ملخص
من الرقم الوطني إلى الهاتف والحساب المصرفي، تتحول البيانات الشخصية في ليبيا إلى هدف ثمين للقراصنة وشبكات الاحتيال، حوادث متلاحقة تكشف عن هشاشة حماية الهوية الرقمية للمواطن، فيما يبقى السؤال الأخطر: من يصل إلى هذه البيانات بعد تسريبها، ومن يشتريها؟
في الدول المستقرة قد يعني تسريب قاعدة بيانات غرامات باهظة، أما في الدول المأزومة والمؤسسات المنقسمة فقد تتحول المعلومة الشخصية إلى شيء أكثر خطراً: مفتاح لحساب مصرفي، أو جواز مزور إلى أداة ابتزاز، أو وسيلة لرسم خريطة عن تحركات شخص وعلاقاته ومصالحه.
في ليبيا، حيث تتسع رقعة الخدمات الرقمية من المصارف والاتصالات إلى السجلات الحكومية ومنظومات الدعم والخدمات، تكشف حوادث السنوات الأخيرة أن بيانات المواطنين أصبحت أصلاً ثميناً يستعمل للابتزاز، في وقت لا تزال منظومة حمايتها القانونية والمؤسسية طور التشكل.
ولا تكشف المصادر المفتوحة عن قضية قضائية مثبتة تقول إن شركة تسويق اشترت قاعدة حكومية ليبية كاملة، أو إن جهة سياسية أو أمنية دفعت مقابلاً لشراء بيانات مسربة، لكن الوقائع توثق مسارات أخرى: عصابات تطلب ملايين الدولارات مقابل عدم نشر البيانات، شبكات تستغل معلومات الهوية للحصول على أرقام وطنية، مجرمون يستخدمون بيانات مصرفية في الاحتيال، وثغرات أو ممارسات مؤسسية تجعل بيانات حساسة متاحة لمن يصل إليها.
هوية لها ثمن
ظهرت واحدة من أولى الإشارات الكبرى في أغسطس (آب) 2022، عندما تداول مستخدمون معلومات تفيد بعرض قاعدة الرقم الوطني الليبي للبيع على منتدى القرصنة "Breached" مقابل 25 ألف دولار، وقيل إنها تتضمن أسماء المواطنين وتواريخ وأماكن الميلاد وأرقامهم الوطنية.
مصلحة الأحوال المدنية نفت وقوع الاختراق، وقال رئيسها إن "المنظومة آمنة، وما عرض للبيع غير حقيقي"، لكن المفارقة أن الفترة ذاتها شهدت إعلان النيابة العامة اكتشاف63,986 رقماً وطنياً مزوراً لا وجود لها أصلاً في منظومة السجل المدني.
ولا يعني تزامن الواقعتين أن قاعدة السجل المدني بيعت، لكنه يكشف مدى القيمة التي تحملها الهوية الرقمية الليبية، فالرقم الوطني ليس مجرد سلسلة أرقام، إنه البوابة إلى المرتب والدعم وجواز السفر والحساب المصرفي وكثير من الخدمات الحكومية.
في فبراير (شباط) 2026، ظهرت صورة مغايرة تماماً للخطر، فقد أدان "المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان" قيام جهات مختصة بنشر قوائم للفائزين بقرعة الحج تضمنت، إلى جانب الأسماء، الأرقام الوطنية وأرقام الهواتف على وسائل تواصل مفتوحة.
وحذر المجلس من أن "البيانات المنشورة يمكن استخدامها في الاحتيال والجرائم الإلكترونية"، مؤكداً أن "الشفافية في إعلان النتائج لا تبرر كشف المعلومات الشخصية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
والواقعة مهمة لأنها تقول إن البيانات لا تحتاج دائماً إلى "هاكر" كي تتسرب، فأحياناً يكفي تصميم سيئ للخدمة أو نشر ملف بطريقة خاطئة حتى تتحول آلاف السجلات إلى مادة متاحة للجميع.
وفي مايو (أيار) 2023، تعرضت شركة "ليبيانا" للهاتف المحمول الحكومية لهجوم سيبراني أثار مخاوف واسعة في شأن بيانات المشتركين.
الشركة القابضة للاتصالات أقرت بوقوع الهجوم، لكنها نفت تسرب معلومات المشتركين أو سجلات المكالمات، مؤكدة أن "الاستهداف طاول منظومة داخلية خاصة بالموظفين"، وفي الوقت نفسه، أصدرت هيئة الرقابة الإدارية قراراً للتحقيق في ما تم تداوله في شأن اختراق قواعد مالية ومحاسبية وغيرها تابعة للشركة.
وتكمن خطورة قواعد الاتصالات في قدرتها على مضاعفة قيمة البيانات الأخرى، فرقم هاتف مربوط باسم ورقم وطني، ثم ببيانات مالية أو عنوان أو مستند هوية، يصبح ملفاً أكثر اكتمالاً عن الشخص.
لكن أخطر الوقائع الموثقة حتى الآن جاءت من قلب النظام المالي الليبي، ففي التاسع من يونيو (حزيران) 2026 أعلن مصرف ليبيا المركزي تعرض أحد مزودي الأنظمة والخدمات التقنية المتعاقدين معه لحادثة سيبرانية، وبعد نحو ثلاثة أسابيع أكد المصرف أن "عينة من البيانات الواقعة ضمن نطاق الاختراق نُشرت على أحد مواقع الويب المظلمة".
في اليوم التالي كشف جهاز الأمن الداخلي خطورة ما وقع قائلاً إن "الفحص الفني أظهر أن بعض الملفات المتداولة تتضمن بيانات حقيقية، لكنه حذر في الوقت نفسه من أن ملفات أخرى تحمل مكونات وبرمجيات خبيثة يمكن استخدامها لاختراق بيانات ضحايا جدد".
ثم جاءت نتائج التحقيق القضائي لتكشف حجم الثغرة، ففي الـ15 من يوليو (تموز) أمرت النيابة العامة بحبس مسؤول أمن المعلومات ومدير إدارة تقنية المعلومات بالمصرف، وقال مكتب النائب العام إن "المهاجم استغل حساب مدير النظام في آلاف محاولات الدخول غير المشروع، وتمكن من البقاء داخل البيئة التقنية ثلاثة أيام وسط قصور في إجراءات الحماية وعدم الاستجابة لمؤشرات تهديد، وبينها ارتفاع غير مبرر في حجم البيانات المنقولة".
مع ذلك، أكد المصرف أنه "لم يرصد اختراقاً للحسابات أو الأرصدة أو الأصول المالية"، وهو تفصيل مهم للفصل بين تسرب بيانات وبين الاستيلاء على أموال العملاء.
من يشتري البيانات؟
الأكاديمي المتخصص في تقنية المعلومات والأمن الرقمي محمد كمال، يكشف عن المسار الذي تذهب إليه المعلومات المسربة أو المسروقة من شبكات وأنظمة المؤسسات الحكومية، بقوله "في الاقتصاد الإجرامي الرقمي لا يوجد مشترٍ واحد، فعصابات الفدية تبحث عن ملفات حساسة يمكن استخدامها لإجبار المؤسسة على الدفع، وشبكات الاحتيال تبحث عن بيانات تساعدها على انتحال هوية العميل، بينما تحتاج عمليات التصيد إلى الاسم والهاتف والمصرف ومعلومات تبدو صغيرة، لكنها تجعل الرسالة المزورة أكثر إقناعاً".
ويضرب كمال أمثلة على طرق استغلال البيانات المسروقة والكسب المادي منها، مشيراً إلى أنه "في يوليو 2026، أعلنت جهة مكافحة الجرائم المالية في ليبيا ضبط شبكة استخدمت صفحات مصرفية مزيفة للحصول على بيانات حسابات مواطنين، وأفادت بأن ثلاثة بلاغات فقط ارتبطت بسرقة97,145 ديناراً 15,325) دولار)، إنها صورة عملية للقيمة النهائية للبيانات المسروقة، تحويل المعلومات إلى مال".
وتابع "أما المثال الأكبر على الابتزاز فجاء من شركة (مليتة) للنفط والغاز في 2024، فقد أعلنت مجموعة (RansomHub) سرقة نحو تيرابايت واحد من البيانات وطالبت بفدية قدرها50 مليون دولار، مهددة بنشر الملفات واستخدام البيانات الشخصية لأغراض إجرامية وبيع الثغرات المكتشفة لمجموعات أخرى، وأكدت شركة (إيني) الإيطالية وقوع الهجوم على (مليتة)، مع عدم تأثر العمليات الإنتاجية".
وأضاف "أما احتمال وصول قواعد البيانات إلى أطراف سياسية أو أمنية، فهو أكثر حساسية وأصعب إثباتاً، ولا توجد أدلة علنية كافية تسمح باتهام جهة ليبية محددة بشراء قاعدة بيانات مسربة، لذلك يبقى هذا المسار سؤالاً مشروعاً للتحقيق، لا حقيقة مثبتة".
وبين كمال أن النقطة التي تفاقم أزمة تسرب البيانات، هي أن "ليبيا ليست بلا تشريعات لحماية الخصوصية، ولكنها تشريعات غير كافية لحماية حقوق المتضررين من قضايا تسرب المعلومات أو الاحتيال الإلكتروني، فقانون المعاملات الإلكترونية رقم 6 لسنة 2022 يتضمن مواد تمنع جمع البيانات أو استخدامها خارج الغرض المحدد من دون موافقة، وتفرض المحافظة على سريتها".
وأضاف "في يوليو 2025 أصدر مصرف ليبيا المركزي نظاماً أكثر تفصيلاً لحماية البيانات في المصارف وشركات الدفع والخدمات المالية، ويشمل ضوابط الجمع والتخزين والتشفير والإبلاغ عن التسرب، بل وحقوق صاحب البيانات في الاطلاع والتصحيح والحذف ضمن الشروط المنظمة، لكن الحماية لا تزال موزعة بين نصوص وقطاعات مختلفة".