ملخص
كثير ما وُصف القلق، في عرف الطب النفسي الاجتماعي، باعتباره حالاً انفعالية عابرة تحدث على مستوى الفرد غالباً، وفي حالات قليلة على المستوى الجماعي، لكن في عالم وسائل التواصل الاجتماعي يبرز القلق بوصفه مناخاً جماعياً يعرض شريحة واسعة من الناس للمصدر الضاغط ذاته وفي الوقت ذاته.
فقد الإنسان المعاصر ترف اختيار ما يتابعه من أخبار، فكثيراً ما يمسك في يده هاتفاً متصلاً بالإنترنت حتى بات خاضعاً لحكم الخوارزميات، وعالم كهذا سيلتف على خيارات حتى الواعي منا ليجرفه في تيار محدد مسبقاً ومبني على حاجات السوق، والمطلوب في نهاية المطاف أن تظل متصلاً بهذا العالم الافتراضي وبكل ما يبثه، شره قبل خيره.
وبجولة سريعة على محصلة المحتوى الذي يصلنا، تطالعنا بالدرجة الأولى أخبار حروب وكوارث ونكسات اقتصادية وظروف لا إنسانية، إضافة إلى تنبؤات لا تتوقف حول كوارث قادمة ودمار وخطط مؤامراتية. وغالبنا يتجاهل مدى تأثير هذا كله، طالما لم ترافقه أعراض فورية أو مباشرة، لكن الحقيقة أنه غالباً ما يترك أثراً بالغاً يتجلى في انخفاض دافعيتنا تجاه العمل والحياة والعلاقات، إضافة إلى تراكم المشاعر المنخفضة وتراجع القدرات الذهنية.
من فردي إلى جماعي
كثيراً ما وُصف القلق، في عرف الطب النفسي الاجتماعي، باعتباره حالاً انفعالية عابرة تحدث على مستوى الفرد غالباً، وفي حالات قليلة على المستوى الجماعي، لكن في عالم وسائل التواصل الاجتماعي يبرز القلق بوصفه مناخاً جماعياً يعرض شريحة واسعة من الناس للمصدر الضاغط ذاته وفي الوقت ذاته. والحروب المتزامنة والأزمات الاقتصادية العابرة للحدود والتقلبات السياسية المتلاحقة، كلها عوامل تصنع هذا المناخ، إذ لم يعد يواجه الفرد اليوم ضغطاً شخصياً معزولاً، بل يشارك ملايين آخرين الشعور ذاته من دون أن يلتقي بهم.
وهذا التعب المستحدث يختلف تمام الاختلاف عن أشكال الإرهاق الوظيفي التقليدية، فمن يحمل عبء متابعة أزمات متعددة في آن واحد لا ملاذ حقيقياً يهرب إليه، إذ يرافقه الهاتف إلى المنزل وتلاحقه الأخبار حتى في لحظات الاستراحة التي كان يفترض أن تخصص لإعادة شحن طاقته الذهنية.
استنزاف طاقي
العقل البشري حين يتلقى كماً هائلاً من الأخبار السلبية والمقلقة يدخل تلقائياً في حال من التأهب والتوتر المزمن، يستهلك فيها جزءاً كبيراً من الطاقة الذهنية المخصصة للإنتاج والتركيز، مما يؤدي إلى إرهاق نفسي وذهني وفقدان لمعنى ما نقوم به من أعمال يومية أمام فداحة الأحداث الجارية، فضلاً عن التشتت وصعوبة إنجاز المهام بالجودة والسرعة المعتادة.
وغالباً ما نسمع من حولنا شكاوى تتعلق بالإرهاق الذهني حتى قبل البدء بالعمل، فبمجرد التقاط الهاتف لتفقد البريد الإلكتروني ينهال كم من العناوين العاجلة حول قصف جديد وأرقام تضخم متصاعدة وتحذيرات من ركود وشيك، وما إن تحل التاسعة صباحاً حتى يكون جزء كبير من طاقتنا الذهنية قد استهلك بالفعل من دون أن ندرك ذلك.
وهذا المشهد الذي يتكرر يومياً لملايين الأشخاص لم يعد مجرد انطباع عابر، بل بات موضوعاً بحثياً قائماً بذاته، إذ وجدت دراسة نشرتها منظمة "غالوب" أن خسائر الإنتاجية الناجمة عن تراجع الرفاه النفسي للموظفين بلغت نحو 438 مليار دولار عالمياً في عام 2024 وحده. لكن كيف تتسرب أخبار أزمات لا نملك القدرة على التأثير فيها إلى قدرتنا على إنجاز تقرير أو مراجعة عقد أو كتابة بريد إلكتروني بسيط؟
قلق الإنتاجية
يميز علماء النفس المعرفي بين نوعين من الانتباه، الأول إرادي موجه نستخدمه حين نباشر قراءة نص أو حل مسألة، والثاني لا إرادي يستثار تلقائياً استجابة لمؤثر خارجي مفاجئ، يأتي اليوم في هيئة عنوان إخباري صادم. والمشكلة أن هذين النوعين يتنافسان على المورد ذاته، فكل إشعار عاجل يخترق تركيزك يستنزف جزءاً من الطاقة الذهنية المخصصة للمهمة التي بين يديك، حتى بعد مغادرته الشاشة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وهنا يكمن جوهر ما تسميه بعض الدراسات الحديثة "قلق الإنتاجية"، وهو شعور دائم بأن ثمة ما ينبغي فعله يتجاوز ما يفعل فعلاً. والمفارقة أن الأدوات ذاتها التي صممت يوماً لتنظيم العمل، كبرامج الدردشة وصندوق البريد الذي لا يفرغ واجتماعات الفيديو المتلاحقة، صارت تغذي هذا القلق بدلاً من أن تخففه. وتشير الدراسات النفسية إلى أن التعرض المستمر للأخبار السلبية يرفع معدلات الكورتيزول في الدم، مما يضعف وظائف الدماغ التنفيذية المرتبطة بالتركيز واتخاذ القرارات وحل المشكلات، ويقلل الدافعية.
مسارات الاستعادة
لكن الخبر الجيد أن الدافعية في جوهرها هي نتاج تفاعل مستمر بين البيئة والعادات والمعنى الذي يمنحه الشخص لعمله، ومن هنا تبرز ثلاثة مسارات عملية تدعمها الأدلة البحثية الحديثة. الأول يتعلق بإدارة التعرض للأخبار عبر تخصيص نافذة زمنية محددة للاطلاع عليها، بدلاً من تركها تتسلل بصورة عشوائية بين المهمات.
والثاني يخص إعادة تعريف مفهوم الإنجاز في ظل الظروف الصعبة، فحين يكون المناخ النفسي العام مثقلاً، ينتج توقع المستوى ذاته من الإنتاجية الذي كان سائداً في أوقات الاستقرار إحباطاً إضافياً، بينما القبول بإنجاز أقل بجودة مقبولة يمثل في ظروف استثنائية إنجازاً حقيقياً. والثالث، وربما الأهم، يرتبط بإعادة الاتصال بمعنى العمل ذاته بعيداً من الأزمات المحيطة به، فحين يشعر المرء بأن ما يقوم به ذو قيمة تتجاوز إنجاز المهمة، سواء كان ذلك خدمة عميل أو بناء مهارة أو دعم فريق، يصبح هذا المعنى نقطة ارتكاز تبقي الدافعية حية حتى حين يبدو العالم الخارجي في حال اضطراب دائم.
وفي النهاية تبقى الأزمات الكبرى خارج دائرة سيطرة الفرد وتأثيره، لكن بين يديه مجموعة ثمينة من القرارات والسلوكيات التي تحدد طريقة بنائه لعلاقته اليومية مع عمله، من وضع الأولويات ورسم الحدود وخلق البيئة الداعمة للإنجاز والازدهار الشخصي.