Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

واشنطن تلوح بفوكلاند لانتزاع إنفاق بريطاني عسكري أكبر

الإدارة الأميركية تهدد بمراجعة موقفها من السيادة على الجزر مع تأجيل لندن زيادة موازنة الدفاع

بريطانيا تحكم جزر فوكلاند منذ 1833 (غيتي)

ملخص

كشفت تقارير صحافية بريطانية عن أن مسؤولين كباراً في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) يدرسون التلويح بمراجعة موقف واشنطن من سيادة لندن على جزر فوكلاند، وسيلة ضغط لدفع حكومة آندي بيرنهام إلى رفع إنفاقها العسكري. جاء الكشف بعد ساعات من تأكيد وزير الخزانة جون هيلي أن موازنة الخريف لن تتضمن التزاماً ببلوغ ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لأغراض الدفاع في عام 2030.

نشرت صحيفة "ديلي تلغراف" تقريراً أفاد بأن الولايات المتحدة هددت بمعارضة السيادة البريطانية على جزر فوكلاند إذا لم يرفع رئيس الوزراء آندي بيرنهام الإنفاق الدفاعي، وأن هذا الاقتراح مدرج ضمن حزمة إجراءات يعدها كبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) حافزاً لدفع أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) من أجل بلوغ تعهد إنفاق خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الأمن والدفاع.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي رفيع لم تسمه قوله، إن بريطانيا مرشحة لتلقي "عناية خاصة" في المراجعة التي تجريها واشنطن لالتزامات الحلفاء، وهي مراجعة تفحص ما إذا كانت الدول الأعضاء تملك مسارات ذات صدقية نحو الهدف. وسُئل المسؤول تحديداً عما إذا كانت واشنطن قد تغير موقفها من جزر فوكلاند، فأجاب بأن المحادثات صريحة ولا شيء مستبعد ضمن خيارات تشجيع تقاسم الأعباء على النحو الذي تسعى إليه الإدارة الأميركية.

وترى الأوساط الأميركية، وفق التقرير نفسه، أن خطة الاستثمار الدفاعي التي أعلنها رئيس الوزراء السابق كير ستارمر في يونيو (حزيران) الماضي خطوة نحو الاتجاه الصحيح، لكنها غير كافية، والمطلوب من حليف مثل بريطانيا تحرك جوهري وكبير.

يجري هذا كله داخل مراجعة أوسع لحضور القوة الأميركية في أوروبا، حيث عقد قبل يومين وكيل وزارة الحرب الأميركية لشؤون السياسات إلبريدج كولبي محادثات مع حلفاء الناتو في بروكسل، تناولت مدى الانسحاب العسكري الأميركي من القارة وسرعته، وحذر من أن بعض الدول عليها التحرك أسرع لتعويض منظومات سلاح طالما وفرتها واشنطن. وقال للصحافيين بعد الاجتماع إنه يأمل رؤية مزيد من دول مثل المملكة المتحدة، مثنياً في المقابل على ألمانيا وبولندا وهولندا ودول إسكندنافيا لتقدمها في سد الثغرات.

ولا تقتصر المراجعة على أرقام الإنفاق، إذ تقيم ما إذا كان الحلفاء يملكون العتاد والموارد اللازمة لأداء أدوارهم العسكرية في حال نزاع كبير، وتبحث أعداد جنود الولايات المتحدة الباقين في أوروبا ومواقع انتشارهم ووتيرة أي تعديل وكلفته. ومن المقرر أن يتسلم وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث أربعة خيارات في هذا الشأن بحلول السادس من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. بعدما وزعت واشنطن على سفراء الحلف استبياناً يسأل عن خطط شراء السلاح الأميركي والقيود المفروضة على قواعد أميركا، ودعم السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترمب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الحرج البريطاني

الحرج البريطاني ليس في مضمون التهديد بل في توقيته. فقبل ساعات من نشر تقرير "ديلي تلغراف"، أكدت وزارة الخزانة أن وزير المالية جون هيلي لن يلتزم ضمن موازنته الأولى في الـ28 من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل بهدف إنفاق ثلاثة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع في عام 2030، وأن تحديد الجدول الزمني سيؤجل إلى مراجعة الإنفاق المقبلة. وقالت مصادر في الخزانة إن الموازنة ستركز بدلاً من ذلك على تمويل خطة الاستثمار الدفاعي القائمة تمويلاً كاملاً.

وفق أرقام الناتو تنفق بريطانيا حالياً 2.3 في المئة من ناتجها المحلي على الدفاع، بينما ألزم الحلف أعضاءه ببلوغ 3.5 في المئة للدفاع الأساس و1.5 في المئة إضافية للبنية التحتية الأمنية بحلول عام 2035. أما خطة الاستثمار الدفاعي التي أعلنت في يونيو الماضي فتضيف 15 مليار جنيه استرليني إلى ما أُقر في مراجعة الإنفاق لعام 2025، وترفع الموازنة السنوية لوزارة الدفاع من 68.3 مليار جنيه في 2026-2027 إلى 79.1 مليار في 2029-2030، وهو ما يوصل الإنفاق إلى 2.7 في المئة فقط بحلول نهاية العقد.

ووصفت مجلة "ذي سبكتيتر" الفجوة التمويلية في الخطة بنحو 1.2 مليار جنيه سنوياً، فيما تحدثت "هافبوست" عن ثغرة منفصلة تناهز 5 مليارات جنيه في الخطة نفسها. وبحسب إذاعة "أل بي سي"، تراجعت أسهم شركات الدفاع المدرجة في مؤشري "فوتسي 100" و"فوتسي 250" بعد إعلان تغير المسار، خاسرة زهاء 1.7 مليار جنيه من قيمتها، ووصف أحد التنفيذيين في القطاع موقف الحكومة بأنه مخيب للآمال لكنه متوقع.

قال هيلي في مقابلة مع "سكاي نيوز" إن "الانضباط المالي" يُعد الأولوية الأولى لأي وزير مالية، وإنه "أساس الاستقرار الاقتصادي"، مضيفاً أن البلاد لا تستطيع معالجة مشكلاتها عبر استنفاد بطاقتها الائتمانية، والمفارقة أن هيلي نفسه استقال من وزارة الدفاع في يونيو الماضي، وكتب في رسالة استقالته إلى ستارمر أن رئيس الوزراء كان غير قادر، والخزانة غير راغبة في رصد الموارد التي تحتاج إليها البلاد للدفاع عن نفسها في زمن تصاعد التهديدات، مؤكداً أن تحديد عام 2030 موعداً لبلوغ ثلاثة في المئة هو ما يجب أن تلتزمه بريطانيا.

على ضفة المعارضة، قال وزير الدفاع في حكومة الظل المحافظة جيمس كارتليدج إن العالم صار أخطر منذ استقالة هيلي قبل شهرين، حين حذر من أن خطة 2.7 في المئة ستترك بريطانيا "أقل أماناً". وأضاف أن تراجعه عن التعهد ذاته الذي أطاح برئيس الوزراء السابق وفتح باب داونينغ ستريت أمام بيرنهام أمر "استثنائي"، وأن "روسيا لا تعمل وفق جداول الخزانة الزمنية". وكتب وزير الخارجية السابق النائب المحافظ جيمس كليفرلي في الـ28 من أغسطس (آب) الجاري كلمة واحدة تعليقاً على الخبر، هي "لا يغتفر".

في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الدفاع إن الواجب الأول للحكومة هو الحفاظ على سلامة مواطنيها، ورئيس الوزراء ووزير المالية ملتزمان تمويل خطة الاستثمار الدفاعي. ومن المنتظر أن ترسم الحكومة مساراً نحو 3.5 في المئة في مراجعة الإنفاق المقبلة، من دون أن تؤكد الخزانة حتى الآن ما إذا كان عام 2030 سيبقى موعداً لبلوغ ثلاثة في المئة.

 

تجدد التهديد

ليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها فوكلاند حسابات الضغط الأميركي. ففي أبريل (نيسان) الماضي، تسربت مذكرة داخلية أعدها كولبي، أوردت وكالة "رويترز" تفاصيلها، واقترحت خيارات لمعاقبة حلفاء في الناتو رأت واشنطن أنهم لم يدعموا حربها على إيران، ومن بينها مراجعة الموقف الأميركي من فوكلاند، إضافة إلى السعي لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف. ووصف وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو الأمر حينها بأنه "مجرد رسالة إلكترونية" وأن ردود الفعل عليها كانت "مبالغاً فيها"، غير أن "ديلي تلغراف" تفيد بأن النقاش داخل البنتاغون في شأن استخدام الجزر ورقة ضغط ما زال مستمراً.

الموقف الأميركي المعلن هو الحياد إزاء من يملك السيادة على الجزر، مع الاعتراف بالإدارة البريطانية لها. وبهذا المعنى لا يوجد "اعتراف بالسيادة" قابل للسحب بالمعنى الحرفي، وما يجري تداوله هو تحويل حياد قائم إلى موقف معارض. كما أن ما نُقل عن المسؤول الأميركي لا يتضمن تهديداً صريحاً بل امتناعاً عن الاستبعاد، وهي صيغة تفاوضية لا تعادل قراراً. وشددت واشنطن على أن المراجعة ليست "عملية عقابية"، وأن غايتها دعم الحلفاء الذين يظهرون التزاماً جدياً بالتوجه الجديد للحلف.

في المقابل، تتمسك لندن بموقف لم يتغير. فقد قال متحدث باسم رئيس الوزراء في وقت سابق من هذا العام إن الحكومة لا يمكن أن تكون أوضح في شأن كون الجزر إقليماً بريطانياً في ما وراء البحار. وقالت حكومة جزر فوكلاند في بيان إن 99.8 في المئة من السكان صوتوا في استفتاء عام 2013 للبقاء إقليماً بريطانياً، وإن الجزر تثق بالتزام الحكومة البريطانية الدفاع عن حقهم في تقرير المصير. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع إن التزام لندن حماية سيادة الجزر لا يتزعزع وإن الوضع الدفاعي في جنوب الأطلسي متين ويُراجع دائماً.

مزاج وخيارات

الخلفية القانونية للنزاع ثابتة منذ عقود. فبريطانيا تحكم الجزر منذ 1833، وترى الأرجنتين أنها ورثتها عن التاج الإسباني وتستند كذلك إلى قربها من البر الأميركي الجنوبي. وانتهت حرب عام 1982 التي استمرت 74 يوماً بهزيمة بوينس آيرس، وسقط فيها 649 عسكرياً أرجنتينياً و255 بريطانياً وثلاثة من سكان الجزر. ويُضاف عامل آخر إلى المعادلة فحواه أن الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي حليف سياسي لترمب، وقد تعهد سابقاً بوضع خريطة طريق دبلوماسية لإعادة الجزر إلى سيادة الأرجنتينية.

في المزاج العام، أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "مور أن كومون" وشمل 2041 بالغاً في المملكة المتحدة أن 29 في المئة من الجمهور يرون بقاء فوكلاند بريطانية أمراً مهماً جداً، ويضاف إليهم 22 في المئة يعدونه مهماً إلى حد ما. غير أن التوزيع العمري يكشف عن فجوة واسعة، إذ ينخفض من يعدونه مهماً جداً إلى تسعة في المئة بين من تراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة، مقابل 48 في المئة بين من تجاوزوا 75 سنة و42 في المئة بين الفئة من 65 إلى 74 سنة. وأفاد الاستطلاع بأن 56 في المئة من المستطلعة آراؤهم يؤيدون نشر قوات في حال غزو أرجنتيني للجزر، وقال 46 في المئة إن لندن قادرة على الدفاع عن الجزر منفردة، مقابل 24 في المئة رأوا العكس و30 في المئة لم يحسموا موقفهم.

قد يبقى التلويح الأميركي في حدوده الحالية أداة تفاوضية بلا ترجمة، ما دام موقف واشنطن المعلن حياداً لا اعترافاً، وما دام أي تعديل رسمي سيصطدم بمبدأ تقرير المصير الذي تستند إليه الولايات المتحدة نفسها في ملفات أخرى. والخيار الثاني أن تنتقل الورقة من البنتاغون إلى وزارة الخارجية الأميركية في صيغة تصريح أو تصويت في محفل دولي، وهو ما يحول الضغط من رسالة داخلية مسربة إلى سابقة قابلة للاستثمار الأرجنتيني. أما الثالث فهو أن تشتري لندن الوقت بتقديم جدول زمني لبلوغ ثلاثة في المئة في مراجعة الإنفاق المقبلة بدل الموازنة، فتمتص الضغط الأميركي من دون أن تدفع كلفة عاجلة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير