Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العراق بين اختبار السيادة واستحقاق حصر السلاح

الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان يؤكد أن القوات الأمنية الرسمية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن هذا الملف

الزيدي أكد أن الدولة العراقية لن تسمح بأن تكون أراضيها منطلقاً لاستهداف دول الجوار، كذلك هي لن تقبل بأي اعتداء خارجي يمس سيادتها (أ ب)

ملخص

تجمع المؤشرات الحالية على أن العراق يقف عند مفترق طرق حساس، فمن جهة تسعى الحكومة إلى تثبيت معادلة واضحة تقوم على رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف الآخرين، ورفض أي انتهاك خارجي للسيادة، ومن جهة أخرى، تواجه تحديات تتعلق بإنهاء وجود التحالف الدولي، وحصر السلاح بيد الدولة، واحتواء التداعيات الاقتصادية للصراعات الإقليمية.

دخل العراق مرحلة جديدة من التعقيد السياسي والأمني بعد الضربات الجوية التي استهدفت سبع محافظات عراقية، وأسفرت، بحسب البيانات الحكومية، عن مقتل وإصابة العشرات من منتسبي "الحشد الشعبي"، في تطور وصفته بغداد بأنه "انتهاك صارخ للسيادة العراقية"، فيما سارعت الحكومة إلى الإعلان عن خطة أمنية جديدة، والتأكيد على المضي بملف حصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع تحذيرات اقتصادية من تداعيات استمرار إغلاق مضيق هرمز على المالية العامة.

وتحولت الساعات التي أعقبت الضربات إلى سلسلة من الاجتماعات الطارئة والاتصالات الدبلوماسية، قادها رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة علي فالح الزيدي، الذي ترأس اجتماعاً لمجلس الأمن الوطني، أكد خلاله أن الدولة العراقية لن تسمح بأن تكون أراضيها منطلقاً لاستهداف دول الجوار، كذلك هي لن تقبل بأي اعتداء خارجي يمس سيادتها.

إدانة رسمية وخطة أمنية جديدة

وفقاً لبيان مجلس الأمن الوطني، فإن المجلس دان الهجوم الذي نفذته القوات الجوية الأميركية والسعودية، معتبراً أنه جاء في وقت كانت الحكومة العراقية تجري اتصالات مع الأطراف المعنية للتحقق من الادعاءات المتعلقة باستخدام الأراضي العراقية في استهداف السعودية.

وقرر المجلس إعداد "خطة أمنية متكاملة" تتضمن إعادة توزيع قواطع المسؤولية، وتكثيف الجهد الاستخباري، وسد الثغرات الأمنية، فضلاً عن تعزيز الإجراءات الميدانية لمنع تكرار أي خروقات مستقبلية.

وأكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان أن "القوات الأمنية الرسمية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الملف الأمني"، مشدداً على أن الحكومة "لن تسمح بأي سلاح خارج إطار الدولة"، وأنها لم تتلقّ حتى الآن أي أدلة تثبت انطلاق هجمات من داخل الأراضي العراقية. وأضاف النعمان أن الحكومة ماضية في تنفيذ الاتفاق الخاص بإنهاء مهمة التحالف الدولي بحلول نهاية سبتمبر (أيلول) عام 2026، مبيناً أن انتهاء مهمة التحالف سينهي أي مبررات لوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة.

سبع محافظات تحت النار

بحسب تصريحات الناطق الرسمي باسم الحكومة حيدر العبودي، فإن الضربات استهدفت سبع محافظات عراقية في وقت متزامن، وأسفرت عن مقتل أكثر من 18 عنصراً وإصابة نحو 20 آخرين من منتسبي "الحشد الشعبي"، وقال العبودي إن الحكومة كانت قد طالبت الجانب السعودي بتقديم أدلة ومعلومات استخبارية بشأن الأنباء المتعلقة بانطلاق هجمات من داخل العراق، إلا أن اللجان المشكلة لهذا الغرض لم تتوصل إلى ما يثبت صحتها. وأضاف أن العراق لم يكن ولن يكون جزءاً من أي محور إقليمي، ويعتمد سياسة خارجية متوازنة تقوم على الشراكة وحسن الجوار والحلول الدبلوماسية.

حصر السلاح الملف الأكثر حساسية

وأعادت الأحداث الأخيرة ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى واجهة المشهد السياسي، إذ أكدت خلية الإعلام الأمني أن هذا الملف يمثل أحد أهم مرتكزات البرنامج الحكومي.

وكشف رئيس خلية الإعلام الأمني الفريق سعد معن عن أن اللجنة الوطنية الدائمة لتنظيم الأسلحة وحصرها بيد الدولة قطعت مراحل مهمة، شملت إنشاء قاعدة بيانات متكاملة للأسلحة، فضلاً عن افتتاح 854 مكتباً لتسجيل أسلحة المواطنين في مراكز الشرطة بمختلف المحافظات، باستثناء إقليم كردستان.

ويرى مراقبون أن الضربات الأخيرة قد تمنح الحكومة زخماً إضافياً للمضي في هذا الملف، بخاصة مع تزايد القناعة الداخلية والخارجية بأن احتكار الدولة لاستخدام القوة يمثل شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار.

في السياق، شدد رئيس "ائتلاف النصر" حيدر العبادي على أن الدستور العراقي نص بوضوح على حصر السلاح بيد الدولة، لكنه دعا إلى تحقيق ذلك عبر الحوار والتفاهم الوطني، محذراً من أن العراق يواجه في الوقت نفسه أزمة اقتصادية حقيقية تتطلب إصلاحات عاجلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"الناتو" يعود إلى الواجهة

وفي مؤشر على استمرار اهتمام المجتمع الدولي بالوضع العراقي، تلقى مستشار الأمن القومي قاسم العبودي اتصالاً من مساعد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي للعمليات "الناتو" كريستيان باك، الذي أعرب عن رغبة الحلف في استئناف نشاط بعثته في العراق وتعزيز التعاون المشترك.

وأكد العبودي خلال الاتصال أن الحكومة العراقية تعمل على ترسيخ الاستقرار وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار، مشيراً إلى أن العديد من الدول الشقيقة والصديقة تنظر إلى العراق بوصفه سوقاً واعدة وفرصة اقتصادية مهمة.

كذلك اقترح الجانب الأطلسي عقد جولة جديدة من الحوار الدبلوماسي رفيع المستوى في بروكسل خلال أكتوبر (تشرين الأول) المقبل لبحث آفاق التعاون الأمني والعسكري.

هل ينجح العراق في تحقيق التوازن؟

ورأى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية محسن الدليمي أن الضربات الأخيرة وضعت الحكومة أمام اختبار مزدوج، "الأول يتعلق بقدرتها على حماية السيادة ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي صراع إقليمي، والثاني يتعلق بقدرتها على فرض احتكار الدولة للسلاح". وقال الدليمي إن "الحكومة تمتلك اليوم فرصة لإعادة صياغة العقيدة الأمنية العراقية على أساس أن القرار العسكري يجب أن يكون مركزياً بالكامل، لكن نجاح ذلك يتطلب توافقاً سياسياً واسعاً ودعماً من جميع القوى الفاعلة". وأضاف أن المجتمع الدولي يتابع باهتمام مسار حصر السلاح، باعتباره مؤشراً أساسياً على استقرار الدولة العراقية وقدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية.

مرحلة مفصلية

تجمع المؤشرات الحالية على أن العراق يقف عند مفترق طرق حساس، فمن جهة تسعى الحكومة إلى تثبيت معادلة واضحة تقوم على رفض استخدام الأراضي العراقية لاستهداف الآخرين، ورفض أي انتهاك خارجي للسيادة، ومن جهة أخرى، تواجه تحديات تتعلق بإنهاء وجود التحالف الدولي، وحصر السلاح بيد الدولة، واحتواء التداعيات الاقتصادية للصراعات الإقليمية.

وبينما تؤكد بغداد تمسكها بسياسة النأي بالنفس والاعتماد على الحلول الدبلوماسية، تبدو الأشهر المقبلة حاسمة في تحديد قدرة الدولة العراقية على ترجمة هذه السياسة إلى واقع عملي، في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب، وتحديات داخلية تتطلب قرارات صعبة وإجماعاً وطنياً واسعاً.

اقرأ المزيد

المزيد من الشرق الأوسط