Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميركا و"حزب الله"... جسور تمد في التصريحات وتهدم بالنفي

كثر يعتبرون أن ما يطرح عن حوار بين الطرفين هو أقرب إلى انعكاس لضغط تفاوضي

صدرت إشارات عن "حزب الله" نفسه، لم تستبعد فيها تصريحات لمسؤولين في الحزب احتمال حصول تواصل مباشر مع واشنطن مستقبلاً (ا ف ب)

ملخص

سربت معلومات نشرت في وسائل إعلام لبنانية عن ضوء أخضر أميركي منح للسفير عيسى للتواصل مع "حزب الله"، مما سارع مصدر في وزارة الخارجية الأميركية إلى نفيه، مؤكداً أن الموقف الأميركي المعلن لا يزال يربط أي انفتاح باشتراط مسبق يتصل بتسليم الحزب سلاحه.

تكرر في الأشهر الأخيرة طرح فكرة انفتاح أميركي محتمل، مباشر أو غير مباشر، على "حزب الله". ومن الواضح أن هذا الطرح لم يولد من فراغ، بخاصة أنه تكرر على لسان أكثر من شخصية أميركية معنية بالملف اللبناني، فضلاً عن كلام مباشر لأحد مسؤولي الحزب عن إمكان التواصل المباشر مع الجانب الأميركي. واللافت أن كل تصريح أميركي من هذا النوع يعقبه سريعاً تصحيح أو نفي رسمي يعيد التذكير بأن واشنطن لا تتفاوض إلا مع الدولة اللبنانية، وأن الحزب يبقى مصنفاً "منظمة إرهابية أجنبية".

هذا النمط تكرر مرتين خلال فترة قصيرة، مرة مع السفير الأميركي لدى بيروت ميشال عيسى، الذي ترك الباب مفتوحاً نظرياً أمام أي تواصل مع الحزب عندما ربط التواصل معه بـ"إذا كان لديه شيء ليقدمه"، ومرة مع المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك، الذي ذهب أبعد من ذلك حين لمح إلى ضرورة إشراك الحزب وإيران في أي تسوية جدية، قبل أن يتراجع صراحة عن ذلك.

وفي السياق نفسه سربت معلومات نشرت في وسائل إعلام لبنانية عن ضوء أخضر أميركي منح للسفير عيسى للتواصل مع "حزب الله"، مما سارع مصدر في وزارة الخارجية الأميركية إلى نفيه، مؤكداً أن الموقف الأميركي المعلن لا يزال يربط أي انفتاح باشتراط مسبق يتصل بتسليم الحزب سلاحه.

ووزعت السفارة الأميركية في بيروت قبل ساعات تصريحاً لمتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية قال فيه "ينص الإطار الثلاثي بوضوح على أن الحكومة اللبنانية هي الجهة الشرعية الوحيدة للتفاوض بشأن مستقبل لبنان، وذلك نيابةً عن الشعب اللبناني". وذكّر البيان بكلام السفير ميشال عيسى الذي أكد أن لا شيء مطلوب من الحزب سوى تسليم سلاحه، لكنه أشار بشكل ملفت أيضاً إلى رفض "حزب الله" حتى الآن التحدث مع الدولة اللبنانية، ومع الجانب الأميركي ومع إسرائيل.

طرح ثم تراجع

في التفسير المعطى لتكرار هذا المسار، طرح ثم تراجع، بين تصريحات السفير عيسى والمبعوث براك، يتحدث البعض عن عوامل عدة متداخلة.

فمن جهة، تجد واشنطن نفسها أسيرة ازدواجية وظيفية في خطابها، إذ هناك حاجة عملية إلى الإقرار الضمني بأن "حزب الله" طرف فعلي في المعادلة الميدانية والسياسية اللبنانية لا يمكن تجاوزه كلياً، مقابل التزام سياسي ثابت برفض الاعتراف به كطرف تفاوضي شرعي، انطلاقاً من تصنيفه تنظيماً إرهابياً.

ويضاف إلى ذلك تعدد الجهات المتحدثة باسم الملف اللبناني، إذ تتداخل صلاحيات السفير عيسى في بيروت مع صلاحيات المبعوث الخاص إلى سوريا ووزارة الخارجية، مما يفتح المجال أمام تباينات في الصياغة قد تفسر سياسياً على نحو يتجاوز ما قصده المتحدث فعلياً.

كذلك يسهم استمرار الضغط الميداني، المتمثل بالاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب وربطها العلني باستمرار وجود سلاح "حزب الله"، في دفع بعض المسؤولين الأميركيين إلى تلميحات قد تقرأ كدعوة ضمنية لإشراك الحزب تسريعاً لأي تهدئة، بخاصة بعد عجز السلطة السياسية اللبنانية عن حسم ملف الحزب.

 

وأخيراً، تبقي إشارات صادرة عن "حزب الله" نفسه، لم تستبعد فيها تصريحات لمسؤولين في الحزب احتمال حصول تواصل مباشر مع واشنطن مستقبلاً وفق منطق "المصلحة والظروف"، هذا الاحتمال حاضراً في التداول السياسي والإعلامي، حتى قبل صدور أي تصريح أميركي جديد.

لكن كثيرين يعتبرون أن ما يطرح تكراراً عن حوار أميركي مع "حزب الله" هو أقرب إلى انعكاس لضغط تفاوضي وتباين داخلي في الخطاب الأميركي، منه إلى مسار فعلي قيد التبلور، مع بقاء الباب موارباً أمام أي تطور لاحق يرتبط بمسار نزع سلاح الحزب أكثر من ارتباطه برغبة أميركية معلنة في حوار مباشر معه.

سيناريوهات الحوار مع الحزب

يبقى الحوار المباشر بمعناه الحرفي بين واشنطن و"حزب الله" ضعيف الاحتمال في المدى المنظور، وثمة وفق المراقبين أربعة سيناريوهات ممكنة تحدد ملامح هذا المسار.

أولها، وهو الأقرب إلى الواقع الحالي وإلى ما تؤكده الخارجية الأميركية وبراك بعد تراجعه، حوار غير مباشر عبر الدولة اللبنانية، إذ تبقى القناة الرسمية بين واشنطن وبيروت، عبر رئاسة الجمهورية والحكومة والسفارة اللبنانية في واشنطن، الإطار الوحيد المعتمد، فيما يترك للحزب أن يبلغ مواقفه عبر الدولة أو حلفائه من دون اتصال مباشر بالجانب الأميركي.

أما السيناريو الثاني فيتمثل بتواصل مباشر محدود ومشروط، بحيث لو قرر الحزب تقديم "شيء ملموس"، كإشارات جدية حول نزع السلاح أو تجميده تدريجاً، فقد تنفتح قناة تواصل محدودة، إلا أن هذا الاحتمال يصطدم مباشرة بالخط الأحمر الذي أعاد براك تثبيته، إذ إن التصنيف الإرهابي للحزب يجعل أي تفاوض معه مباشرة عبئاً سياسياً وقانونياً على واشنطن، لا مجرد خيار تكتيكي.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر ترجيحاً في المدى القصير، استمرار الجمود مع تصريحات متضاربة، أي تكرار النمط الذي شهدناه مع عيسى وبراك، بحيث تصدر تصريحات فردية توحي بانفتاح ثم تعقبها تصحيحات أو نفي رسمي من دون أن يتبلور أي مسار فعلي، وسط تمسك الحزب برفض أي تفاوض مباشر ما دامت الاعتداءات الإسرائيلية مستمرة.

أما السيناريو الرابع فهو تصعيد ميداني يقفل الباب موقتاً، بحيث إذا تجدد التصعيد العسكري بصورة واسعة، فإن أي حديث عن حوار، مباشراً كان أم غير مباشر، سيتراجع لمصلحة منطق المواجهة، إلى حين تبلور تهدئة جديدة تعيد فتح النقاش الدبلوماسي.

نقاش داخل الحزب حول جدوى الحوار

يبدو أن فكرة عقد لقاء مباشر بين "حزب الله" والسفير الأميركي باتت موضع نقاش فعلي داخل أروقة قيادة الحزب، على رغم اللهجة المتشددة التي لا يزال يعتمدها علناً تجاه السياسة الأميركية في المنطقة. ويكشف الكاتب السياسي قاسم قصير أن واشنطن كانت قد وجّهت في السابق أكثر من رسالة غير مباشرة إلى الحزب، إلا أن الأخير كان قد حسم موقفه آنذاك برفض أي تواصل مباشر معها، مكتفياً بإبلاغ الجانب الأميركي أن رئيس مجلس النواب نبيه بري هو القناة الوحيدة المعتمدة لأي حوار.

غير أن المعطيات الحالية، بحسب قصير، تشير إلى أن نقاشاً جدياً يدور اليوم داخل قيادة الحزب حول جدوى الانتقال إلى حوار أو لقاء مباشر، من دون أن يكون القرار النهائي قد اتخذ بعد. ويلفت إلى أن الخطاب الأخير للأمين العام للحزب نعيم قاسم، بما حمله من مواقف حادة ضد السياسة الأميركية في لبنان، بدا وكأنه محاولة لإغلاق الباب أمام أي انفتاح من هذا النوع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومع ذلك، يشدد قصير على أنه لا يمكن استبعاد أي احتمال، وأن مسار الأمور سيبقى مرهوناً بالتطورات الأمنية والسياسية، وتحديداً بما قد تقدّمه الإدارة الأميركية من خطوات فعلية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. ويؤكد قصير أن الملف لا يزال قيد الدرس، ولا توجد حتى الساعة أي معلومات تحدد موعداً محتملاً لأي لقاء مباشر. أما إذا حصل هذا اللقاء، فمن المرجح أن يشمل جدول أعماله، بحسب قصير، جملة من الملفات الجوهرية، على رأسها الانسحاب الإسرائيلي، مستقبل سلاح الحزب، شكل النظام السياسي في لبنان وضمان دور الطائفة الشيعية فيه، إعادة الإعمار وعودة النازحين، إطلاق الأسرى، احترام الحدود الدولية، إضافة إلى دور إيران وطبيعة علاقة الحزب بها.

الأجواء من واشنطن

بحسب مصدر دبلوماسي في واشنطن كل المؤشرات تفيد حتى الآن بأن الخط الرسمي الثابت لدى الإدارة الأميركية لا يزال يرفض أي تفاوض مباشر مع طرف مصنف إرهابياً، كذلك فإن الحرص اللبناني الرسمي على حصر التفاوض بالدولة، بدعم أميركي معلن، يبقي أي حديث عن حوار مباشر خارج الإطار المقبول رسمياً من الجانبين. يضاف إلى ذلك الحساسية الداخلية اللبنانية العالية تجاه أي اتصال مباشر بين واشنطن والحزب، التي ظهرت بوضوح في الانقسام حول تصريح براك نفسه.

فضلاً عن أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية يبقي أية "تهدئة تفاوضية" هشة وقابلة للانهيار، مما يقلص هامش المجازفة بفتح قناة مباشرة مثيرة للجدل.

في المقابل، يبقى الحوار غير المباشر، عبر الدولة أو عبر وسطاء إقليميين، الإطار الأكثر واقعية لأي تقارب محتمل، فيما تبقى التصريحات الفردية المتقطعة وفق المصدر نفسه، كتلك التي صدرت عن عيسى وبراك، أقرب إلى انزلاقات لفظية أو رسائل ضغط ظرفية منها إلى تحول فعلي في السياسة المعلنة.

الحوار مع الحزب غير مستبعد ما دامت السلطة عاجزة

ويعلق مصدر مطلع على السياسة الأميركية على كلام السفير ميشال عيسى الذي ترك الباب مفتوحاً أمام احتمال التواصل مع "حزب الله"، مؤكداً أن اللافت في الأمر هو أن واشنطن لم تنف بصورة قاطعة مسألة هذا الحوار.

ويوضح المصدر أن ثمة أجنحة متعددة داخل الإدارة الأميركية، وأن أحدها يؤمن بضرورة الحوار مع "حزب الله" باعتباره سبيلاً لحل مشكلة السلاح، إلا أن هذا التوجه يختلف بصورة كبيرة عن المسار الذي يسلكه وزير الخارجية ماركو روبيو.

ويذهب إلى الاعتقاد بأن خيبة الأمل التي تشعر بها الإدارة الأميركية تجاه السلطة السياسية اللبنانية، والتساؤلات القائمة لديها حول مدى تنفيذ اتفاق الإطار، تجعلان التواصل مع "الأصيل" أمراً غير مستحيل، ما دام "الوكيل" عاجزاً عن إتمام المهمة أو ضمان تنفيذها. ولا يستبعد المصدر أن يحمل حوار من هذا النوع رسالة موجهة إلى رئيس الجمهورية والحكومة، مفادها بأنهما عجزا عن تنفيذ ما التزما به.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، يعتبر المصدر أن حواراً مع السفير ميشال عيسى، المعروف بمواقفه الحادة تجاه سلاح "حزب الله"، لا يعد بالضرورة التفافاً على المسار التفاوضي القائم مع رئيس الجمهورية، ولا تنازلاً أو تراجعاً عن مطلب نزع سلاح الحزب. ويبقى هذا الحوار غير مستبعد ما دام لم يصدر حتى الآن أي موقف واضح أو بيان رسمي عن الإدارة الأميركية ينفيه صراحة، بدلاً من الاكتفاء بنفيه عبر مصادر غير معلنة.

واشنطن لن تمنح الحزب أي مكسب سياسي

يستعيد مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب محطات العلاقة الأميركية اللبنانية وسلسلة خيبات الأمل التي خلّفتها وعود وتعهدات لم تُترجم يوماً إلى أفعال. ويتوقف عند القرارات الحكومية اللبنانية المتعاقبة بشأن حصر السلاح بيد الدولة، والتي أثبتت التجربة، من وجهة نظر الإدارة الأميركية، أنها بقيت حبراً على ورق ولم يتحقق منها شيء على الأرض. ويمتد هذا المسار، بحسب حرب، وصولاً إلى قرار رئيس الجمهورية الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل والتعهد بتفكيك الحزب ونزع سلاحه، على أن يعقب ذلك انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية، ليتبيّن لاحقاً أن الجيش اللبناني نفسه يتحفظ عن تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه.

وانطلاقاً من هذا الواقع، يرى حرب أن الذهنية الأميركية البراغماتية تدفع باتجاه التفكير جدياً في فتح قناة تواصل مع "حزب الله"، على غرار ما حصل مع حركة "حماس". غير أن أي حوار محتمل مع الحزب، بحسب حرب، لن يعني منحه أي مكاسب، بل سيكون هدفه الوحيد إبلاغه بضرورة تسليم سلاحه من دون خوض معركة عسكرية، مقابل إنشاء صندوق مخصص لإعادة إعمار الجنوب، على أن يبدأ الجيش الإسرائيلي انسحابه فور إتمام عملية التسليم.

ويحذر حرب من أن "حزب الله" قد يوظّف أي مفاوضات مع الأميركيين كورقة ضغط لانتزاع مكاسب سياسية من السلطة في لبنان، ويعتبر أن نقطة الضعف الحقيقية لا تقتصر على رئيس الجمهورية وحده، بل تشمل أيضاً الحكومة والكتل النيابية التي دعمت رئيس الجمهورية والجيش اللبناني من دون وضع أي شروط أو ضمانات مسبقة.

ومع ذلك، يؤكد أن واشنطن ستضع أمام الحزب خيارين لا ثالث لهما، الأول إما القبول بدخول قوات دولية تتولى مهمة نزع سلاحه، أو تسليمه طوعاً مقابل إعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي. ويستبعد حرب بشكل قاطع أن تقدّم الإدارة الأميركية أي تنازلات سياسية للحزب داخل الدولة، ويخلص إلى أن الأفضل، من حيث المبدأ، هو ألا يحصل أي تواصل مباشر بين واشنطن و"حزب الله"، لكنه يقر بأن السلطتين السياسية والعسكرية في لبنان لم تتركا لنفسيهما هامشاً آخر للمناورة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير