "فجر الحرية" ضد قوات سوريا الديمقراطية، وعلى إثرها وضغوط دولية انسحبت القوات من مدينة منبج لتبدأ بعدها معركة طويلة في محيط سد تشرين.

اتفاقات مع الحكومة

ثم جاء اتفاق "10 مارس" بين قائد قوات سوريا الديمقراطية والرئيس الشرع، لينص على دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الذاتية في الحكومة السورية، واعتبار المجتمع الكردي جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، وشمل بنوداً أخرى تضمن المشاركة السياسية للمكونات العرقية والدينية في حكم البلاد، لكن هذا الاتفاق لم يسرِ كما يريد الطرفان، فاندلعت مواجهات في السادس من يناير داخل الحيين الكرديين بحلب مع الجيش النظامي وامتدت إلى محافظتي الرقة ودير الزور، وتزامن ذلك مع طلب أميركي من قوات سوريا الديمقراطية بالانسحاب من هذه المناطق، وهو ما استجابت له "قسد" وتمترست داخل المناطق الكردية التي كادت تشهد مواجهات دامية، لكن تدخلات غربية وكردستانية أفضت إلى اتفاق "29 يناير" الذي نص على دمج قوات سوريا الديمقراطية المتبقية جراء انسحابها كقوات كردية ضمن أربعة ألوية عسكرية في قوام الجيش السوري، ودمج القوات الأمنية والمؤسسات الإدارية وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم والحقوق المدنية والتربوية للكرد في سوريا، وتحقيق الأمان والبناء في البلاد.

وخلال الأشهر الماضية جرت مفاوضات وجولات طويلة ومكثفة لاستكمال عملية الدمج، ووصلت قبل أيام إلى مراحلها النهائية، إذ جرت ضمن بحر الأسبوع الماضي سلسلة اجتماعات مكثفة ضمت قيادات عسكرية وأمنية وسياسية كردية مع الرئيس الشرع والوزراء السوريين، أفضت إلى إعلان حل مظلوم عبدي كامل قواته واكتمال دمجها في المؤسسات الحكومية، مع بقاء بعض الملفات الإدارية والعسكرية والأمنية غير مكتملة وقيد البحث.

لكن الرئاسة السورية من جانبها أعلنت تعيين عبدي مستشاراً للرئاسة السورية وكذلك أصدرت وزارة التربية والتعليم قراراً بتحديد حصص دراسية لتعليم اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة، في حين ينتظر تعيين إلهام أحمد مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية عضواً في البرلمان السوري، وكذلك ضم وحدات حماية المرأة كقوة خاصة بمكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية، إلى جانب استكمال تعيينات أمنية وإدارية خلال الفترة المقبلة.

وخلال هذه المسيرة الطويلة من عمر هذه القوة، من نشوئها إلى حلها، مرت القوات الكردية التي كانت محظورة من الظهور في زمن حزب البعث والأسدين بمراحل قوة وضعف، لكنها انتهت حالياً بجملة مكتسبات بأن أصبحت جزءاً من الجيش السوري النظامي ولو بعدد أقل من قوامها المتبقي، وكذلك ضمت القوات الأمنية وأصبحت حكومية ومسيطرة داخل المناطق الكردية بترتيبات إدارية تابعة للحكومة، إضافة إلى اعتراف باللغة الكردية، لكن الأبرز أنها أصبحت جزءاً من الدولة في مؤسساتها، في ظل عدم رضا شعبي مما قدمته من دماء مقابل اعتراف غير كافٍ لطموح الكرد في سوريا.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات