ملخص
على ما يبدو أن واشنطن تنتقل بصورة متدرجة من التعامل مع مسألة السلاح باعتبارها مشكلة "سلاح حزب لبناني" إلى اعتبارها مشكلة بنية مالية إيرانية مسلحة تعمل من داخل لبنان.
أسقطت واشنطن الغطاء اللبناني عن "حزب الله"، ووضعته في خانة التنظيم المرتبط بإيران والخاضع لقيادة الحرس الثوري، معيدة تعريفه وتوصيفه وموقعه ودوره داخل لبنان.
وكانت أعلنت وزارة الخزانة الأميركية، قبل أمس الخميس الـ20 من أغسطس (آب)، فرض عقوبات على 10 أفراد قالت إنهم يشكلون جزءاً من شبكة مسؤولة عن نقل أموال نقدية إلى "حزب الله"، عبر ناقلين يستخدمون رحلات جوية تجارية بين لبنان وتركيا وإيران، مشيرة إلى أن الشبكة نقلت مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات بين هذه الدول.
وقالت وزارة الخزانة، في بيان، إن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية "OFAC" أعاد أيضاً تصنيف "حزب الله" بموجب الأمر التنفيذي 13224 المعدل، على أساس عمله لمصلحة النظام الإيراني وتحت قيادة "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني.
وبحسب البيان، توفر شبكة نقل الأموال المستهدفة قناة خارج النظام المالي الرسمي، تتيح لـ"حزب الله" الحصول على العملات الأجنبية والالتفاف على العقوبات الأميركية. وأضاف بيان مكتب مراقبة الأصول الأجنبية، أن "حزب الله" وحلفاءه يستخدمون مجموعة من آليات التمويل لتوليد الأموال ونقلها في أنحاء المنطقة، بينها تهريب النفط والشحن غير المشروع وبيع السلع وتهريب الأموال النقدية بكميات كبيرة. وأوضح أن الشبكة التي استهدفتها العقوبات الجديدة كانت مرتبطة سابقاً بالمسؤول المالي السابق في فيلق القدس بهنام شهرياري، معتبراً أنها تمثل نموذجاً للوسائل المستخدمة في إيصال الدعم المالي إلى الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة. ويدير رجل الأعمال التركي يونس ألبير يلماز (Yunus Alper Yilmaz) شبكة الناقلين المسؤولين عن نقل الأموال بين دول في المنطقة ولبنان. واتهمت واشنطن يلماز باستخدام بعض شركات الصرافة الموجودة في تركيا كواجهات لنشاطاته التجارية.
ما الذي دفع واشنطن إلى اتخاذ قرار كهذا؟
تلقف الشارع اللبناني الخبر بانقسام لا يقل دلالة عن القرار نفسه، ففي مقابل بيئة "حزب الله" التي رأت فيه محاولة أميركية جديدة لاستهداف الحزب وإيران معاً، تلقفه خصوم الحزب باعتباره تثبيتاً أميركياً لما يقولونه منذ أعوام، أي إن قرار الحزب وسلاحه لم يعودا شأناً لبنانياً مستقلاً، بل جزءاً من منظومة الحرس الثوري الإيراني. ويأتي ذلك في لحظة لبنانية شديدة الحساسية، مع تصاعد الخلاف حول نزع السلاح ورفض الحزب التخلي عنه، مما أعطى للتوصيف الأميركي بعداً داخلياً يتجاوز العقوبات نفسها.
ولكن يبقى السؤال الأهم، لماذا اختارت واشنطن هذه اللحظة تحديداً لإعادة تثبيت "حزب الله" رسمياً باعتباره يعمل خدمة للنظام الإيراني وتحت قيادة "فيلق القدس"؟ وهل أرادت فقط تضييق الخناق المالي على الحزب، أم أن الخطوة تمهد لمرحلة سياسية مختلفة تنزع عنه تدريجاً الغطاء اللبناني، وتضع سلاحه ومؤسساته وشبكاته المالية في خانة النفوذ الإيراني، التي كثيراً ما طالبت الدولة اللبنانية بتفكيكها؟ خصوصاً أن القرار تزامن مع استهداف الشبكة المتهمة بتهريب مئات ملايين الدولارات إلى الحزب عبر إيران وتركيا والإمارات ولبنان.
تلة علي الطاهر
وعليه، تعود قضية تلة علي الطاهر، كقضية محورية لاختبار جدية الدولة اللبنانية بموضوع نزع السلاح، ولم تعد تلك التلة مجرد نقطة عسكرية متقدمة في جنوب لبنان، بل تحولت إلى اختبار فعلي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها في ملف حصر السلاح، بخاصة مع إصرار "حزب الله" على عدم تسليم المرتفعات للجيش اللبناني، وتمسكه بالبنية العسكرية الموجودة فيها.
وأزمة علي الطاهر ليست سوى الجزء الظاهر من مشكلة أوسع، بدأت تثير امتعاضاً أميركياً متزايداً من أداء الدولة اللبنانية، فواشنطن لم تعد تقيس جدية بيروت بالقرارات السياسية أو بإعلان الالتزام بحصر السلاح، وإنما بما يحدث ميدانياً، هل يدخل الجيش إلى مواقع الحزب؟ هل يفتش المنشآت ويصادر السلاح؟ وهل تستطيع المؤسسات الأمنية التحرك داخل مناطق نفوذ الحزب من دون خطوط حمراء؟ خصوصاً أن "حزب الله" لا يزال يرفض نزع سلاحه، ويعتبر الاتفاق الإطاري غير موجود.
ولا يتوقف الضغط الأميركي عند الترسانة العسكرية، فالمقاربة الأميركية الأوسع تستهدف تفكيك المنظومة التي تسمح للحزب بالعمل كدولة موازية داخل الدولة، أي بنيته المالية، وشبكات التمويل والتحويل، والواجهات والمؤسسات التي توفر له الموارد والنفوذ الاجتماعي. وقد بدأت السلطات اللبنانية بالفعل باتخاذ إجراءات في هذا الاتجاه، بينها منع المؤسسات المالية اللبنانية من التعامل مع مؤسسة "القرض الحسن" المالية المرتبط بالحزب، فيما كثفت واشنطن استهداف شبكات نقل الأموال إليه.
"الحزب" بنية إيرانية تعمل من داخل لبنان
من هنا تأتي أهمية المطالب الأميركية المتعلقة بمؤسسات الحزب الاجتماعية والمالية، فالمطلوب أميركياً لم يعد نزع الصواريخ وحدها، بل إنهاء قدرة "حزب الله" على الاحتفاظ بمنظومة مستقلة عسكرياً ومالياً واجتماعياً عن الدولة، وهذا يتماشى مع الضغط الأميركي الواضح لتجفيف شبكات الحزب المالية، وتقليص البنية التي تتيح له العمل خارج مؤسسات الدولة. لذا أعادت الخطوة الأميركية الأخيرة تثبيت تصنيف "حزب الله" على أنه يعمل خدمة للنظام الإيراني وتحت قيادة "فيلق القدس".
وعلى ما يبدو أن واشنطن تنتقل بصورة متدرجة من التعامل مع المسألة باعتبارها مشكلة "سلاح حزب لبناني" إلى اعتبارها مشكلة بنية مالية إيرانية مسلحة تعمل من داخل لبنان. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح رفض تسليم علي الطاهر، والتردد في مداهمة مواقع الحزب، واستمرار مؤسساته الموازية، عناصر في ملف واحد عنوانه، هل تستطيع الدولة اللبنانية فعلاً فك ارتباط مؤسساتها وأراضيها وقرارها الأمني، عن المنظومة الإيرانية؟
ضرب "لبنانية حزب الله" السياسية
في بيانها قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها ستصنف الجماعة مجدداً بوصفها كياناً "إرهابياً عالمياً مصنفاً بصورة خاصة"، بسبب "خدمتها للنظام الإيراني تحت قيادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني".
وهذا الفارق الأساس، فواشنطن لا تقول قانونياً إن أعضاء "حزب الله" أصبحوا إيرانيي الجنسية، بل تنتقل من توصيفه كتنظيم لبناني تدعمه إيران، إلى توصيف وظيفي أقرب إلى تنظيم يعمل لمصلحة الدولة الإيرانية وتحت قيادة جهاز عسكري إيراني. ومنذ نشأته، بنى الحزب شرعيته الداخلية على معادلة مزدوجة، ارتباط عقائدي واستراتيجي بإيران، وفي الوقت نفسه تقديم نفسه كـحزب لبناني يقاتل إسرائيل وممثل في البرلمان والحكومة.
ومن هنا أتى التوصيف الأميركي الجديد ليستهدف تحديداً هذه المنطقة الرمادية.
القرار الأميركي خطوة محسوبة
عند هذه النقطة يمكن اعتبار القرار الأميركي بأنه خطوة محسوبة ومحكمة الصياغة، صممت لوضع "حزب الله" في زاوية سياسية ضيقة يصعب الخروج منها، وفي الوقت نفسه يضع الدولة اللبنانية أمام إحراج سيادي أكبر، كيف تطالب العالم باحترام سيادتها، فيما تحتفظ على أرضها بقوة مسلحة تصفها واشنطن بأنها خاضعة لقيادة عسكرية إيرانية.
وتصبح الرسالة الأميركية: نحن لا نتعامل مع الحزب باعتباره مجرد حليف لإيران أو تنظيم تتولى إيران تمويله، بل باعتباره أداة تعمل لمصلحة الحكومة الإيرانية وتحت قيادة "فيلق القدس"، وهذا سيفتح معركة سياسية مختلفة داخل لبنان حول السلاح، لأن النقاش سيتحول من هل يحق لحزب لبناني أن يحتفظ بسلاح خارج الدولة؟ إلى هل يمكن للدولة اللبنانية أن تسمح لتنظيم تعتبره دولة كبرى جهازاً يعمل تحت قيادة قوة عسكرية أجنبية، بأن يحتفظ بترسانة وبنية عسكرية مستقلة داخل لبنان؟ وستربط قضية السلاح بصورة أكثر مباشرة بمفهوم السيادة والتدخل الإيراني، وسينتقل الضغط من الحزب إلى البيئة المؤسساتية المحيطة به، وهذا سيكون ربما أهم انعكاس عملي على لبنان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
عقوبات مختلفة في الأشهر الماضية
وكانت واشنطن قد بدأت أصلاً وقبل هذا الإعلان بالانتقال من استهداف أعضاء من الحزب إلى استهداف الأشخاص والشبكات والمؤسسات التي تمكن الحزب من الاستمرار.
وخلال مايو (أيار) الماضي فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على تسعة أشخاص وقالت إنهم يعملون داخل البرلمان والأجهزة العسكرية والأمنية في لبنان ويساعدون الحزب على المحافظة على نفوذه وعرقلة نزع سلاحه، ومن بين هؤلاء مسؤولون بارزون وممثلون عن الحزب في البرلمان، وشخصيات من "حركة أمل" (الحليفة التاريخية) وضباط أمنيون، إضافة إلى سفير إيران في بيروت.
ولاحقاً وخلال يونيو (حزيران) الماضي، وسعت العقوبات لتطاول مسؤولين وأعضاء وشركات مرتبطة برجل الأعمال علاء حسن حمية، الذي يخضع بدوره لعقوبات أميركية سابقة، وبررت واشنطن هذا الإجراء حينها، بوجود أدلة على تورط هؤلاء في "عرقلة مسار السلام في لبنان"، والعمل على تعطيل الجهود الرامية إلى نزع سلاح "حزب الله".
واليوم، وبعد ربط الحزب رسمياً بـ"فيلق القدس" تصبح مساحة الأخطار أكبر بالنسبة إلى الممولين، ورجال الأعمال، وشركات الصرافة، والوسطاء، وشركات النقل والتجارة، وشبكات الاستيراد والتصدير، والمسؤولين الذين يسهلون نشاط الحزب، وربما أي جهة مالية تتعامل بصورة كبيرة ومتعمدة مع هذه الشبكات.
القطاع المصرفي اللبناني أمام تشدد إضافي
يخضع "حزب الله" أصلاً لقانون (HIFPA) الأميركي، وهي اختصار لـ"قانون منع تمويل حزب الله الدولي"، الذي يسمح لواشنطن بفرض عقوبات ثانوية على مؤسسات مالية أجنبية، تسهل بصورة متعمدة معاملات مهمة للحزب، أو للجهات المرتبطة به. ويمكن أن يصل الأمر إلى تقييد أو منع حسابات المراسلة للمؤسسة المالية في الولايات المتحدة.
إذاً المشكلة ليست في القانون الجديد اليوم، بل إن معيار الأخطار يتسع سياسياً ورقابياً، إذ إن المصارف اللبنانية، وشركات تحويل الأموال والصرافة، بل وحتى المصارف الإقليمية التي تتعامل مع لبنان، ستنظر الآن إلى ملف "حزب الله" ليس باعتباره ملفاً لبنانياً منفصلاً، بل باعتباره جزءاً من منظومة الحرس الثوري.
وهذا سيشجع إلى مزيد من التحوط، أي إن مؤسسات مالية قد ترفض معاملة قانونية، لأنها لا تريد تحمل كلفة التأكد مما إذا كان الطرف الآخر مرتبطاً بالحزب أو بالحرس الثوري. وهذه إحدى الطرق التي يمكن أن يتأثر فيها لبنان اقتصادياً حتى من دون فرض عقوبات عليه، أضف إلى أن الخناق على الاقتصاد النقدي للحزب سيشتد.
وكانت الخزانة الأميركية وخلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، أشارت إلى أن "فيلق القدس" حول أكثر من مليار دولار إلى "حزب الله" منذ بداية ذلك العام، وأن جزءاً كبيراً من الأموال انتقل بواسطة شركات صرافة واقتصاد نقدي. وفي فبراير (شباط) الماضي قالت الخزانة إنها تستهدف تحديداً آليتي توليد الإيرادات بالتنسيق مع النظام الإيراني واستغلال الاقتصاد النقدي اللبناني، ثم أعلنت في مارس (آذار) عن شبكة قالت إنها حولت أو راكمت أكثر من 100 مليون دولار لمصلحة الحزب.
واليوم، وتزامناً مع إعادة توصيف الحزب استهدفت واشنطن 10 أشخاص تتهمهم بنقل وتهريب الأموال لصالحه. إذاً نحن أمام استراتيجية متكاملة وليست بياناً سياسياً، أي إن القرار يضرب العلاقة المالية لإيران مع فيلق القدس، والوسطاء، و"حزب الله"، والاقتصاد النقدي اللبناني، وهذا سيضغط بقوة على مشاركة الحزب في الدولة اللبنانية.
ماذا عن "حزب الله السياسي"؟
وإذا كان التوصيف الأميركي الرسمي يقول إن "حزب الله" "يعمل لمصلحة الحكومة الإيرانية وتحت قيادة "فيلق القدس"، فإن وجود الحزب في مؤسسات الدولة سيطرح على الدول الغربية سؤالاً مختلفاً، هل نحن نتعامل مع سياسي لبناني، أم مع ممثل لتنظيم تصفه واشنطن بأنه يعمل لمصلحة الحكومة الإيرانية؟
هنا تظهر مشكلة سياسية إضافية، مع أن هذا لا يعني أن نواب الحزب سيفقدون مقاعدهم تلقائياً، أو أن الوزراء يصبحون خاضعين للعقوبات، فالولايات المتحدة لا تستطيع تغيير الوضع القانوني للحزب داخل لبنان، لكن التعامل الدولي معهم يمكن أن يصبح أكثر تعقيداً، وستزداد الضغوط على الحكومة اللبنانية للفصل بين مؤسسات الدولة والحزب. وهذا بالضبط يتقاطع مع لغة وزارة الخزانة خلال الأشهر الماضية، التي ربطت مراراً مستقبل لبنان الاقتصادي والسياسي بنزع سلاح "حزب الله" واستعادة الدولة سلطتها.
إيران تخسر أكثر من مجرد قناة مالية
قامت الولايات المتحدة ومن خلال هذا القرار برفع مستوى المسؤولية من الوكيل إلى الراعي. في السابق، كان يمكن صياغة العلاقة على النحو التالي، إيران تمول وتسلح وتدعم "حزب الله"، واليوم أصبح الحزب يعمل خدمة للنظام الإيراني تحت قيادة "فيلق القدس"، وهنا الفارق كبير.
فإذا اعتبر الحزب أداة تنفيذية للسياسة الإيرانية يصبح من الأسهل سياسياً بالنسبة إلى واشنطن أن تقول إن نشاط الحزب ليس نشاطاً لبنانياً مستقلاً، وإنما إسقاط للقوة الإيرانية خارج الحدود الإيرانية، وتصبح المسافة بين طهران والحزب أقصر بكثير، بمعنى أن إيران تخسر جزءاً من أهم فوائد الوكلاء، أي إمكان الإنكار وفصل أفعال الوكيل عن الدولة الراعية.
ويمكن أن يتغير حساب الردع العسكري أيضاً، فإذا بدأت الولايات المتحدة تثبت رسمياً أن "حزب الله" يعمل تحت قيادة "فيلق القدس"، فقد تصبح أية مواجهة مستقبلية معه جزءاً من الحساب الأميركي - الإيراني الأوسع، أي إن طهران قد تواجه صعوبة متزايدة في استخدام الحزب للضغط أو التصعيد ثم القول إن الأمر "قرار لبناني" أو إنه قرار مستقل للحزب، وهذه رسالة ردع شديدة الوضوح إلى طهران.
ماذا يعني ذلك للبنان في النهاية؟
بات واضحاً أن واشنطن تحاول فصل لبنان دولياً عن "حزب الله"، وفي الوقت نفسه دمج الحزب أكثر فأكثر ضمن الملف الإيراني. وبدلاً من النظر إلى لبنان باعتباره بلداً يضم حزباً مسلحاً تدعمه إيران، يصبح التصور الأميركي أقرب إلى هناك دولة لبنانية مطلوب دعمها واستعادة سيادتها، وفي داخل أراضيها تنظيم يعمل لمصلحة دولة أجنبية وتحت قيادة ذراع عسكرية إيرانية.
وإذا ترسخ هذا التوصيف أميركياً وانتقل تدريجاً إلى حلفاء واشنطن فستصبح الضغوط على الدولة اللبنانية لنزع السلاح أكبر بكثير، لأن المسألة ستتحول من خلاف لبناني حول "استراتيجية دفاعية" إلى سؤال سيادي مباشر، هل تقبل الدولة اللبنانية استمرار وجود قوة عسكرية تتعامل معها القوى الدولية بوصفها امتداداً عملياتياً للحرس الثوري الإيراني؟ وإذا كان لبنان يدخل مساراً تفاوضياً هدفه تثبيت الأمن الحدودي، وإنهاء حال الحرب أو ضبطها، فإن إسرائيل والولايات المتحدة ستسألان سؤالاً أساساً، من يضمن أن قرار الحرب في لبنان موجود في بيروت وليس في طهران؟
وهنا يصبح نزع سلاح الحزب أو وضعه تحت السلطة الكاملة للدولة شرطاً بنيوياً لأي اتفاق مستدام، فلا تستطيع أي دولة أن توقع ترتيبات أمنية جدية مع لبنان، إذا بقي طرف مسلح داخل أراضيه قادراً على بدء مواجهة من دون قرار الحكومة.
ماذا عن "حزب الله"؟
لعل الخطر الأكبر بالنسبة إلى الحزب ليس فقط خسارة المال، بل خسارة المساحة السياسية الفاصلة بين هويته اللبنانية وعلاقته العضوية بإيران، وكلما ضاقت هذه المساحة أصبح من الصعب عليه في الداخل والخارج تقديم سلاحه باعتباره قراراً لبنانياً مستقلاً.
وعلى الأرجح لن يتعامل "حزب الله" مع القرار الأميركي باعتباره مجرد عقوبة إضافية، لأن خطورته تكمن في المساس بهويته السياسية داخل لبنان، لذلك سيحاول أولاً التقليل من أهميته والقول إن واشنطن لم تضف جديداً إلى العقوبات المفروضة عليه، بالتوازي مع تصوير الخطوة كجزء من الحرب الأميركية على إيران وعلى سلاحه بوجه إسرائيل، وليس كدليل على تبعيته لطهران، فالقرار الأميركي الجديد أعاد تثبيت التصنيف على أساس أن الحزب يعمل لمصلحة "فيلق القدس" أو يخضع لسيطرته أو توجيهه، وهو ما يجعل الدفاع عن استقلالية قراره أكثر صعوبة.
وفي الداخل سيحاول الحزب نقل المعركة من سؤال علاقته بإيران إلى سؤال التدخل الأميركي في الشؤون اللبنانية، والضغط على الدولة كي لا تترجم القرار إلى إجراءات ضد مؤسساته المالية والاجتماعية أو إلى تسريع مداهمة مواقعه ونزع سلاحه.
ولهذا قد يتمسك أكثر بخطاب السيادة ورفض "الإملاءات الأميركية"، وهي المقاربة نفسها التي استخدمها الأمين العام للحزب نعيم قاسم أخيراً في رفض الاتفاق والترتيبات المتعلقة بالسلاح.
في المحصلة، يبدو أن هامش المناورة هذه المرة أصبح أضيق، فإذا بالغ الحزب في تأكيد علاقته العضوية بطهران، فإنه يعزز الحجة الأميركية بأنه جزء من المنظومة الإيرانية، وإذا حاول إبراز استقلالية قراره اللبناني فسيكون مطالباً بإثبات ذلك عملياً في ملفات السلاح والتمويل وقرار الحرب والسلم. ومن هذه الخلاصة يمكن القول إن واشنطن وضعت الحزب أمام معادلة محرجة، الدفاع عن ارتباطه بإيران يضعف لبنانيته، والدفاع عن لبنانيته يفرض عليه إثبات استقلاله عن إيران.