Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 مراحل لإرساء حصرية القرار والسلاح وتجنب الاقتتال في العراق

تشديد على أهمية توفير ضمانات للفصائل والمقاتلين الذين ينتقلون إلى المؤسسات الرسمية

العراق يسعى إلى إنهاء الازدواجية في القرار العسكري وإخضاع حركة المقاتلين والأوامر والانتشار إلى القيادة الحكومية حصراً (أ ف ب)

ملخص

القوى السياسية متفقة على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وأن الخلاف الحالي يتعلق بالآليات وليس بالمبدأ.

العملية ستنفذ بصورة تدريجية ومنظمة وفق آلية حكومية تتضمن جدولاً زمنياً لفك ارتباط الفصائل وتسليم السلاح.

عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة المشهد السياسي والأمني في العراق، وسط تغير واضح في التعامل الرسمي مع موعد الثلاثين من سبتمبر (أيلول) المقبل، الذي كان يُفهم خلال الفترة الماضية على أنه سقف زمني لإنهاء ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، قبل أن توضح الحكومة أن التاريخ يرتبط أساساً بانسحاب القوات الأميركية والتحالف الدولي، ولا يمثل مهلة نهائية للفصائل المسلحة لتسليم سلاحها.

ويكشف هذا التوضيح عن انتقال الملف من منطق الموعد النهائي إلى مسار تفاوضي أكثر تدرجاً، يقوم على الحوار مع الفصائل، والاتفاق على آليات التسليم، وفك الارتباط التنظيمي، وصولاً إلى وضع السلاح تحت سلطة الدولة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد الضغوط السياسية الداخلية والإقليمية بشأن مستقبل الفصائل المسلحة، بالتزامن مع استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتداعيات الحرب على المنطقة، فضلاً عن الانعكاسات الاقتصادية والأمنية التي يتحمل العراق جانباً كبيراً منها.

الرئاسة العراقية ترسم الإطار السياسي

أكد رئيس الجمهورية نزار آميدي خلال مشاركته في جلسة حوارية ضمن أعمال مؤتمر حوار بغداد الثامن، أن قرار حصر السلاح بيد الدولة يمثل قراراً عراقياً ودستورياً وشعبياً، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة اعتماد الحوار والتفاهم مع الفصائل للوصول إلى حل وطني.

وأشار رئيس الجمهورية إلى أن الفصائل المسلحة قاتلت تنظيم "داعش" وقدمت تضحيات خلال السنوات الماضية، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب انتقالها إلى العمل ضمن مؤسسات الدولة وتسليم السلاح والاندماج في القوات الأمنية.

وفي موقف يعكس طبيعة التوازنات السياسية والأمنية، أوضح آميدي أن قوات البيشمركة مؤسسة دستورية وتمارس دورها في إقليم كردستان، وليست طرفاً في ملف حصر السلاح.

وربط رئيس الجمهورية معالجة هذا الملف بضرورة الحفاظ على الاستقرار الداخلي وتجنب أي مواجهة مسلحة، مؤكداً أن العراق لا يريد الدخول في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، ولا يسمح باستخدام أراضيه للاعتداء على أي دولة.

الحكومة تنفي وجود مهلة للفصائل

التوضيح الحكومي بشأن موعد الـ30 من سبتمبر (أيلول) المقبل جاء أكثر وضوحاً على لسان المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، الذي أكد أن الموعد يمثل تاريخ انسحاب القوات الأميركية من العراق وليس آخر مهلة للفصائل المسلحة لحصر سلاحها.

وقال العبودي إن الحكومة رفعت خلال الأيام الـ100 الماضية من مستوى اهتمامها بملف حماية السيادة الوطنية وحصر السلاح بيد الدولة، مؤكداً عدم وجود نوايا أو احتمالات لصدام بين القوات الحكومية والفصائل المسلحة.

وأشار إلى وجود حوارات منتظمة مع الفصائل، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً ملحوظاً على رغم وجود اختلافات بشأن الآليات.

وبذلك تحاول الحكومة الفصل بين مسارين كانا قد ارتبطا في الخطاب السياسي خلال الفترة الماضية، الأول يتعلق بانسحاب القوات الأميركية والتحالف الدولي، والثاني يتعلق بحصر السلاح وإنهاء الارتباطات العسكرية والتنظيمية للفصائل خارج القرار الحكومي.

الأعرجي يؤكد التدرج

المستشار الأمني لرئيس مجلس الوزراء قاسم الأعرجي أكد بدوره أن حصر السلاح بيد الدولة قرار عراقي استراتيجي، وأن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون محصوراً بالدولة.

وأوضح أن العملية ستنفذ بصورة تدريجية ومنظمة وبعيداً من الاستفزاز، وفق آلية حكومية تتضمن جدولاً زمنياً لفك ارتباط الفصائل وتسليم السلاح.

ويكتسب حديث الأعرجي أهمية خاصة لأنه يوضح أن الحكومة لا تتعامل مع الملف على أنه عملية مصادرة مباشرة للسلاح، وإنما كونه عملية إعادة تنظيم للقرار الأمني والعسكري، تبدأ بفك الارتباط التنظيمي وتنتهي بوضع أدوات القوة تحت سلطة الدولة.

كذلك أكد أن السلاح لن يسلم إلى جهة خارجية، وأن العملية مرتبطة بإعادة تنظيم العلاقة بين الأحزاب والفصائل وألوية "الحشد الشعبي".

الزيدي يكشف مراحل حصر السلاح

رئيس الحكومة علي الزيدي قدم تصوراً أكثر تفصيلاً للآلية التي تعمل عليها حكومته، مشيراً إلى أن القوى السياسية متفقة على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، وأن الخلاف الحالي يتعلق بالآليات وليس بالمبدأ.

وأوضح أن الحوار يجري بصورة مباشرة مع بعض الفصائل وبصورة غير مباشرة مع فصائل أخرى، مشيراً إلى أن معظم الجهات المعنية باتت مقتنعة بمبدأ تسليم السلاح.

ووفق التصور الحكومي الذي طرحه الزيدي، فإن العملية تمر بثلاث مراحل أساسية تبدأ بإعلان الفصيل عدم ممارسة العمل العسكري، ثم تسليم السلاح إلى الحكومة، وصولاً إلى فك الارتباط.

ويعني فك الارتباط بحسب الطرح الحكومي عدم قدرة الفصيل على تحريك مقاتليه أو إصدار الأوامر لهم، على أن تكون إدارة القوة وتحريكها من اختصاص الحكومة الاتحادية عبر هيئة "الحشد الشعبي".

ويعكس هذا الطرح محاولة لإيجاد صيغة تجمع بين الحفاظ على منتسبي المؤسسات الأمنية وإنهاء استقلال القرار العسكري للفصائل السياسية أو المسلحة.

السلاح بين الشرعية الدستورية والتسوية السياسية

رئيس "تحالف قوى الدولة" عمار الحكيم شدد على أن الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة ليست شعاراً سياسياً، وإنما مقتضى طبيعي لاكتمال بناء الدولة وسيادتها.

وأكد أن قرار الحرب والسلم واستخدام القوة مسؤولية الدولة حصراً، داعياً إلى مسار وطني يعتمد الحوار والتفاهم والتدرج.

ويشير هذا الموقف إلى وجود مساحة سياسية واسعة تتعامل مع مبدأ حصر السلاح كونه هدفاً متفقاً عليه، بينما يبقى الاختلاف الحقيقي حول كيفية تحقيقه والمدة الزمنية التي يحتاجها، إضافة إلى طبيعة الضمانات المقدمة للفصائل والجهات السياسية المرتبطة بها.

اعتراضات داخل البيت السياسي

في المقابل، يرى عضو "دولة القانون" زهير الجلبي أن تنفيذ قرار حصر السلاح بنهاية سبتمبر المقبل ليس أمراً قابلاً للتحقق بهذه السرعة، محذراً من أن الملف يحتاج إلى حوار واتفاق بين مختلف القوى السياسية.

وأشار إلى ضرورة الابتعاد عن أي مواجهة بين الفصائل والقوات الأمنية، وأن حصر السلاح يجب أن يكون جزءاً من مشروع أوسع لفرض سيادة الدولة على كامل الأراضي العراقية.

ويعكس هذا الموقف جانباً من الجدل السياسي داخل العراق بشأن التوقيت، إذ تتفق أطراف متعددة على المبدأ لكنها تختلف بشأن إمكانية تطبيقه بصورة سريعة، خصوصاً في ظل وجود قوات أجنبية وملفات أمنية مرتبطة بالوجود التركي والتحالف الدولي.

في قراءة قانونية للمشهد، يرى الخبير في القانون الدستوري محمد الربيعي، أن التمييز بين موعد انسحاب القوات الأجنبية وموعد حصر السلاح يمثل خطوة مهمة لتجنب تحويل الملف إلى مواجهة مرتبطة بتاريخ محدد.

ويقول إن حصر السلاح بيد الدولة يستند إلى مبدأ سيادة الدولة واحتكارها المشروع لاستخدام القوة، إلا أن تطبيق هذا المبدأ على أرض الواقع يحتاج إلى إجراءات قانونية وإدارية وأمنية متدرجة.

ويضيف أن المشكلة لا تكمن في إعلان المبدأ وإنما في كيفية تحويله إلى واقع مؤسسي، خصوصاً عندما تكون هناك تشكيلات مسلحة تمتلك هياكل تنظيمية وارتباطات سياسية ومقاتلين يعملون ضمن مؤسسات رسمية في الوقت ذاته.

وبحسب هذه القراءة، فإن فك الارتباط يمثل الحلقة الأكثر حساسية في العملية، لأن نجاحه يتطلب ضمان أن تكون الأوامر العسكرية صادرة حصراً عن مؤسسات الدولة، وألا تكون هناك قنوات موازية لاتخاذ القرار أو تحريك القوات.

ويشير الربيعي إلى أن تحديد موعد انسحاب القوات الأجنبية لا ينبغي أن يتحول تلقائياً إلى موعد لمواجهة داخلية، بل يمكن أن يكون نقطة انتقال نحو مرحلة جديدة من تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة.

في المقابل، أقر الخبير في الشأن الأمني، حسين المالكي، أن التدرج الذي تتحدث عنه الحكومة قد يكون الخيار الأكثر واقعية في التعامل مع ملف السلاح، لأن الانتقال المفاجئ من حالة السلاح المتعدد إلى حالة الاحتكار الكامل للقوة يمكن أن ينتج توترات أمنية يصعب السيطرة عليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد الخبير الأمني أن نجاح العملية يرتبط بثلاثة عناصر أساسية تتمثل في وجود قرار سياسي موحد، وتوفير ضمانات للفصائل والمقاتلين الذين ينتقلون إلى المؤسسات الرسمية، وامتلاك الحكومة القدرة الفعلية على تنفيذ الاتفاقات التي يجري التوصل إليها.

ويضيف أن أخطر نقطة في الملف تتمثل في استمرار وجود قرار عسكري خارج المؤسسات الرسمية، حتى لو كانت التشكيلات المعنية مرتبطة إدارياً أو قانونياً بالدولة.

وبحسب هذه القراءة فإن فك الارتباط لا يعني بالضرورة تفكيك جميع التشكيلات أو إنهاء وجود "الحشد الشعبي"، وإنما يعني إنهاء الازدواجية في القرار العسكري وإخضاع حركة المقاتلين والأوامر والانتشار إلى القيادة الحكومية حصراً.

بريطانيا تحذر من استمرار السلاح خارج الدولة

الجدل العراقي لم يبق محصوراً داخل القوى السياسية المحلية، إذ حذر السفير البريطاني لدى بغداد من استمرار وجود جماعات مسلحة خارج السيطرة الحكومية، ورأى أن ذلك يمثل خطراً على العراق والمنطقة وأوروبا.

وأكد أن الحكومة التي لا تمتلك سلطة اختيار استخدام القوة لا تستطيع امتلاك السيادة بصورة كاملة، مشيراً إلى وجود تداخل بين بعض ألوية الحشد والفصائل المسلحة، وإلى أن بعض الألوية لا تنفذ أوامر القائد العام للقوات المسلحة.

وتعكس هذه التصريحات حجم الاهتمام الدولي بملف السلاح في العراق، خصوصاً في ظل المخاوف من انتقال تداعيات الصراع الإقليمي إلى الأراضي العراقية.

قاليباف والحسابات الإيرانية

وتزامن النقاش حول السلاح مع زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد والنجف، وهي زيارة حملت رسائل سياسية واقتصادية وأمنية في آن واحد.

وفي الملف السياسي، دعا قاليباف إلى "ترسيخ" ما وصفه بـ"دور المقاومة في العراق"، بينما ركز في الجانب الاقتصادي على تعزيز التعاون بين بغداد وطهران وتقليل الاعتماد على الدولار في المبادلات التجارية.

وتنظر بغداد إلى العلاقة مع طهران على أنها ملف شديد الحساسية، خصوصاً في ظل ارتباط العراق بعلاقات سياسية واقتصادية وأمنية واسعة مع إيران، وحاجته في الوقت ذاته إلى الحفاظ على علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة والدول العربية والغربية.

ولم تقدم الحكومة العراقية تأكيداً على وجود طلب إيراني لتأخير ملف حصر السلاح، بل أكد رئيس الجمهورية أن أي مسؤول إيراني لم يطلب تأجيله، وأن الملف يعد قراراً عراقياً ودستورياً.

الاقتصاد يدخل على خط الأزمة

ولا ينفصل ملف السلاح عن الأزمة الإقليمية التي تواجه العراق، خصوصاً تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتعطل جزء من حركة صادرات النفط.

وقال رئيس الحكومة إن العراق يعمل على إيجاد طرق بديلة لتصدير النفط، من بينها ميناء جيهان التركي، إضافة إلى مسارات أخرى عبر بانياس والعقبة، مع العمل على تفعيل المنافذ الحدودية.

كذلك تحدث عن مساعي العراق لزيادة حصته التصديرية ضمن "أوبك" والوصول إلى مستويات تصدير مرتفعة خلال الأعوام المقبلة.

ويأتي ذلك في وقت يمثل النفط المصدر الأساس للإيرادات العامة العراقية، مما يجعل أي اضطراب في حركة التصدير عاملاً مباشراً في قدرة الدولة على تمويل الرواتب والنفقات العامة والالتزامات المالية.

ولهذا فإن الحكومة تواجه في الوقت ذاته ملفين مترابطين، الأول أمني وسياسي يتعلق باحتكار الدولة للسلاح والقرار العسكري، والثاني اقتصادي يتعلق بحماية الإيرادات العامة وتأمين صادرات النفط في ظل التوترات الإقليمية.

ما بعد الموعد؟

المؤشرات السياسية والأمنية الحالية توحي بأن الـ30 من سبتمبر المقبل لن يكون موعداً لإغلاق ملف السلاح بصورة نهائية، بل محطة مرتبطة بانسحاب القوات الأميركية والتحالف الدولي يمكن أن تفتح مرحلة جديدة من تنفيذ مشروع حصر السلاح.

وهذا التحول في الخطاب الحكومي يخفف من احتمالات ربط الملف بمواجهة زمنية مباشرة، ويمنح الحكومة مساحة أكبر لمواصلة الحوار مع الفصائل والوصول إلى تفاهمات بشأن التسليم وفك الارتباط.

لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الحكومة على تحويل التفاهمات السياسية إلى إجراءات عملية، وبمدى استعداد الفصائل للانتقال من إعلان القبول بمبدأ حصر السلاح إلى تنفيذ خطوات ملموسة على الأرض.

كذلك فإن مسألة فك الارتباط ستكون الاختبار الأهم، لأن جوهر المشروع لا يتعلق بالسلاح المادي وحده، بل بمن يمتلك قرار استخدام القوة ومن يملك صلاحية تحريك المقاتلين وإصدار الأوامر العسكرية.

وبينما تؤكد الحكومة أن لا نية للصدام، وتحاول القوى السياسية الدفع باتجاه الحوار والتدرج، يبقى التحدي الحقيقي في بناء صيغة تجعل الدولة صاحبة القرار الوحيد في الحرب والسلم، من دون فتح الباب أمام اقتتال داخلي أو إنتاج أزمة سياسية وأمنية جديدة.

ويبدو أن بغداد انتقلت من الحديث عن مهلة تنتهي في سبتمبر المقبل إلى الحديث عن مسار طويل لحصر السلاح، يبدأ بالحوار وينتهي بفك الارتباط الكامل بالقرار العسكري خارج الدولة.

وبذلك فإن المعركة المقبلة لن تكون بالضرورة معركة عسكرية على السلاح، وإنما معركة سياسية وقانونية ومؤسساتية حول شكل الدولة العراقية ومن يمتلك قرار القوة داخلها.

ويظل نجاح هذا المسار مرهوناً بتحقيق معادلة دقيقة تجمع بين سيادة الدولة، وضمان حقوق المقاتلين، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، ومنع استخدام ملف السلاح كمدخل لصراع إقليمي جديد داخل العراق.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات