ملخص
على رغم أن فئة الشباب (18-25 سنة) تميل للقيم اليمينية المتطرفة بنسبة تزيد على 70 في المئة، فإن التحليل يظهر أن غالبية الأصوات الشبابية المتطرفة تتجه نحو بن غفير بسبب شخصيته الإعلامية وتواصله عبر منصات "تيك توك".
في المشهد السياسي الإسرائيلي الشديد الاستقطاب، لا توجد شخصية أثارت هذا القدر من الجدل العاصف والتغيير الهيكلي العميق في آنٍ واحد كما أثارها بتسلئيل سموتريتش. لم يكن رئيساً للحكومة، ولا قائداً لأكبر الأحزاب، لكنه تحول خلال السنوات الأربع الماضية إلى الفاعل الأكثر تأثيراً في رسم واقع الضفة الغربية وتفكيك الأطر الإدارية التاريخية التي حكمت المنطقة منذ عام 1967. عبر مزيج من العقائدية المتصلبة والتكتيك السياسي الشرس، استطاع سموتريتش أن يتجاوز دوره التقليدي كوزير للمالية ليمتد نفوذه إلى أحشاء "الإدارة المدنية" داخل وزارة الدفاع، محولاً الأفكار الاستيطانية الراديكالية التي صاغها سابقاً في وثيقته الشهيرة "خطة الحسم" إلى قرارات حكومية وسياسات واقعية ملموسة. غير أن هذا الصعود الهيكلي المدعوم بقواعد المستوطنين قوبل بعزلة دولية غير مسبوقة، وتدهور اقتصادي، وانكماش حاد في قاعدته الانتخابية وضع مستقبله السياسي على المحك، ليقف اليوم في مواجهة معضلة كبرى: فمهندس الضم الفعلي الذي يمتلك القوة التفاوضية الأعلى داخل الائتلاف الحاكم، يواجه اليوم خطر التلاشي البرلماني أمام استطلاعات رأي لا ترحم.
واقع ميداني
دخل سموتريتش الحكومة السابقة وهو يحمل أجندة واضحة ومكتوبة، "خطة الحسم" التي لا تعترف بوجود حل الدولتين أو الإدارة العسكرية الموقتة للضفة الغربية، بل تدعو إلى فرض "السيادة الإسرائيلية الكاملة" وحسم الصراع نهائياً. وقد نجح عبر موقعه المزدوج كوزير في وزارة الدفاع إلى جانب وزارة المالية في تحقيق اختراقات هيكلية وتاريخية لصالح المشروع الاستيطاني، وانتزع الملفات المدنية للضفة الغربية من قبضة الجيش الإسرائيلي ونقلها إلى "مديرية الاستيطان" المدنية الخاضعة لإشرافه المباشر داخل وزارة الدفاع. هذا الإجراء نقل معالجة شؤون المستوطنين من إطار الحاكم العسكري إلى أطر إدارية مدنية تشبه التبعية للوزارات الحكومية داخل تل أبيب، وهو ما وصفه خبراء القانون الدولي بأنه "ضم فعلي زاحف". وبالتزامن مع ذلك، قاد سموتريتش عملية تسريع غير مسبوقة لمنح الشرعية الحكومية لأكثر من 100 بؤرة استيطانية ومزرعة عشوائية كانت تعد غير قانونية حتى بموجب القانون الإسرائيلي. وخلال سنوات وجوده في الحكومة، تمت المصادقة والتخطيط لأكثر من 50 ألف وحدة سكنية استيطانية جديدة، وهو رقم قياسي غير مسبوق. إلى جانب ذلك، أعلن عن مئات آلاف الدونمات كـ"أراضي دولة"، مستغلاً الثغرات القانونية لتقييد التمدد العمراني الفلسطيني. ورصد ميزانيات ضخمة لتحديث وتوسيع شبكات الطرق الشريانية (مثل توسعة شارع 60 وشارع الأنفاق) بهدف دمج مستوطنات الضفة في النسيج الجغرافي والاقتصادي للداخل الإسرائيلي، وإلغاء الاستقلالية الجغرافية للبلدات الفلسطينية.
أهمية مصيرية
بالنسبة إلى جمهور المستوطنين المتشددين ومجالس "يشع" (المنظمة الجامعة والمظلة السياسية والقانونية التي تدير المجالس البلدية والإقليمية للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية)، لا يُعدّ سموتريتش مجرد حليف سياسي، بل هو "صمام الأمان" والأداة التنفيذية الأنجع لضمان عدم التراجع عن المكتسبات الهيكلية التي تحققت، إذ يخشى الشارع الاستيطاني أن يؤدي غيابه عن الحكومة القادمة إلى تجميد قرارات الشرعنة أو إعادة الصلاحيات الإدارية للجيش الاسرائيلي تحت الضغوط الدولية. ويطمح المستوطنون عبر بقائه لأربع سنوات قادمة إلى الإلغاء الكامل لهيكل الإدارة المدنية، والتعامل المباشر والكامل مع الوزارات الخدمية الإسرائيلية كأي مواطن داخل إسرائيل، مع إبقاء الباب مغلقاً أمام حل الدولتين، والاستمرار في تقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية في المنطقة "جيم" ومنع أي إمكان لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً عبر تثبيت المزارع الاستيطانية الاستراتيجية. ولم يكتفِ سموتريتش بما حققه في الضفة الغربية، بل طوّر برنامجه الانتخابي الجديد لينقل معركة الاستيطان إلى ميادين وجبهات جديدة، وطَرح خطة استراتيجية تهدف لإقامة 40 مستوطنة ومزرعة جديدة في جنوب إسرائيل وشمالها، مع استهداف نقل مليون يهودي للسكن هناك عبر توفير تسهيلات مالية، وإعفاءات ضريبية، وتسريع إجراءات تخصيص الأراضي للجنود والعائلات الشابة. كذلك يطرح جهاراً وبصورة رسمية ضرورة تفكيك الواقع الأمني في غزة عبر إعادة بناء الكتل الاستيطانية هناك (بخاصة في الشق الشمالي من القطاع). وينادي لإضعاف وشل السلطة الفلسطينية والاستمرار في احتجاز أموال المقاصة، وفرض التضييق المالي والشلل الاقتصادي عليها لتجفيف منابعها ودفعها نحو الانهيار. ووسط كل ذلك يسعى لتحصين القرارات استيطانياً وقضائياً عبر سن تشريعات تمنع المحكمة العليا والمؤسسات القضائية الإسرائيلية من التدخل في قرارات التخطيط والبناء والاستملاك الخاصة بالاستيطان.
تآكل القاعدة
تظهر القراءة الدقيقة للمشهد السياسي مفارقة صارخة، فعلى رغم نجاح سموتريتش في تنفيذ برنامجه الأيديولوجي، فإن قاعدته الانتخابية انكمشت وتراجعت بصورة حادة. فبعد تفكك تحالف "الصهيونية الدينية" مع (عوتسما يهوديت) الذي تم في انتخابات 2022 وحصد 14 مقعداً، اتضح أن الكتلة الصلبة الكبرى من الأصوات كانت تُحسب لإيتمار بن غفير وليس لسموتريتش. وبصفته وزيراً للمالية خلال سنوات التصعيد والحرب، حُمّل المسؤولية المباشرة عن عجز الميزاني وتراجع الشيكل، وغلاء المعيشة، مما أبعد عنه الفئات الوسطى والشباب المهتمين بالوضع الاقتصادي. وقد أثار تحالف سموتريتش الوثيق مع الأحزاب الحريدية ودعمه لقوانين تُعفي "الحريديم" من التجنيد، غضباً عارماً لدى قاعدته من جمهور الصهيونية الدينية التقليدية، التي تمتاز بنسب خدمة عالية جداً في جيش الاحتياط، إذ شعروا بالتهميش والتمييز. ومع بروز منافسين جدد، وظهور شخصيات أمنية قومية ودينية (مثل عوفر فينتر بحزبه الجديد) سحب جزءاً مهماً من الجمهور الديني واليميني المتشدد. وتُجمع معظم استطلاعات الرأي الرسمية الصادرة عن القنوات الإسرائيلية" 11،12،13" وKan " على أن حزب سموتريتش يتأرجح خطراً حول نسبة الحسم 3.25 في المئة. وتتراوح نسبته في الاستطلاعات بين 2.6 إلى 2.9 في المئة، مما يعني خسارته وسقوطه خارج الكنيست، وفي أفضل الحالات يحصل على 4 إلى 5 مقاعد. وعلى رغم أن فئة الشباب (18-25 سنة) تميل للقيم اليمينية المتطرفة بنسبة تزيد عن 70 في المئة، فإن التحليل يظهر أن غالبية الأصوات الشبابية المتطرفة تتجه نحو بن غفير بسبب شخصيته الإعلامية وتواصله عبر منصات "تيك توك"، أو نحو "الليكود،" بينما يُنظر إلى سموتريتش "كسياسي ببيروقراطي ثقيل".
وتتجسد استراتيجية سموتريتش للنجاة الانتخابية في الالتفاف على تراجع شعبيته عبر تحركات تكتيكية مدروسة، فهو يسعى إلى إعادة تصدير نفسه من خلال نقل المعركة الاستيطانية إلى مناطق جديدة تحت شعار "يهودة النقب والجليل"، مستهدفاً استقطاب أصوات سكان الأطراف وتيار اليمين القومي. بالتوازي مع ذلك، يمارس ضغطاً وابتزازاً سياسياً حاداً على نتنياهو مستغلاً بعناية ورقة "حرق الأصوات اليمينية"، إذ يدرك تماماً أن سحقه تحت نسبة الحسم سيعني ضياع عشرات آلاف الأصوات وتلاشي فرصة اليمين في تحقيق غالبية الـ61 مقعداً. وبناءً على هذه الأوراق الحاكمة، يراهن سموتريتش في نهاية المطاف على إجبار نتنياهو على هندسة تحالف اضطراري في اللحظات الأخيرة لإنقاذه، سواء بإعادته إلى قائمة مشتركة مع بن غفير أو عوفر فينتر، أو عبر دمج قيادات حزبه كشبكة أمان داخل قائمة حزب "الليكود".
