Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النيجيرية التي تحاول إنقاذ أعرق أحزاب بريطانيا

كيمي بادينوك أول زعيمة من البشرة السمراء لحزب المحافظين منذ تأسيسه قبل 200 عام

كيمي بادينوك زعيمة حزب المحافظين البريطاني (غيتي)

ملخص

تولت كيمي بادينوك زعامة حزب المحافظين البريطاني في نوفمبر 2024، بعد أسوأ هزيمة انتخابية في تاريخ الحزب، فصارت أول شخص أسود يقود حزباً بريطانياً كبيراً. وُلدت في لندن لأبوين نيجيريين وقضت طفولتها في لاغوس، وبعد أقل من عامين في زعامة الـ"توري" تشير استطلاعات إلى أن تأييدها الشخصي بلغ 31 في المئة، أي أكثر من حزبها الراكد عند 19 في المئة. فهل يمكن أن تحقق بادينوك المستحيل بلغة الأرقام؟

في ديسمبر 2025 زار رئيس الوزراء الأسبق بوريس جونسون مدينة أويري النيجيرية، وقال من هناك إن نيجيريا أرسلت إلى المملكة المتحدة "رئيسة وزراء مستقبلية"، فمن هي المهاجرة السوداء التي تنبأ بها جونسون، وتحلم بإنقاذ حزب المحافظين، أقدم أحزاب بريطانيا وأكثرها استحواذا على السلطة منذ تأسيسه في عام 1834.

وُلدت أولوكيمي أولوفونتو أديغوكي في الثاني من يناير (كانون الثاني) 1980 في ويمبلدون جنوب لندن. ووفق ما ورد في سيرتها الموثقة، كانت والدتها فيي أدوبيفا سافرت من نيجيريا إلى بريطانيا لتلقي علاج، فوضعت ابنتها في مستشفى "سانت تيريزا" للولادة، قبل صدور قانون الجنسية البريطانية لعام 1981 الذي ألغى الجنسية التلقائية بحكم مكان الولادة، مما جعل المولودة بريطانية منذ لحظتها الأولى. ونفت بادينوك في مقابلات أن تكون "طفلة مرساة"، وقالت إن عائلتها لم تعرف أنها مؤهلة لجواز سفر بريطاني إلا حين بلغت سن المراهقة.

والدها فيمي أديغوكي كان طبيباً عاماً أسس لاحقاً دار نشر في نيجيريا وتحول إلى ناشط في حقوق شعب اليوروبا، ووالدتها أستاذة علم وظائف الأعضاء في جامعة لاغوس. ولها أخ وأخت. ووفق بروفايل نشرته صحيفة "التايمز"، تربطها صلة قرابة بنائب الرئيس النيجيري السابق يمي أوسينباجو.

قضت طفولتها بين لاغوس، في حي سوروليري ذي الطابع الوسطي، والولايات المتحدة حيث كانت والدتها تحاضر، ودرست في "المدرسة الدولية" بلاغوس. وقالت في عام 2018 إن الانتماء إلى الطبقة الوسطى في نيجيريا كان يعني العيش بلا ماء جارٍ أو كهرباء، وأحياناً حمل الكرسي إلى المدرسة، وإن عائلتها مرت بـ"فترات فقر" بفعل التضخم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول بادينوك إنها عادت إلى بريطانيا في سن الـ16 لتقيم عند صديقة لوالدتها، إثر تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية في نيجيريا. وفي خطابها الأول في مجلس العموم وصفت نفسها بأنها "عملياً مهاجرة من الجيل الأول". درست في الثانوية البيولوجيا والكيمياء والرياضيات، لكنها لم توفق بالقبول في جامعة "وارويك". فعملت في فرع لـ"ماكدونالدز" ومتجر "نيو لوك"، وقالت لاحقاً إنها "صارت من الطبقة العاملة" في تلك الأعوام.

ثمة رواية تكررت في حديثها عن منحة جزئية عرضتها عليها جامعة "ستانفورد" في السادسة عشرة من عمرها لدراسة الطب، لم تتمكن من قبولها لعدم كفايتها. غير أن صحيفة "الغارديان" شككت نهاية أغسطس (آب) 2025 بهذه الرواية، إذ إن "ستانفورد" لم تكن تقدم مساراً بهذا الاسم، ونفى الأمر مسؤول القبول الذي كان يتولى منح الطلبة الدوليين آنذاك. لم يصدر عن الجامعة نفي مؤسسي، ولم تقدم بادينوك وثيقة، وبقيت المسألة رواية شخصية مقابل شهادة موظف سابق.

درست نظم الحاسوب بجامعة "ساسكس" في عام 2003، ثم القانون في "بيركبك" بجامعة لندن ونالت البكالوريوس عام 2009، وصارت زميلة فخرية للكلية في عام 2018. ومهنياً، عملت مهندسة برمجيات في "لوجيكا" بين عامي 2003 و2006، ثم محللة نظم في "رويال بنك أوف سكوتلاند"، ثم مديرة مساعدة في مصرف "كوتس" الخاص بين عامي 2006 و2013، كذلك مديرة رقمية لمجلة "ذي سبكتيتور" بين عامي 2015 و2016.

خلافاً لما يُشاع، لم يصدر عن بادينوك أو عن أي جهة رسمية بيان بثروتها الصافية، إذ لا يلزم النظام البريطاني النواب بنشر تقييم لأصولهم، بل بتسجيل المصالح والدخول والهدايا فحسب. والمعطى الموثق الوحيد هو الراتب، فقد حددت الهيئة المستقلة لمعايير البرلمان (إبسا) راتب النائب اعتباراً من الأول من أبريل (نيسان) الماضي بـ98599 جنيهاً استرلينياً سنوياً، بزيادة خمسة في المئة على العام السابق، ويضاف إليه راتب تكميلي لشاغل منصب زعيم المعارضة. أما زوجها هاميش بادينوك، الذي تزوجته عام 2012 وأنجبت منه ابنتين وابناً، فمصرفي في "دويتشه بنك" وعضو سابق في مجلس بلدية ميرتن بين عامي 2014 و2018، وخاض انتخابات دائرة فويل في إيرلندا الشمالية عام 2015.

 

طريق وستمنستر

علاقة بادينوك بنيجيريا متوترة إلى حد الاشتباك العلني. ففي ديسمبر 2024 هاجمها نائب الرئيس النيجيري كاشم شتيما لما اعتبره "تحقيراً" لبلدها الأصلي، ودعاها إلى التخلي عن اسمها النيجيري، فرد متحدث باسمها بأنها لن تسحب أي تصريح، ولا تمارس "علاقات عامة لنيجيريا". وفي حديث إلى "ذي سبكتيتور" قالت إنها تعرف نفسها بانتمائها إلى "يوروبا" لا إلى نيجيريا، وفي أغسطس 2025 قالت إنها لم تجدد جوازها النيجيري منذ مطلع الألفية ولم تعد تعرف نفسها نيجيرية. في المقابل، دافع عنها نيجيريون كثر باعتبار أن ما تقوله في شأن الفساد وانعدام الأمن يعبر عن شكوى المواطن العادي.

انضمت بادينوك إلى حزب المحافظين عام 2005 وهي في الـ25. وخاضت انتخابات دائرة "دولويتش ووست نوروود" عام 2010 فحلت ثالثة، وترشحت لجمعية لندن عام 2012 من دون فوز، قبل أن تدخلها في عام 2015 بديلة عن فيكتوريا بورويك، وتحتفظ بمقعدها في عام 2016. وأيدت الخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء المصيري.

دخلت مجلس العموم عام 2017 عن دائرة "سافرون والدن" بغالبية 24966 صوتاً، وقالت في خطابها الأول خلال الـ19 من يوليو (تموز) 2017 إن التصويت لمصلحة الخروج كان "أعظم تصويت ثقة" في المشروع البريطاني، وسمت ونستون تشرشل وإيري نيف ومارغريت تاتشر أبطالاً سياسيين لها.

تدرجت بادينوك وزارياً سريعاً، فكانت وكيلة وزارة للأطفال والأسر في يوليو 2019، ثم أمينة الخزانة ووزيرة للمساواة في فبراير (شباط) 2020، ثم وزيرة دولة للمساواة والحكم المحلي في سبتمبر (أيلول) 2021. واستقالت في يوليو 2022 احتجاجاً على إدارة بوريس جونسون لأزمة النائب كريس بينشر، وخاضت سباق الزعامة فأقصيت في الجولة الرابعة. وعينتها ليز تراس وزيرة للتجارة الدولية في سبتمبر 2022، وأبقاها ريشي سوناك وأضاف إليها حقيبة المرأة والمساواة، ثم صارت وزيرة الأعمال والتجارة من فبراير 2023 حتى يوليو 2024، ووقعت خلالها اتفاق انضمام بريطانيا إلى الشراكة عبر المحيط الهادئ.

وفي يوليو 2024 نقلت "الغارديان" عن ثلاثة موظفين في وزارة الأعمال والتجارة في الأقل قولهم إنهم تعرضوا لتنمر وإن أجواء العمل كانت ترهيبية في عهد بادينوك. لكن الوزيرة السمراء نفت ذلك ووصفته بأنه تشويه من موظفين سابقين يغطون على إخفاقاتهم، فيما أكد متحدث باسم الوزارة عدم وجود شكاوى رسمية أو تحقيقات.

 

زعامة تحت النار

في الثاني من نوفمبر 2024 هزمت بادينوك منافسها روبرت جينريك في اقتراع الأعضاء على زعامة الحزب، وفازت بـ53806 أصوات مقابل 41388 لجينريك، أي 56.5 في المئة، من أصل 131680 ناخباً وبنسبة مشاركة 72.8 في المئة، وورثت حزبا هبط إلى 121 نائباً و24 في المئة من أصوات البريطانيين.

كان العام الأول قاسياً، ففي الانتخابات المحلية في مايو (أيار) 2025 خسر "المحافظين" نحو ثلثي مقاعدهم وكل المجالس الـ16 التي كانوا يديرونها بغالبية، ووصفت هي النتيجة بأنها "مجزرة". وفي انتخابات رانكورن الفرعية حل الحزب ثالثاً بسبعة في المئة. ثم تحول النزف إلى انشقاقات متتالية نحو "ريفورم"، شملت جيك بيري وداني كروغر ونادين دوريس وجوناثان غوليس ونظيم زهاوي وسويلا برافرمان، وبلغت ذروتها منتصف يناير الجاري حين سحبت هي العصا الحزبية من جينريك، بعدما قالت إنها حصلت على دليل قاطع على نيته الانشقاق، فانضم إلى "ريفورم" في اليوم نفسه.

جاء رد بادينوك على كل ما حصل بحزمة سياسات في مؤتمر مانشستر مطلع أكتوبر (تشرين الأول) 2025، تضمنت التزاماً في البيان الانتخابي المقبل بالخروج من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان وإلغاء قانوني حقوق الإنسان وتغير المناخ، وخفض الإنفاق العام 47 مليار جنيه سنوياً، وإلغاء رسم الدمغة على شراء المسكن الرئيس، وتقليص حجم الخدمة المدنية.

في الـ26 من نوفمبر 2025، علقت بادينوك على موازنة راشيل ريفز التي تضمنت 26 مليار جنيه من الزيادات الضريبية. فوصفت الموازنة بأنها "خليط من البؤس" وطالبت باستقالة المستشارة. وردت ريفز بأنها تفضل التركيز على السياسات لا على الأشخاص، مذكرة بأن بادينوك كانت قد عدت موازنة ليز تراس المصغرة "صحيحة 100 في المئة".

وفق تحليل مؤسسة "نيو ستيتسمان" في 2 أغسطس الجاري، قفز تأييد بادينوك من 19 في المئة قبل عام إلى 31 في المئة، فيما تراوحت النظرة السلبية إليها بين 30 و40 في المئة. وحزبها ثابت عند 19 في المئة في المركز الثالث، أي إنها تتقدمه بأكثر من 10 نقاط. وبعد أكثر من 630 يوماً في المنصب، تتفوق على إد ميليباند وكير ستارمر وجيرمي كوربين في المرحلة نفسها من قيادة المعارضة، وتقترب من منحنى ديفيد كاميرون. لكن الخلاصة التي يقدمها التحليل أن ذلك لا يكفي ما دام نايجل فاراج الزعيم الأكثر شعبية في اليمين.

خلال مايو 2025 نشرت مجلة "ذي كريتيك" مقالة لمسؤولين مجهولين في "المحافظين" وصفاها بأنها "غير محبوبة وليست رصيداً انتخابياً للحزب"، فردت في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" بأنها "لا تخاف الجبناء" الذين لا يوقعون بأسمائهم. أما في "ريفورم" فقد أطلق على بادينوك لقب "بابا نويل" لكثرة ما قدمته للأعضاء من هدايا، بحسب ما تسرب بعد موجة انشقاقات سبتمبر 2025.

انتخابات السابع من مايو 2026 المحلية أكدت الصورة. فقد حصد حزب فاراج "ريفورم" 1257 مقعداً وسيطر على 10 مجالس، وخسر "العمال" 1121 عضواً و28 مجلساً، بينما خسر "المحافظين" 488 مقعداً وستة مجالس.

 

العلاقة مع الخارج

علاقة بادينوك بأوروبا تنقسم إلى مسارين لا يلتقيان تماما: الاتحاد الأوروبي بوصفه خصما تفاوضيا، والأحزاب اليمينية الأوروبية بوصفها حلفاء تبحث عنهم. أيدت "بريكست" وتؤيد الانسحاب من الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان، وأقوى صلاتها الشخصية هي برئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي وصفتها بأنها مصدر إلهام، وقد تعرفت إليها عام 2023 حين كانت بادينوك وزيرة للأعمال والتجارة.

تعتبر بادينوك من أشد المدافعين عن إسرائيل في وستمنستر، وقالت في مايو 2025 إن حزبها "خط الدفاع الأخير" عنها في البرلمان، ووصفت حرب غزة بأنها "حرب بالوكالة نيابة عن بريطانيا" ورفضت توصيفها بالإبادة. وحين منعت إسرائيل نائبتين عماليتين من الدخول في أبريل 2025، ودافعت هي عن حق أي دولة في ضبط حدودها، رد وزير الخارجية آنذاك ديفيد لامي بأن تشجيع دولة أخرى على احتجاز نائبين بريطانيين "أمر مشين".

بعد فوز دونالد ترمب بالولاية الرئاسية الثانية في الولايات المتحدة دعت بادينوك الحكومة إلى استئناف مفاوضات التجارة مع واشنطن باعتبارها "فرصة ذهبية". أما علاقاتها الحزبية مع الولايات المتحدة فهي تحظى بتأييد حاكم فلوريدا رون ديسانتيس، وبنت علاقة شخصية مع نائب الرئيس جيه دي فانس سبقت وصوله إلى المنصب. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024 التقته في واشنطن ونشر صورة معها على منصة "إكس" مع مزحة عن تفضيله القهوة على الشاي، وقال مقرب منها إن اللقاء "جدد صداقتهما" وإن فانس يرى فيها جزءا من جيل جديد في يمين الوسط العالمي إلى جانب الكندي بيار بواليافر. كما ذكرت "الإندبندنت" أن لها صلات أيضا برئيس مجلس النواب مايك جونسون وحاكم تكساس غريغ أبوت والسيناتور ريك سكوت.

لكن هذه الشبكة تصطدم بعقبة اسمها نايجل فاراج. فزعيم "ريفورم" هو صديق ترمب المباشر لا الوسيط الحزبي، وقد نقلت "الإندبندنت" عن مصدر حضر ليلة الانتخابات في مارالاغو قوله إنه لم يكن هناك أي محافظ، وإن فاراج يتحدث إلى ترمب هاتفيا مباشرة. والأوضح من ذلك أن نادي الجمهوريين الشبان في نيويورك امتنع عن دعوة المحافظين إلى حفله السنوي، وقال أمين سره فيش بورا إن الحفل "للفائزين لا للخاسرين"، وإن جمهوريي "ماغا" لا يرغبون في العمل مع أحزاب في نزعها الأخير. أي أن بادينوك تنافس فاراج على الود نفسه من موقع أضعف.

في سياستها الخارجية أيضا انتقلت بادينوك في توصيف الصين من "تحدٍ" إلى "تهديد" عبر الإكراه الاقتصادي. وفي يوليو 2025 أعلنت إعجابها بالرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، وفي يناير الجاري قالت إنها "لا ترى مشكلة" في إسقاط النظام الإيراني، وطالبت خلال حرب عام 2026 بضربات جوية بريطانية على إيران، متهمة ستارمر بأنه يطلب من الحلفاء ما ينبغي لبلاده فعله بنفسها.

أمام زعامة بادينوك اليوم ثلاثة خيارات لا يوجد بينها ما هو مضمون، الأول أن يتحول ارتفاع رصيدها الشخصي إلى استعادة تدريجية لناخبي "ريفورم" فيعود الحزب إلى المنافسة الثنائية. والثاني أن يستمر الانفصال بين شعبيتها وشعبية حزبها حتى الانتخابات العامة المقبلة، فتصبح الزعيمة المحبوبة التي أفقدت المحافظين أخر فرصة للنهوض، أما الثالث أن يفرض ضغط المقاعد شكلاً من التفاهم مع "ريفورم" ترفضه هي اليوم.  

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير