ملخص
بعدما أنفق آلاف أصحاب الأعمال مدخراتهم على شراء المولدات الكهربائية لمواجهة الانقطاعات، وجدوا أنفسهم أمام معضلة جديدة تتمثل في صعوبة تأمين البنزين والديزل اللازمين لتشغيلها، مما ضاعف خسائرهم وهدد استمرار أعمالهم.
يعيش الإيرانيون هذه الأيام في دوامة مرهقة من الأزمات المتشابكة، التي ترتبط ببعضها بعضاً، كما لو كانت حلقات في سلسلة واحدة. فمن جهة تتفاقم أزمات التضخم والبطالة وشح السيولة وندرة الأدوية وارتفاع أسعارها، ومن جهة أخرى تؤدي الانقطاعات المتكررة للكهرباء وصعوبات تأمين الوقود إلى تعطيل حياة المواطنين وأنشطتهم الاقتصادية، بحيث يجدون أنفسهم، كلما حاولوا تجاوز أزمة، أمام أعباء وتكاليف ومشكلات جديدة.
فعلى سبيل المثال، ومع بدء الانقطاعات المتكررة للكهرباء خلال فصل الصيف، لجأ كثيرون من أصحاب الأعمال إلى شراء مولدات كهربائية لضمان استمرار نشاطهم، إلا أنهم باتوا اليوم يواجهون أزمة جديدة تتمثل في صعوبة تأمين الوقود اللازم لتشغيل تلك المولدات.
وتظهر روايات متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي خلال الأشهر الماضية أن كثيراً من أصحاب الأعمال اضطروا إلى اقتراض الأموال، أو بيع جزء من ممتلكاتهم، أو إنفاق معظم مدخراتهم لشراء مولدات كهربائية، لكنهم يواجهون اليوم، بسبب أزمة توفير الوقود اللازم لتشغيلها، خسارة مدخراتهم ورؤوس أموالهم، إلى جانب دخول أعمالهم في حالة من الركود.
ويروي عدد من أصحاب المتاجر على شبكات التواصل الاجتماعي أنهم باتوا يقضون ساعات طويلة في التنقل بين محطة وقود وأخرى بحثاً عن بضعة لترات من البنزين أو الديزل لتشغيل مولداتهم الكهربائية، لكنهم في نهاية المطاف لا يحصلون إلا على كميات محدودة، وأحياناً يعودون من دون وقود. وإلى جانب ذلك، يخسرون ساعات من عملهم وانشغالهم بأعمالهم التجارية خلال رحلة البحث عن الوقود.
وتكشف المقاطع المصورة التي نشرها أصحاب الأعمال من مناطق مختلفة في إيران عن أن أزمة تأمين وقود المولدات الكهربائية لم تعد مقتصرة على طهران أو المدن الكبرى، بل امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد.
في إحدى الروايات من مدينة أصفهان، يقول أحد أصحاب المتاجر إن انقطاع الكهرباء لم يعد مشكلته الوحيدة، لأن المولد الكهربائي الذي اشتراه بعد معاناة كبيرة يحتاج يومياً إلى بضعة لترات من البنزين، غير أن تأمين هذه الكمية تحول بدوره إلى معركة يومية تستنزف وقته وجهده، ويضيف "علينا كل يوم أن نقف في الطوابير ونتجادل حتى نتمكن من الحصول على أربعة لترات من البنزين".
في رواية أخرى، يقول صاحب متجر للمواد الغذائية إنه اضطر إلى شراء مولد كهربائي للحيلولة دون توقف الثلاجات وتلف البضائع، إلا أنه بات اليوم مضطراً إلى إغلاق متجره، ساعات يومياً، والوقوف في طوابير الوقود، حتى يتمكن من الحصول على أربعة لترات فقط من البنزين.
كما نشر صاحب متجر آخر للمواد الغذائية مقطعاً مصوراً عبر منصة "إنستغرام" يظهر تلف السلع المحفوظة في الثلاجات، ويقول إنه على رغم إنفاق مبالغ كبيرة لشراء مولد كهربائي، واجه هذه الخسائر لأنه لم يتمكن من تأمين أربعة لترات من البنزين.
وفي عدد من المقاطع المصورة التي نشرها أصحاب الأعمال من مناطق مختلفة، أشاروا إلى أن محطات الوقود ترفض تعبئة البنزين أو الديزل في الأوعية أو الغالونات، على رغم أن الجهات الحكومية كانت قد أوصت أصحاب الأعمال، مع بدء انقطاعات الكهرباء، بشراء مولدات كهربائية لتأمين احتياجاتهم من الطاقة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم تعد هذه الأزمة تقتصر على المشاريع الصغيرة، بل امتدت أيضاً إلى الوحدات الصناعية. وفي هذا السياق، وصف رئيس اللجنة القانونية للمناطق الصناعية سام رفيعا هذا التناقض قائلاً "أبلغت الحكومة المصانع بأنها غير قادرة على تزويدها بالكهرباء، وطلبت منها شراء مولدات كهربائية. وقد استجابت الوحدات الإنتاجية لذلك، وتكبدت تكاليف باهظة لشراء المولدات، لكنها فوجئت بعد ذلك بعدم توفير الديزل اللازم لتشغيلها. وبعض المنتجين اشتروا مولدات تبلغ قيمتها مليارات التومانات، لكن امتناع الحكومة عن تزويدهم بالوقود أجبرهم على شرائه من السوق غير الرسمية بأسعار تفوق السعر الرسمي مرات عدة".
وكانت الأمينة العامة لجمعية صناعات الأجهزة المنزلية نسرين أوجاقي قد قالت في وقت سابق إن الكهرباء تنقطع عن بعض المناطق الصناعية ثلاثة إلى أربعة أيام أسبوعياً، مما دفع المصانع إلى شراء مولدات تعمل بالديزل، لكنها لا تحصل حتى على حصتها القانونية من وقود الديزل.
وخلال الأيام الأخيرة، أصبحت أزمة تأمين الوقود في إيران أكثر وضوحاً، إذ تشير تقارير ميدانية من طهران إلى أن عدداً من محطات الوقود، الممتدة من شمال العاصمة إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، تضطر إلى الإغلاق ساعات عدة بعد نفاد مخزونها.
كما أن الطوابير الطويلة أمام محطات الوقود، التي تمتد أحياناً كيلومترات عدة، تمثل مؤشراً واضحاً على تفاقم الأزمة، لا سيما المقاطع المصورة التي نشرها المواطنون مساء الأربعاء وفجر الخميس الماضيين، إذ أظهرت اتساع نطاق الأزمة.
في المقابل، قال الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع المشتقات النفطية محمد صادق عظيمي فر إن ارتفاع الطلب على البنزين في طهران بنسبة 30 في المئة هو السبب في هذه الأوضاع. وأضاف أن المواطنين توجهوا إلى محطات الوقود تحت تأثير الإشاعات، معتبراً أن الارتفاع المفاجئ في الطلب وتأخر وصول شحنات الوقود يقفان وراء الأزمة.
وبحسب البيانات الرسمية، يبلغ متوسط الاستهلاك اليومي للبنزين في إيران نحو 135 مليون لتر، في حين يقدر إجمالي إنتاج المصافي ومجمعات البتروكيماويات بنحو 121 مليون لتر، مما يعني وجود فجوة يومية تقارب 14 مليون لتر بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.
في ظل هذه الظروف، ترفض محطات الوقود، استناداً إلى تعميم صادر عن الشركة الوطنية لتوزيع المشتقات النفطية، تعبئة البنزين في الأوعية أو الغالونات. ونتيجة لذلك، وجد أصحاب المولدات الكهربائية، الذين لا يستطيعون نقل أجهزتهم إلى محطات الوقود، أنفسهم أمام مأزق حقيقي، يخسرون معه يومياً جزءاً من رؤوس أموالهم، ودخولهم، وساعات عملهم.
ويؤدي استمرار هذه الحلقة إلى ارتفاع كلفة ممارسة الأعمال إلى حد يدفع بعض أصحاب المتاجر إلى الاعتقاد بأن خسائر مواصلة النشاط أصبحت أكبر من خسائر إغلاقه، كما أن إغلاق أي متجر أو مشروع صغير يعني فقدان مصدر رزق أسرة أو أكثر، وما يترتب على ذلك من اتساع رقعة الفقر وتفاقم صعوبات المعيشة.