ملخص
في السنوات الماضية، كانت عمليات الخطف وطلب الفدية حكراً على قطاع الطرق، لكن جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش" دخلت على الخط.
في وقت تتفاقم فيه الفوضى الأمنية والسياسية في الساحل الأفريقي، ازدهرت ظاهرة الخطف لا سيما مع اقترانها بالفدية، التي توفر مورداً مالياً يمنح الجماعات المسلحة إمكان البقاء والتمدد.
وشهدت دول مثل مالي والنيجر أخيراً عمليات إفراج عن أميركيين وروس وجنود نظاميين من الجماعات المسلحة في مقابل فدية ضخمة أو عمليات تبادل للأسرى، مما يثير مخاوف من تمكين هذه الجماعات من جرعة جديدة في وقت تنجح فيه أصلاً في تحقيق مكاسب ميدانية.
وشنت هذه الجماعات في الأشهر الماضية هجمات دموية استهدفت قواعد عسكرية في دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وأيضاً قامت تنظيمات مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" بمحاصرة عواصم إقليمية برمتها وخنقها اقتصادياً على غرار باماكو.
سوق مربحة
في السياق، عد الباحث السياسي التشادي المتخصص في الشؤون الأفريقية يامينغاي باتينباي أنه "بالنظر إلى تكرار عمليات إطلاق سراح الرهائن والسجناء في مقابل دفع فدية، لا سيما الارتفاع المتواصل في قيمة المبالغ المدفوعة لتأمين هذه الإفراجات، فضلاً عن تسديد الفديات أحياناً باستخدام المعادن النفيسة على غرار الذهب، بات من الواضح أن منطقة الساحل الأفريقي تحولت إلى سوق مربحة لهذه الممارسات"، وأضاف باتينباي أن "عمليات الاختطاف تتزايد بسبب ارتفاع عدد الجهات التي تقف وراءها، بدءاً من شبكات الجريمة المنظمة وقطاع الطرق، مروراً بالجماعات الإرهابية والفصائل المنبثقة عن الانقسامات المتكررة داخل هذه التنظيمات، وصولاً إلى الجماعات المتمردة، وفي ظل ضعف دول منطقة الساحل الأفريقي، تفرض هذه الجهات في بعض الأحيان مناطق خارجة عن القانون، تتحرك فيها بعيداً من أية رقابة فعالة من مؤسسات الدولة"، ولفت إلى أن هذا الوضع يدفع في كثير من الأحيان عائلات الرهائن إلى القبول بدفع الفدية في مقابل الإفراج عن أفرادها، خصوصاً في سياق ينظر فيه إلى الدولة على أنها عاجزة عن توفير الحماية اللازمة لمواطنيها.
وشدد باتينباي على أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الحكومات لا تتحرك، "لكنها إما لا تتعامل مع هذا الخطر الأمني باعتباره تحدياً جدياً يتطلب المعالجة، أو أنها تفتقر إلى الإمكانات اللوجستية والقدرات الأمنية الكافية لتنفيذ عمليات فعالة ضد الخاطفين"، مشيراً إلى أنه "إلى جانب هذه العوامل، يسهم الفقر الذي تعانيه شرائح من السكان، وعجز الدول عن توفير الخدمات الأساسية في مختلف أنحاء أراضيها، في استمرار هذه الممارسات وتوسعها، ضمن ما يشبه اقتصاداً إجرامياً قائماً على الخطف والفدية".
جزء من اقتصاد الحرب
في السنوات الماضية، كانت عمليات الخطف وطلب الفدية حكراً على قطاع الطرق، لكن جماعات إرهابية مرتبطة بتنظيمي "القاعدة" و"داعش" دخلت على الخط. وتحدثت دراسة نشرها معهد الدراسات الأمنية الأفريقي عن أن الخطف كان من أكثر مصادر تمويل فروع "القاعدة" ربحية في الساحل، وأن الأموال ساعدت الجماعات المسلحة في توسيع قدراتها وترسيخ نفوذها. لكن المعهد أشار في الوقت ذاته إلى أن الخطف لم يعد بالنسبة إلى جماعات موالية لـ"القاعدة" مثل "نصرة الإسلام والمسلمين" مجرد وسيلة تمويل، بل أصبح أيضاً أداة من أدوات الحرب والسيطرة على السكان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية علي السيد إلى أن "ظاهرة الخطف في الساحل الأفريقي لا يمكن النظر إليها باعتبار أنها مجرد عمليات إجرامية للحصول على المال، إنما أصبحت جزءاً من اقتصاد الحرب الذي نشأ في ظل ضعف الدولة واتساع المناطق الخارجة عن السيطرة الأمنية، فالجماعات المسلحة مثل نصرة الإسلام والمسلمين تقوم بخطف الأبرياء وطلب فدية، وهي اكتشفت أن الخطف يوفر كثيراً من الميزات، فهو يتيح مورداً مالياً مهماً ويمنحها ورقة تفاوضية، ويكشف في الوقت نفسه عن ضعف الدولة وعجزها عن حماية مواطنيها أو الرعايا الأجانب"، وتابع السيد في تصريح خاص "هنا يجب أن ننتبه إلى أن الفدية ليست المصدر المالي الوحيد لهذه الجماعات التي تتخذ من أساليب أخرى مثل الإتاوات المفروضة على السكان موارد مالية، لذلك يشكل الخطف جزءاً من اقتصاد الحرب الذي تتبناه الجماعات المسلحة في الساحل الأفريقي"، وأفاد بأن "أموال الفدية لا تذهب عادة إلى جيوب قادة الجماعات المسلحة، بل يتم توظيفها في شراء السلاح والذخيرة ودفع الرواتب وتقديم حوافز للمقاتلين وتمويل الحركات المتشددة وتأمين الملاذات وتوسيع شبكات التجنيد، وهناك مؤشرات حديثة إلى أن الأموال الكبيرة يمكن أن تتجاوز حدود الجماعة التي تقوم بعملية الخطف وتصل إلى تنظيمات أكبر مثل القاعدة، مما يجعل الفدية أشبه بالاستثمار العسكري، فكل عمليات ناجحة يمكن أن تمول عملية عسكرية لاحقة تنتج مزيداً من النفوذ لهذه الجماعات".
سلاح ذو حدين
في ظل سعي كثير من الجماعات التي تقوم بعمليات خطف إلى بناء شرعية سياسية، فإن السؤال: هل تقوض هذه العمليات فرص نجاحها في فرض نفسها في المعادلة السياسية؟
أجاب السيد "هنا، عمليات الخطف تصبح سلاحاً ذا حدين، فالفدية تقوي الجماعة بلا شك خصوصاً عندما تكون ضخمة، لكن من الناحية السياسية والاجتماعية فالإفراط في الخطف والابتزاز، وهو شيء يحدث باستمرار نظراً إلى سهولته، يمكن أن يضرب الصورة التي تحاول هذه الجماعات تقديمها عن نفسها"، وأبرز أن "السكان قد يتسامحون مع جماعة مسلحة باعتبارها قوة توفر لهم الحماية في مواجهة دولة غائبة، لكنهم قد ينقلبون عليها عندما تتحول هذه الجماعة نفسها إلى مصدر للخوف والابتزاز والاستنزاف الاقتصادي، وخارجياً الخطف يضر بصورة هذه الجماعات لأنه يجعل من الصعب على أية قوة إقليمية أو دولية التعامل معها باعتبارها طرفاً سياسياً يمكن أن يسهم في أية تسوية مستقبلية"، وختم علي السيد أن "الخطف في الساحل الأفريقي يكشف عن مفارقة مهمة، وقد يمكن الجماعات من موارد مالية ضخمة وقدرة أكبر على الابتزاز وبث الخوف، لكنه يضعف قدرتها على تكريس شرعية سياسية واجتماعية في المنطقة".