عزلة دولية
اتسمت تجربة سموتريتش الحكومية بحجم هائل من التصريحات العاصفة والمواقف المتناقضة داخلياً ودولياً. وقالت الولايات المتحدة في بيانات رسمية عدة للخارجية الأميركية إن سياسة سموتريتش "تدمير متدرج لحل الدولتين وتقويض لأمن المنطقة". بموازةِ ذلك، صرّح مسؤولو السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي والبريطاني بوضوح أن تصريحات سموتريتش في شأن التجويع في قطاع غزة وحرق بلدة حوارة الفلسطينية "تعد دعوات صريحة لانتهاك القانون الدولي وجرائم الحرب". في المقابل، أعلن زعيم المعارضة يائير لابيد مراراً أن "وجود سموتريتش في وزارة المالية ودائرة الاستيطان هو أكبر خطر على الاقتصاد والأمن الإسرائيلي في تاريخ الدولة"، فيما حذر قادة أمنيون سابقون وحاليون في قيادة الجيش و"الشاباك"، من أن سياسته بسحب الصلاحيات الإدارية وتشجيع البؤر العشوائية "تؤدي لتفكيك وحدة القيادة العسكرية وتزيد من الاشتعال الأمني في الضفة". وبين هذا وذاك يتخذ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو موقفاً متناقضاً، إذ يصف تصريحات سموتريتش أمام الغرب بأنها "آراء شخصية"، بينما يتمسك به عملياً وسياسياً ويصف شراكته معه بأنها "ضرورية للحفاظ على حكومة اليمين ورفض الضغوط الخارجية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
صلابة سموتريتش
وسط كل هذه الضغوط الدولية والعقوبات، يشكك كثيرون في قدرة نتنياهو بالتخلي عن سموتريتش في الحكومة القادمة، ويرى محللون أن بقاءه السياسي وشبكته الحاكمة أهم بكثير من تلميع الصورة الدبلوماسية أمام واشنطن أو العواصم الأوروبية. كذلك يؤكد الواقع السياسي أنه من المستبعد جداً أن يرضخ نتنياهو لأي ضغوط إذا كان سموتريتش يمثل الرقم المكمل لغالبية الـ61 مقعداً. وفي المقابل، فإن سموتريتش ليس سياسياً مرناً يمكن استرضاؤه بوزارة هامشية أو شكليّة. فهو يعد نفسه رئيساً لتكتل عقائدي يحمل رسالة تاريخية، ويعلم تماماً حجم الابتزاز السياسي الذي يمتلكه، حيث إن تهديده بالانسحاب يعني إسقاط الحكومة برمتها. وأي محاولة من نتنياهو لتحجيم صلاحياته أو انتزاع ملف الضفة منه سيواجه برفض قاطع من سموتريتش وقاعدته الاستيطانية الحاكمة. وإذا ما اشتدت الضغوط الدولية لدرجة غير مسبوقة، فقد يلجأ نتنياهو إلى "حلول وسط هندسية"، مثل إبقاء سموتريتش داخل الائتلاف لضمان أصواته، مع منحه وزارة خدمية كبرى (كالنقب والجليل أو المواصلات) مع محاولة إعادة ملف الضفة رسمياً وشكلياً لوزارة الدفاع للتخفيف من الحرج الدولي، وهو سيناريو سيشهد مفاوضات معقدة وشديدة الشراسة بين الطرفين.
مهندس الواقع
يُشكل بتسلئيل سموتريتش ظاهرة سياسية فريدة في تاريخ إسرائيل الحديث، فهو السياسي الذي استطاع بإمكانات برلمانية محدودة أن يُعيد رسم الخريطة الديموغرافية والإدارية للضفة الغربية، محولاً عقيدة الضم من هامش الشعار إلى عمق القرار. لكن هذا النجاح الأيديولوجي جاء مترافقاً مع أزمات اقتصادية وعزلة دولية وسخط جارف داخل قطاعات واسعة من الشارع الإسرائيلي، مما جعله يقف اليوم على حد السيف. إن معركته الانتخابية القادمة ليست مجرد سباق على مقاعد برلمانية، بل هي معركة وجود سياسي تحدد ما إذا كان سيبقى حجر الزاوية في صناعة القرار الإسرائيلي، أم أنه سيسقط ضحية للتبعات الاقتصادية والدبلوماسية للتغيرات التي أحدثها بيده. وفي كلتا الحالتين، فإن الأثر الهيكلي الذي تركه سموتريتش في أروقة الإدارة والضفة الغربية سيبقى شاخصاً لأعوام طويلة قادمة، كشاهد على مرحلة تحول فيها الأيديولوجي المتطرف إلى مهندس للواقع.