ملخص
المبدأ الذي تستند إليه اتفاقية مكة يهدف أيضاً إلى تعزيز مفهوم الأمن الجماعي ونبذ طموح الهيمنة على حساب سيادة الدول الأخرى، وقد نجحت الاتفاقية مبدئياً في إرسال رسائل إيجابية لدول المنطقة، إذ أعلنت الحكومة الإيرانية أنها لا تشعر بالتهديد من الاتفاقية لأنها تعزز مفهوم الأمن الإقليمي من داخل دول المنطقة بدلاً من الاعتماد على جهات خارجية كالولايات المتحدة
تقوم اتفاقية مكة الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان في السابع من أغسطس (آب) الجاري على أساسين أيديولوجيين: الأمن الجماعي من أجل خلق الظروف المواتية للسلام والاستقرار والمستقبل المزدهر، والردع الجماعي ضد أي عمل عدواني.
واتفقت الدول الثلاث على توسيع جميع جوانب التعاون الدفاعي من أجل تنفيذ هذين المبدأين، فيما لم يتم الإفصاح عن تفاصيل الاتفاقية سوى عن بند واحد ينص على أن العدوان ضد إحدى الدول يعد عدواناً على الجميع، كما أوضحت الدول المشاركة في الاتفاقية على أنها ليست ضد دولة معينة، بل تهدف إلى ردع أي طرف يحاول التآمر على إحدى الدول الثلاث.
وعلى رغم الإيضاحات الصادرة عن المسؤولين في الدول الثلاث، فإن هناك أسئلة حول تعريف العدوان الذي سيؤدي إلى تفعيل الاتفاقية وما إذا كانت وسيلة جديدة للسيطرة على المنطقة. في هذا السياق، تظهر النقاشات أن العدوان المشار إليه في الاتفاقية يعني انتهاك السلامة الإقليمية لدولة ما باستخدام القوة المسلحة، أما في ما يتعلق بالتخوف من أنها ستستخدم للهيمنة الإقليمية فإنها تقوم أساساً على الأمن الجماعي، أي إن هيكلها لا يتسم بالهيمنة بل إنها تشير إلى أنه لا ينبغي لأي دولة بمفردها أن تطمح إلى الهيمنة على غرب آسيا.
وتأتي هذه الاتفاقية في سياق انفتاح دول الخليج وعلى رأسها السعودية على توسيع تعاونها مع الدول الإقليمية والعالمية على أساس المصالح المشتركة من أجل تعزيز أمن المنطقة والحفاظ على سيادة الدول. وقد أحرزت الرياض تقدماً في هذا الاتجاه عندما أعادت علاقتها مع إيران بوساطة صينية في 2023، كذلك فإنها وقعت على اتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان في سبتمبر (أيلول) 2025 تماشياً مع نهجها في توسيع علاقاتها الخارجية وبناء تحالفات عسكرية تضمن أمن وسلامة مواطنيها وتعزز دفاعها أمام المهددات الخارجية.
الأمن الجماعي
نحتاج إلى العودة إلى التاريخ الحديث حتى نفهم لماذا اختارت هذه الدول الثلاث مبدأ الأمن الجماعي، ففي القرن الـ19 عندما فشلت سياسات "توازن القوى"، تبنى العالم مفهوم "الأمن الجماعي" المنصوص عليه في ميثاق "عصبة الأمم" ولاحقاً في ميثاق الأمم المتحدة، لكن هذه المفاهيم بقيت حبراً على ورق، إذ عادت سياسات الهيمنة والسيطرة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة.
ومع مرور الوقت، برزت مراكز قوى أخرى (أبرزها الصين) تحدت هذه السياسات. وخلال زيارة إلى روسيا في مارس (آذار) عام 2013، شدد الرئيس شي جينبينغ في كلمة ألقاها أمام معهد موسكو للعلاقات الدولية على ضرورة نبذ سياسة الهيمنة، وبناء نمط جديد من العلاقات الدولية قائم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل حتى يتسنى لكل دولة اختيار نظامها الاجتماعي ومسارها التنموي الخاص بها. وانطلاقاً من هذا المفهوم، أطلق الرئيس شي مبادرة الحزام والطريق إلى جانب مبادرات عالمية أخرى تمحورت حول إعادة صياغة العلاقات الدولية نحو مفهوم الأمن "الجماعي" أو الأمن "غير القابل للتجزئة".
وبعيداً من مدى نجاح المبادرات الصينية فإن المبدأ الذي تستند إليه اتفاقية مكة يهدف أيضاً إلى تعزيز مفهوم الأمن الجماعي ونبذ طموح الهيمنة على حساب سيادة الدول الأخرى، وقد نجحت الاتفاقية مبدئياً في إرسال رسائل إيجابية لدول المنطقة، إذ أعلنت الحكومة الإيرانية أنها لا تشعر بالتهديد من الاتفاقية لأنها تعزز مفهوم الأمن الإقليمي من داخل دول المنطقة بدلاً من الاعتماد على جهات خارجية كالولايات المتحدة، ورحب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من جانب آخر بالاتفاقية ووصفها بعملية "تقاسم الأعباء". الطرف الوحيد الذي يشعر بالقلق تجاه الاتفاقية هو إسرائيل التي تنتهج سياسة الهيمنة والسيطرة وتطمح إلى توسيع أراضيها لتشمل غزة والضفة الغربية وهضبة الجولان السورية وحتى جنوب لبنان.
هذه الاتفاقية تمثل رسالة واضحة لإسرائيل بأنها لم تعد قادرة على أن تكون القوة المهيمنة في المنطقة، وبما أن الاتفاق قائم على مفهوم الأمن الجماعي، فسيكون من المفيد لإيران ودول أخرى في المنطقة الانضمام إلى هذا الاتفاق الثلاثي في الوقت المناسب.
الردع الجماعي
المبدأ الثاني الذي تقوم عليه اتفاقية مكة هو "الردع الجماعي". ويرجع هذا المفهوم إلى التاريخ الحديث، إذ انتاب المفكرين خلال الحرب الباردة قلق إزاء تصاعد التوترات النووية بين القوى العظمى، ولذا اقترحوا مفهوم التوازن الدفاعي الجماعي، مشيرين إلى أنه ينبغي على الدولة المعتدية أن تأخذ في الحسبان الخسائر الفادحة التي ستترتب عليها من الرد قبل الشروع في أي عدوان، والتي ستكون أشد وطأة بكثير من المكاسب المحتملة التي قد تجنيها من هذا العدوان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوسعت القدرة الدفاعية الفردية لكل دولة من خلال التحالفات والمعاهدات لتصل إلى مستوى التوازن الدفاعي الجماعي، ومن ثم فإن مبدأ الردع الجماعي في اتفاقية مكة يمثل رسالة واضحة لأي معتد محتمل مفادها أن عدوانه قد يقابل برد قاس لا يطاق.
ومن هنا يأتي مفهوم الردع المنصوص عليه في البيان المشترك عن الدول الثلاث، إذ يشير إلى أن الاتفاقية ليست موجهة ضد أي طرف ولا ترغب في الهجوم أو التوسع على حساب الآخرين، لكنها تمثل خطاً دفاعياً متماسكاً وقوياً أمام التهديدات العسكرية الخارجية، لذا فإنها رسالة واضحة لأي طرف يفكر بالعدوان على أي من الدول الثلاث بأن كلفة عدوانه ستكون باهظة.
من جانب آخر، تختلف اتفاقية مكة عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) في كونها ليست تحالفاً عسكرياً رسمياً ولا حلفاً هجومياً، كذلك فإنها ليست "تكتلاً إسلامياً" بالمفهوم الدارج، بل تكتل لدول المنطقة ذات الرؤية الاستراتيجية الواحدة.
إضافة إلى ذلك هناك غموض حول ما إذا كانت المظلة النووية الباكستانية ستشمل الدول الموقعة على الحلف. باكستانياً، الهدف الوحيد من القدرات النووية الباكستانية هو ردع التهديدات الوجودية من الهند، ولم تناقش أطراف الاتفاقية رسمياً الجانب النووي للحلف، لذا يسود جو من "الغموض البناء" في هذا الشأن وهو في حد ذاته نوع من التوازن الدفاعي أو الردع.
أخيراً، هناك حاجة ملحة إلى إعادة بناء العلاقات الدولية على أساس الأمن الجماعي والاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وسلامة أراضيها وفقاً للمبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة في ظل تفكك النظام العالمي، ويتضح جلياً الآن أن ما سيحدث في غرب آسيا سيحدد ملامح النظام العالمي في المستقبل.
نقلا عن اندبندنت اوردو