ملخص
الصيغة الخطابية، على رغم اختلاف السياق المذهبي والسياسي لصاحبها، تعيد إلى الأذهان أدبيات أسامة بن لادن. ففي فبراير 1998، أعلن مؤسس تنظيم "القاعدة" تشكيل "الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين"، يوم حسم الصراع في مواجهة حتمية مع واشنطن، مُتخذاً من وجود القواعد الأميركية في الجزيرة العربية ذريعة لدعوة المسلمين إلى قتال الغرب.
عاد المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى الواجهة، ولكن خلف الستار مجدداً، فبعد أشهر من التواري، وظف ما يسمى "أسبوع الوحدة" الذي أطلقه الخميني قبله في مناشدة دول المنطقة، لا سيما في الخليج العربي، إلى "اتحاد الكلمة" والتصدي "للعدو الحقيقي"، في إشارة إلى الغرب وأميركا وإسرائيل.
وتطرق إلى الانقسامات المذهبية والسياسية، التي حذر من كونها لا تخدم سوى أطراف خارجية، متسائلاً بنبرة تحريضية عما إذا كانت القوى الدولية تجرؤ على تهديد المنطقة لو كانت الشعوب والحكومات يداً واحدة.
هذه الصيغة الخطابية، على رغم اختلاف السياق المذهبي والسياسي لصاحبها، تعيد إلى الأذهان أدبيات أسامة بن لادن. ففي فبراير 1998، أعلن مؤسس تنظيم "القاعدة" تشكيل "الجبهة العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين"، يوم حسم الصراع في مواجهة حتمية مع واشنطن، مُتخذاً من وجود القواعد الأميركية في الجزيرة العربية ذريعة لدعوة المسلمين إلى قتال الغرب.
المسرح الكاشف
غير أن التشابه الأشد بين التجربتين لا يقف عند استعطاف جيرانه وإثارة حمية "الوحدة الإسلامية" في مقابل "العدو الخارجي" الغربي، كشعارات تعبوية، بل يتجلى في الفجوة العميقة بين مضمون الخطاب، والتطبيق المضاد له على الأرض.
فبينما رفع بن لادن شعار محاربة الغرب دفاعاً عن الأمة، تحولت الجغرافيا الإسلامية نفسها إلى المسرح الأكبر لسنوات العنف الدموي، من العراق وأفغانستان إلى اليمن والصومال وسوريا والمغرب والسعودية وغيرها. حتى في الهجمات العابرة للحدود التي استهدفت المصالح الأميركية، كان المسلمون الضحية الأولى، إذ كشفت تفجيرات سفارتي واشنطن لدى نيروبي ودار السلام عام 1998 أن الغالبية العظمى من القتلى البالغ عددهم 224 شخصاً كانوا من السكان المحليين المسلمين والأفارقة، بينما لم يتجاوز عدد الضحايا الأميركيين 12 شخصاً.
وفي النموذج الإيراني، تظهر المفارقة أكثر؛ إذ يتعلق الأمر بدولة تمتلك ترسانة عسكرية ومؤسسات رسمية وليس بتنظيم مطارد. ففي وقت يدعو فيه مجتبى حكام الخليج إلى "التكاتف والدفاع المشترك"، تشير بيانات مركز الخليج للأبحاث، إلى تجاوز الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة على دول مجلس التعاون الخليجي والأردن أكثر من 7311 هجمة، استهدفت مرافق الطاقة والموانئ والبنى التحتية الحيوية، فضلاً عن سقوط عشرات الضحايا المدنيين، بينما كان نصيب إسرائيل من الاستهداف أقل من ذلك بنحو 80 في المئة.
وهكذا تضع الحقائق رسالة مجتبى أمام واقع يصعب تجاوزه، إذ يتحول الداعي لـ"أسبوع الوحدة" إلى مصدر مباشر للتهديد العسكري الذي يطاول بنية الأمن والتنمية في الجوار العربي.
المطاردة الأميركية
يتلاقى الرجلان أيضاً في سيكولوجية "التخفي العملياتي"، فكما قضى بن لادن أعوامه الأخيرة معزولاً خلف جدران "أبوت آباد" يرسل تعليماته المكتوبة عبر رسل موثوقين، يواصل مجتبى خامنئي إدارة السلطة "من وراء الظل" دون أي ظهور علني منذ توليه المنصب.
وتلاحظ هذا التلاقي قناة "فوكس نيوز" الأميركية في وقت سابق، إذ قال المتخصص في مكافحة الإرهاب، عمر محمد، في مقابلة معها "للمرة الأولى في تاريخ إيران، تقوم الولايات المتحدة مع طهران بما كانت تفعله خلال العقدين الماضيين مع ’القاعدة‘ و’داعش‘".
وأضاف "الولايات المتحدة دفعت المرشد الإيراني إلى اتباع النمط نفسه من التخفي العملياتي، الذي عاشه بن لادن طوال 10 أعوام في أبوت آباد بباكستان".
وبحسب محمد، فإن مجتبى خامنئي وبن لادن وصلا إلى موقعيهما "بفعل العمليات الأميركية"، وكلاهما ردّ بالطريقة ذاتها عبر "الاختفاء من المجال العام".
لكن الجانب الأهم في هذا التقاطع، هو الخطاب الأيديولوجي، الساعي إلى وضع المجتمعات العربية والإسلامية، ذخيرة لبندقة النظام الأيدولوجية، على خطى التنظيمات المتطرفة، التي يكشف تاريخها المرير، عن جنايتها ضد الشعوب المسلمة، على رغم مزايداتها على الأنظمة السياسية، مما دفع عدداً من أفراد تلك التنظيمات إلى تسجيل مراجعات فكرية، نقضوا فيها أفكار العنف السابقة، والصراع مع العالم.
"العدو الحقيقي"
وفي هذا الصدد نسب إلى المرشد في الرسالة المنشورة على حساباته وعدد من الوكالات الإيرانية، مثل "فارس" أن توصيته "المؤكدة والمتكررة" لحكام الدول الإسلامية، لا سيما دول غرب آسيا ودول الخليج، هي أن "يعرفوا عدوهم الحقيقي، ويدركوا مخططاته ويواجهوها".
وذهب أبعد من ذلك حين قال إن الولايات المتحدة وإسرائيل "ليسوا أعداء لإيران والجبهة الكبرى للمقاومة الإسلامية وحسب، بل يعادون الأمة الإسلامية بأكملها"، مضيفاً أن "العدو يسعى إلى تمزيق الأمة الإسلامية".
ولا يختلف كثر في المنطقة على أن تل أبيب تستهدف استقرار الإقليم، لكنهم يعدون سياسات إيران هي الأخرى عدوانية وتوسعية. ولذلك رفضت دول الخليج بقيادة السعودية الاتجاهين من دون مواربة، وعملت على التصدي لهما بالطرق الدفاعية والدبلوماسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قبل أكثر من ربع قرن، كان بن لادن يستخدم قاموساً قريباً وهو يشرح معركته مع الولايات المتحدة، ففي بيانه بعد هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول)، تحدث عن "أمتنا الإسلامية" التي عانت، بحسب قوله، "الإذلال والعار" عقوداً طويلة، وقال إن "العالم انقسم بأسره إلى فسطاطين: فسطاط إيمانٍ لا نفاق فيه! وفسطاط كُفْرٍ"، قبل أن يدعو "كل مسلم" إلى النهوض للدفاع عن دينه، حين هبت رياح التغيير لإزاحة الباطل. ووضع فلسطين والقوات الأميركية في الجزيرة العربية في قلب هذه الرواية.
هنا يبرز جوهر التلاقي بين الرجلين، فكلاهما لا يقدم الصراع باعتباره نزاعاً بين دول، بل يعيد صياغته باعتباره معركة كبرى بين معسكرين، تُستدعى فيها فكرة الأمة الإسلامية لتوفير غطاء أوسع للصراع.
وفي هذا السياق، كان المفكر اللبناني رضوان السيد، عالج في مقالة له عبر "الشرق الأوسط" اللندنية، ظاهرة "كثرة الحديث عن الثقافة ذات الأبعاد الدينية والأخلاقية باعتبارها دوافع في السلوك الحربي"، في حين يرى هو، أن ذلك غطاء لدوافع أخرى شديدة التناقض والتضارب مع الثقافة والدين.
وأضاف "من الذي سيصدّق أنّ سلوك بنيامين نتنياهو العنيف توراتي، أو أن سلوك الرئيس دونالد ترمب دافعه أنه من الإنجيليين الجدد المتطرفين"؟
وسأل خامنئي دول الخليج العربية بالتحديد عما إذا كان من وصفهم بأنهم "الأوباش ممسوخو الهوية الفاسدون يجرؤون على الطمع، من بعد آلاف الكيلومترات، في أراضيهم وممتلكاتهم؟" مع "اتحادها تحت راية الإسلام".
وهو سؤال سبق أن وجهه وزير الخارجية السعودي بصيغة أخرى إلى إيران، في أعقاب تزايد عملياتها العدوانية ضد دول الخليج في بداية الحرب، عن "ماذا قدمت للعالم الإسلامي؟" قبل أن يضيف "ماذا قدمت سوى دعم الحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق ونظام بشار الأسد و’حزب الله‘ في سوريا"؟