Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تنضم مصر لـ "تحالف مكة" الدفاعي؟

تقول مصادر دبلوماسية إن القاهرة منخرطة ضمن نقاشات أمنية مستقبلية في المنطقة ولا تستبعد الانضمام خلال مرحلة لاحقة للتحالف بعد اتضاح آلية عمله وطبيعة الالتزامات المفروضة

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بعد توقيع الاتفاقية مع رئيس وزراء باكستان شهباز شريف والرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أ ف ب)

ملخص

لم يكن غياب مصر تفصيلاً عابراً، خصوصاً وأن ما يعرف بـ "تحالف مكة" جاء في لحظة تشهد المنطقة إعادة ترتيب لمعادلات القوة والأمن، وسط اضطرابات أمنية وعسكرية متواصلة، ساعياً إلى فرض موازين جديدة تقوم على مفاهيم الأمن الجماعي، وتعزيز الردع المشترك في مواجهة جميع أشكال العدوان، وذلك على قاعدة أن "أيّ هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع".

على رغم عدم إعلان القاهرة حتى اللحظة أي موقف رسمي من "اتفاق مكة للدفاع المشترك" الذي جمع السعودية وتركيا وباكستان، ووُقع الجمعة الماضية، لكن احتمالات انضمامها المستقبلي ضمن إطاره بقي موضع بحث وتساؤل، ولا سيما مع العلاقات الوثيقة والإستراتيجية التي تجمع مصر ببلدان التحالف، وتقاطع المصالح والرؤى على مستوياتها الثنائية مع الدول الثلاث في عدد من ملفات الإقليم المشتعلة.

وبحسابات التوقيت ودلالاته، لم يكن غياب مصر تفصيلاً عابراً، خصوصاً وأن ما يعرف بـ "تحالف مكة" جاء في لحظة تشهد المنطقة إعادة ترتيب لمعادلات القوة والأمن، وسط اضطرابات أمنية وعسكرية متواصلة، ساعياً إلى فرض موازين جديدة تقوم على مفاهيم الأمن الجماعي، وتعزيز الردع المشترك في مواجهة جميع أشكال العدوان، وذلك على قاعدة أن "أيّ هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع".

ومنذ أيام تدور نقاشات في الأوساط المصرية حول "اتفاق مكة"، وما إذا كانت مصالح القاهرة الإستراتيجية تقتضي الدخول في تحالف دفاعي مع الدول الحليفة والفاعلة في الإقليم، أم أن الحفاظ على هامش مستقل للحركة يظل أكثر ملاءمة لحساباتها، في ضوء حال عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، وتعدد الأزمات والصراعات القائمة.

ويهدف "اتفاق مكة للدفاع المشترك" إلى تعزيز الردع المشترك بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد، ويُعنى بتعزيز أمن الدول الثلاث الجماعي، ودعم السلام والأمن والاستقرار في المنطقة وخارجها، ويتيح تطوير قدرات أطرافها الدفاعية والإستراتيجية، مع العمل على تطوير وتكامل القدرات الدفاعية.

وجاء في بيانات الإعلان عنه أن التوقيع عليه جاء انطلاقاً من الروابط التاريخية الراسخة بين الدول الثلاث، وبناء على روابط الأخوة والتضامن الإسلامي التي تجمعها، واستناداً إلى المصالح الإستراتيجية المشتركة والتعاون الدفاعي الوثيق بينها، مشيرين إلى أن الاتفاق "لا يستهدف أية دولة"، وأنه مفتوح لمشاركة الدول "التي تهدف إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة".

حسابات القاهرة الراهنة

وفق مصادر دبلوماسية مصرية، فإن "اتفاق مكة" وإعلان تحالف ثلاثي بين الرياض وأنقرة وإسلام أباد، تنظر إليه القاهرة باعتباره "تطوراً مهماً في إعادة تشكيل ترتيبات الأمن الإقليمي، وتأكيداً على قدرة دول المنطقة على تأسيس نظام أمني يراعي مصالح وحاجات دوله"، ورأوا في حديثهم إلى "اندبندنت عربية" أن تريث مصر في الدخول من عدمه، على رغم ما يربطها من علاقات مميزة مع الدول الثلاث، والتي وصلت حد التطابق في الرؤى والأولويات، يعود لأن الاتفاق "لا يقدم مجرد إطار للتنسيق العسكري، وإنما يطرح نموذجاً للأمن الجماعي في منطقة تتسع فيها دوائر التهديد، وتتداخل فيها الحسابات العسكرية مع السياسية، مما يجعل القرار أكثر حساسية، ويفرض حسابات جديدة بالنسبة إليها تجاه أزمات وصراعات تتجاوز حدودها المباشرة".

ويقول أحد المصادر الدبلوماسية إن "هناك تقديراً مصرياً لأهمية التعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، وبالنسبة إليها فإن الانتقال من التعاون والتنسيق إلى التزام دفاعي مشترك يحتاج إلى دراسة دقيقة"، مشيراً إلى دخول القاهرة على مدى الفترة الماضية في نقاشات أمنية وعسكرية عدة مع دول المنطقة، "لكنها تتعامل مع الأمر من منظور المصالح المصرية وحسابات الأمن القومي".

ولم يستبعد المصدر ذاته انضمام مصر إلى التحالف في مرحلة لاحقة، "ولا سيما بعد اتضاح آلية عمله والالتزامات المفروضة على دوله"، موضحاً في الوقت ذاته أن التنسيق بين القاهرة والعواصم الثلاث "تعاظم على المستويات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية كافة خلال الشهور الأخيرة، وأن مصر لم تكن بعيدة من تلك المشاورات المتعلقة بأمن المنطقة".

 

وأكد دبلوماسي مصري آخر أن "هناك تعاوناً واسعاً بالفعل بين القاهرة والبلدان الثلاثة على مختلف المستويات الإستراتيجية، ولا يوجد ما يمنع من تعزيز هذا التعاون في ضوء التحديات الراهنة"، لكنه عاد وذكّر بأن "عضوية مصر في أي تحالف مسألة مختلفة وتحتاج إلى تقييم مستقل"، مشيراً إلى أن "مسألة الانضمام ليست قراراً سياسياً فقط، وإنما ترتبط بطبيعة الالتزام العسكري، وما إذا كان الاتفاق سيظل إطاراً للتنسيق والردع، أم سيتحول إلى تحالف دفاعي ذي التزامات عملياتية".

وينص "اتفاق مكة للدفاع المشترك" على أن "أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يعد هجوماً عليها جميعاً"، إضافة إلى تعزيز مجالات التعاون الدفاعي والعسكري والاستخباراتي بين السعودية وتركيا وباكستان، وذكر المصدر ذاته أن "القاهرة تنظر باهتمام إلى الاتفاق، لكنها لا تستعجل اتخاذ موقف، خصوصاً أن الصورة النهائية لآليات عمله، والدول التي يمكن أن تنضم إليه لم تتبلور بعد".

وتتوافق تصريحات المصادر المصرية مع حديث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الذي أعلن قبل يومين بأنه يتوقع انضمام مصر خلال المرحلة المقبلة إلى "اتفاق مكة"، مؤكداً في تصريحات نقلتها عنه "وكالة الأناضول التركية" أن القاهرة "هي بالفعل شريك طبيعي لنا في جميع القضايا، وأنا أعتقد أنه خلال المرحلة المقبلة ستكون مصر موجودة بيننا كتحالف"، مشيراً إلى أن "هناك بعض المسائل الفنية، وبمجرد إنجازها لا يوجد ما يمنع أن تكون مصر جزءاً من هذا التحالف أيضاً".

وذكرت وزارة الخارجية المصرية، أول من أمس الأحد، أن الوزير بدر عبدالعاطي ونظيره التركي بحثا خلال اتصال هاتفي الترتيبات الأمنية الإقليمية، والجهود الرامية إلى خفض التصعيد ودعم الاستقرار في المنطقة، فيما كتب وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار على منصة "إكس" أن "اتفاق مكة مفتوح لأية دولة في المنطقة ترغب في التمسك بمبادئها الأساس وحل الخلافات، من خلال الاحترام المتبادل والتعاون والوسائل السلمية، وأنه لا يلغي أو يحل محل أي اتفاقات ثنائية أو متعددة الأطراف قائمة بين هذه الدول، أو مع دول أو منظمات أخرى"، ورأى أنه "اتفاق دفاعي بطبعه وليس موجهاً ضد أي بلد، والغرض الوحيد منه زيادة تعزيز جهودنا المستمرة نحو السلام".

احتمالات انضمام القاهرة

بين من يرى أن مصالح القاهرة الإستراتيجية تقتضي الدخول في تحالف دفاعي مع الدول الحليفة والفاعلة في الإقليم، وآخرين يعتقدون أن الحفاظ على هامش مستقل للحركة يظل أكثر ملاءمة للحسابات المصرية، في ضوء حال عدم الاستقرار التي تشهدها المنطقة، وتعدد الأزمات والصراعات القائمة، تتباين آراء المراقبين والمتخصصين المصريين حول احتمالات انضمام مصر إلى "تحالف مكة"، ولا سيما مع وجود أبرز الدول الفاعلة والوازنة في الإقليم ضمن إطاره.

 

وفي قراءاته لإعلان التحالف الثلاثي، يعتبر مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير ياسر عثمان، أن "تحالف مكة لم يأت من فراغ أو مفاجأة، بل جاء في إطار تنسيق وتشاور وثيقين امتد لشهور طويلة، في وقت بالغ الدقة تعج فيه المنطقة بالأزمات المحتدمة التي تمس مصالح هذه الدول، وتؤثر بالسلب في الأمن والاستقرار الإقليمين"، موضحاً في حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن "بناء هذا التحالف الثلاثي جرى بناء على المصالح المشتركة، وإدراك هذه الدول التحديات والأخطار الراهنة والمستقبلية التي تهدد أمنها القومي".

ومع تأكيد عثمان أهمية رسالة التحالف "الممثلة في قدرة دول المنطقة على تأسيس نظام اقليمي أمني من دول المنطقة، خارج عن مظلة القوى الغربية الكبرى"، لكنه أوضح أن مسألة انضمام مصر أو غيرها لهذا التحالف "تخضع لحسابات كل دولة ومصالحها ورؤيتها الشاملة للأمن الإقليمي ومحدداته"، مضيفاً أنه "بالنسبة إلى القاهرة يرتبط الأمر بمفهومها للأمن القومي العربي ومدى تداخله وتماسه مع الأمن الإقليمي"، موضحاً أنه "لا يجب أن ننسى أن مصر عضو في الاتفاق العربي للدفاع المشترك، وأنها كانت سباقة في طرح مقترح تشكيل قوة عربية مشتركة لحماية الأمن القومي العربي".

من جانبه يرى مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير معصوم مرزوق، أنه "من حيث المبدأ فلا شك في أن أي تجمع إقليمي، في محاولة لتعديل موازين القوة في المنطقة، هو تحرك محمود ومطلوب، ولكن لابد من أن يتم بالأسلوب والشكل العلمي، كي يحقق الهدف المرجو منه، تفادياً لتكرار محاولات سابقة في الإقليم لم تكتمل"، وذلك في إشارة إلى "معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي العربية عام 1950".

وتسائل مرزوق "هل من الممكن لأي نوع من أنواع التحالف العسكري أن ينجح في المنطقة"، مجيباً بأنه "نعم يمكن، وهو أمر مطلوب إذ كان جاداً وجرى بناؤه بصورة علمية من أجل إعادة التوازن في الشرق الأوسط ومعادلاته الأمنية، وبالتالي يصبح هناك ردع لتلك القوى التي تحاول أن تفرض هيمنتها على المنطقة، أياً كانت"، مذكراً بأن "غياب القاهرة عن حضور توقيع الاتفاق كان مثيراً للاهتمام والدهشة"، ومشدداً على أهمية أن تواصل مصر "تنسيقها وتعاونها مع أطراف الاتفاق، وتقديم المساعدة ما أتيح ذلك، من أجل الوصول إلى بناء قوى نحتاجه جميعاً في منطقة الشرق الأوسط لمواجهة كل المخططات الساعية إلى الهيمنة والسيطرة"، على حد وصفه، مشيراً إلى امتلاك مصر "من الخبرة والقدرات والإمكانات ما يؤهلها لأن تكون طرفاً فاعلاً في أي نظام إقليمي جاد، يواجه محاولات العبث وعدم الاستقرار في المنطقة".

ومع تأكيده على ما يربط القاهرة بكل من إسلام آباد والرياض وأنقرة، من علاقات مميزة وجيدة، يقول مساعد وزير الخارجية المصري السابق، السفير حسين هريدي، إن "مصر والسعودية بصفتهما عضوين في الجامعة العربية، يتعاونان في إطار دفاعي وأمني وعسكري ضمن 'اتفاق الدفاع العربي والتعاون الاقتصادي الذي وُقّع عام 1950، مما يعني أنه من الناحية النظرية والدبلوماسية يرتبط البلدان باتفاق دفاع مشترك"، مضيفاً أنه "بالنسبة إلى باكستان وتركيا فإن التعاون العسكري والأمني المصري معهما يجري مع كل على حدة"، ومشيراً إلى أنه "يتطور ويتقدم بما يلبي المصالح المشتركة للدول".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح هريدي أن "القاهرة تؤيد أية خطوات أو مبادرات تدافع عنها في تعزيز الأمن والردع الإقليميين، وتعمل مختلف الدول الفاعلة في الإقليم من أجل احتواء الأخطار والتهديدات، والعمل على تسوية المشكلات والأزمات والصراعات في المنطقة بالحلول السلمية، وهو ما يتفق مع ما ورد في اتفاق مكة"، على حد وصفه، ورأى أن "مسألة انضمام مصر من عدمها إلى 'تحالف مكة' لن يؤثر في طبيعة العلاقات التي ترتبط بها مع الدول الأطراف الموقعة"، مشيراً إلى أن "تحالف مكة" يعد "أول اتفاق دفاع مشترك رسمي في تاريخ الشرق الأوسط، يكون أحد أطرافه قوة نووية"، مما يحمل في طياته دلالات وأهمية خاصة.

ويتوافق مع رؤية هريدي أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة الدكتور حسن نافعة، والذي أفاد بأنه "تقليدياً كان هناك خط ثابت في السياسة الخارجية المصرية، يتمثل في عدم الميل إلى أحلاف دفاعية أو عسكرية إلا في إطار عربي"، مضيفاً أن "هذا الأمر لا يعني بالضرورة عدم وجود تنسيق سياسي أو عسكري وأمني، أو حتى القيام بأدوار محددة ومعينة، لكن من دون الوصول إلى حد التحالف العسكري الذي يرتب التزامات ومسؤوليات عسكرية مباشرة".
وأضاف أن "مصر كانت جزءاً من الرباعية الدولية التي جمعت إلى جانبها السعودية وتركيا وباكستان، وتشكلت على خلفية الحرب الإيرانية، وعليه شاركت في المشاورات السابقة التي حصلت أولاً في إسلام آباد في مارس (آذار) الماضي، وبعدها في تركيا ومصر، مما يعني أن استمرار التنسيق والتعاون بين البلدان الأربعة لا يزال قوياً ومتواصلاً"، وشدد نافعة على "أهمية استمرار التواصل والتنسيق بين القوى الأربعة، لما له من انعكاسات إيجابية على مجمل التطورات في المنطقة، من دون التحول إلى حلف ضد دولة بعينها".

وفي أعقاب توقيع "اتفاق مكة"، قال وكيل وزارة الخارجية السعودية للدبلوماسية العامة، السفير رائد قرملي، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إن "الاتفاق لا يمثل محاولة لتشكيل محور عسكري أو تكتل طائفي، ولا يرتبط بأية طموحات نووية أو سباق تسلح".

يذكر أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، شكّلت تركيا والسعودية وباكستان ومصر، وهي دول حليفة للولايات المتحدة، مجموعة لمعالجة القضايا في المنطقة، ولا سيما الحرب على إيران، ولاحقاً أعلنت تركيا أن المجموعة التي أطلق عليها اسم (R4) تهدف ⁠إلى ​تعزيز شراكتها من خلال آليات ملموسة، في وقت رجح بعضهم أن يقود تكثيف المشاورات والتنسيق بين البلدان الأربعة إلى الوصول لتفاهم إستراتيجي واسع، ينعكس إيجاباً على أزمات وصراعات المنطقة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير