Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مغامرة السلاح والاقتصاد: حرب من أجل صفقة

واشنطن تستبدل المالي بالعسكري وطهران تراهن على مضيق هرمز وموقعها

القاعدة واضحة: في أية حرب عسكرية أو اقتصادية تخسر أمیركا كقوة عظمى إن لم تربح، وهي لا تربح في حرب لم تكتمل، وتخسر في أية تسوية بعد حرب ناقصة (أ ف ب)

ملخص

ينتقل الصراع الأميركي - الإيراني من المواجهة العسكرية المباشرة إلى خيار الحرب الاقتصادية والمالية الشاملة، حيث يسعى الرئيس دونالد ترمب إلى توظيف فلسفة "فن الصفقة" والضغط الجيواقتصادي لحظر الصادرات ومنع حيازة السلاح النووي، في حين تعتمد طهران على الإمساك بآليات الجغرافيا ومضيق هرمز وفرض حال من الفوضى التشغيلية كخيار مواجهة. وبينما تُراهن واشنطن على أن الضغط المالي المستمر قد يدفع الداخل الإيراني المنهك إلى التحول وتجاوز نقطة الصمود، يصطدم هذا الرهان بعقد الهوية التاريخية للثورة وإمكان التكيف الجغرافي لطهران عبر حدودها الشاسعة، مما يجعل أصل النزاع متعلقاً بالحد من النفوذ والمشروع الإقليمي برمته لا بمجرد كسر البرنامج النووي.

أميركا تنتقل من أكبر هجوم عسكري إلى أكبر هجوم اقتصادي ومالي على إیران. واللعبة في الحالين واحدة: حرب من أجل صفقة أقل بكثير من الأهداف التي من أجلها كانت المغامرة وحتى المقامرة الكبيرة.

وليس من السهل على الرئيس دونالد ترمب صاحب "فن الصفقة" أن يفهم التركيبة المعقدة والدقيقة للمجتمع الإيراني، ولا يبدو في هذا الوارد، فهو يأتي من فلسفة تبسيطية تصور علماؤها السياسيون "نهاية التاريخ والجغرافيا والأيديولوجيا" إلى أرض التاريخ الذي يستعيد سياسة عمرها 1400 عام، وعقدة الجغرافيا في مضيق هرمز، والأيديولوجيا الدينية المتجسدة في ثورة الخميني التي رأى المفكر الإيراني الراحل داريوس شايفان في كتاب "ما الثورة الدينية" أنها تمثل "حداثة مقلوبة" أو "حداثة مضادة": "ضد الغرب مع استخدام تكنولوجيته وأدواته الحديثة وأسلحته"، وهو يعتقد أن طهران تريد الاندماج في النظام الاقتصادي العالمي، في حين أراد الخميني والسائرون على خطه "الفصل الكامل".

والطرفان المختلفان يطبقان ورقة من كتاب واحد: ترمب يرى أن "الجيواقتصادي" يتقدم على "الجيوسياسي" في التأثير، والحرس الثوري يعتبر أن الإمساك بمضيق هرمز والضغط بموقعه على الاقتصاد العالمي هو الضمانة لحماية النظام.

واشنطن تحذر الدول التي لا تزال تساعد إيران طالبة منها الانضمام إلى الحصار الأميركي، ومن ثم تمد الحرب الاقتصادية إلى أبعد نقطة في العالم. وطهران تحذر الدول التي تساعد أميركا وتعتبرها أهدافاً مشروعة في المنطقة وأوروبا وكل مكان، لا بل إن نائب رئیس مجلس الشوري الإسلامي يهدد الدول الخليجية التي تعمل بمساعدة الآخرين على فتح قنوات جديدة لتصدير النفط بحجة أنها تضرب مصدر القوة لإيران وتمارس اعتداء على مضيق هرمز. أما أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي وممثل المرشد فيه، الجنرال محسن رضائي، فإنه يتحدث عن الاضطرار إلى المضي في "امتلاك القنبلة النووية".

وهناك من يقول إن القنبلة صارت بيد طهران منذ أشهر. والمشكلة أن ترمب الذي يقول إنه غير مستعجل هو في الواقع مستعجل جداً يريد أن يقطف ثمار الحرب الاقتصادية سريعاً، كأن الحصار طبخة تجهز للأكل بمجرد إشعال النار تحت الطنجرة. وهو في التركيز على فتح مضيق هرمز ومنع إيران من حيازة السلاح النووي يتجاهل النظرية التي عبر عنها جيمس جيفري ودنيس روس، وخلاصتها "أن المشكلة هي إيران، لا القنبلة، فالنفوذ الإيراني أخطر من القنبلة، لأنه يقود إلى حقيقة أهم هي أن البرنامج النووي فرغ من أصل هو المشروع الإمبراطوري الإيراني".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا أحد يجهل، وسط ادعاء إيران أن الحرب الاقتصادية قليلة التأثير فيها، أن من الصعب أن يتحمل الشعب مفاعيل الحصار طويلاً، وإن بدا النظام صامداً، فخلال أعوام سبعة سبقت الحرب الأميركية اعترف حاكم المصرف المركزي الإيراني عبدالناصر همتي بأن "عدد الفقراء ازداد 10 ملايين". ولا أحد يعرف إلى أي حد يمكن التشاطر على الحصار والهجوم الاقتصادي بالاتكال على كون إیران واسعة جداً: مساحتها 1,88 ملیون کيلومتر مربع، حدودها 8731 كيلومتراً منها 2700 بحرية، ولها حدود مشتركة مع 15 دولة.

والقاعدة واضحة: في أية حرب عسكرية أو اقتصادية تخسر أمیركا كقوة عظمى إن لم تربح، وهي لا تربح في حرب لم تكتمل، وتخسر في أية تسوية بعد حرب ناقصة. وفي رأي سوزان مالوني من مؤسسة "بروكنيفر"، فإن "لدى إيران ميزة على أميركا: ليس عليها من أن تحقق أي مكسب ملموس في الوقت الحاضر، لأن الفوضى في حد ذاتها هي انتصار لها"، لكن هذا "نصر فارغ" في رأي كريم سادجادبور الذي لاحظ أنه "لم يسبق أن بدا النظام الإیراني أکثر ضعفاً مما هو عليه اليوم"، فلا خطر على النظام إلا من الداخل.

والداخل ممسوك خلال الحرب بالعنف والعقيدة الوطنية، لكنه يعود بعد الحرب إلى رؤية واقعه الاقتصادي والاجتماعي المزري، فما أفشل الانتفاضات السابقة ليس فقط القمع والقتل، بل أيضاً أن الاحتجاجات لم تصل إلى نقطة تحول حرجة من المؤيدين، لكن في المجتمع اليوم كتلة حرجة تنتابها الشكوك، و"فكرة كون سقوط نظام استبدادي أمراً يتعذر تصوره غالباً ما تنتقل إلى تطور حتمي في غضون أيام"، حسب سادجادبور، وهذا رهان على المنطق الديالكتيكي: "التراكم الكمي البطيء يؤدي إلى تحول كيفي سريع".

يقول الدكتور هنري كيسينجر "إن التاريخ علمنا مبدأين للاستقرار: السيطرة أو توازن القوى، وعلينا الذهاب إلى توازن القوى لأننا غير قادرين على السيطرة"، لكن ترمب يتصرف على أساس أن الدنيا تغيرت في أميركا والعالم بعد كيسينجر ونظرياته.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء