ملخص
منذ انطلاقته في عالم الفن بقيت الأحلام هي المادة الأساس التي استقى منها صفوان داحول (1961) أعماله التشكيلية. وقد شكّل إبداعه الفني علامة فارقة في الفن السوري. فمنذ تخرجه في كلية الفنون في دمشق عام 1983، ثم سفره إلى بلجيكا لمتابعة دراسته في المعهد العالي للفنون التشكيلية في مونس، حيث نال الدكتوراه، بدأ داحول التدريس في كلية الفنون الجميلة، وأسهم في تنشئة جيل جديد من الفنانين، فيما فتح أسلوبه آفاقاً جديدة أمام الرسم.
توصف أعمال داحول بأنها جسر يصل بين الفن العربي الحديث والمعاصر، ومساحة حرة للتجريب في تباين الملامس وشفافية التدرجات الرمادية في اللوحة.
أقام صفوان داحول، أخيراً، معرضين؛ الأول في متحف ستارت في شنغهاي، ومن خلاله اطّلع الجمهور الآسيوي للمرة الأولى على نماذج من مسيرته الإبداعية، إلى جانب وسيط تجريبي عمل عليه الرسام على مدار العامين الماضيين. أما المعرض الثاني، في "أيام غاليري" في دبي، فجاء بعنوان "ما زلتُ أحلم"، وفيه استكمل ابن مدينة حماة السورية مسيرة ثلاثين عاماً من العمل على ثنائية الأبيض والأسود؛ تلك الهوية البصرية التي صنع منها صفوان شخصيته الفنية وتفرّده في توزيع الضوء والظلال على سطوح اللوحة. وانحاز إلى التجريد والتشويه في آنٍ معاً، ودوّن مناماته بتوقيع امرأة واحدة ستظل تتكرر في هيئات لا نهائية في أعماله.
يبدو معرضه الأخير في شنغهاي (الصين) وكأنه ملخص بصري عن مجمل مسيرته. لكنه يتميز بذلك الجانب التجريبي الذي عمل عليه لسنوات طويلة. هل يمكن أن تشرح لنا عن ضرورة هذا الوسيط، وهل هو خروج من لوحة الحامل أو اللوحة الجدارية إلى وسيط بصري؟ نسأله ويجيب في حديث خاص لـ "اندبندنت عربية": "بما أنها كانت التجربة الأولى في متحف ستارت، كان لا بدّ من تقديم مراحل عدة من أعمالي، نظراً إلى أن الجمهور الصيني لا يعرفني. تجربتي سلسلة متواصلة. اخترتُ لوحات للمعرض الصيني من آخر أربع سنوات".
معرض شنغهاي
أتى معرضه في شنغهاي ضمن سلسلة معارض أقامها متحف ستارت لدراسة أنساب الفنانين. وهنا يحدثنا داحول عن موافقته على إدراج أعماله ضمن هذا السياق البحثي الأنثروبولوجي، فيقول: "اهتم الصينيون بأعمالي بسبب دراسة الأنساب من خلال الفن التشكيلي. والحقيقة أنني تفاجأت بذلك، إذ إنني في أعمالي لا أبحث في موضوعات لها علاقة بالتاريخ والأنساب، بل أترك نفسي للرسم بشكل عفوي. فأنا ابن كل هذه الحضارات التي تعاقبت على هذه المنطقة واستمراريتها يبرز من خلال هذا الفن. لكن الصينيين اهتموا بأعمالي لكونها ربما قريبة من الأفكار التي بحث فيها المتحف. وكانت هذه فرصة كبيرة لي، بصفتي فناناً، إذ قدّموا قراءة لأعمالي كأنها مقتطف من سلالة تاريخية وثقافية".
وضم معرض داحول في شنغهاي أكثر من 40 عملاً من أعماله، بما في ذلك العديد من لوحاته الشخصية الكبيرة الشهيرة بالأبيض والأسود، إضافة إلى سلسلة من الأعمال التصويرية التجريبية صغيرة الحجم من أعماله الأخيرة، لكن أين تكمن خصوصية معرض لفنان من المشرق العربي في واحدة من أكبر مدن آسيا وأهمها؟ يشرح صفوان وجهة نظره فيقول: "لا شك في أن أعمال فناني الشرق الأوسط والفنانين العرب عموماً منتشرة في أنحاء العالم، ولا أشك لحظة في أن الفن لغة بصرية وعبرها تتلاقى مع كل الأجناس من شتى أصقاع العالم. وبالتالي وجود معرضي في شنغهاي يؤكد أن الفن قادر دوماً على إيجاد مشتركات بين كل الأمم والشعوب. الفن في أميركا اللاتينية أو في أفريقيا وأوروبا له خصوصيات. وبما أن لدينا لغة بصرية خاصة بنا، فكان من الطبيعي أن نلتقي مع فنانين آخرين في منطقة ما. وكان مهماً لي أولاً، وللصينيين ثانياً، رؤية لوحة قادمة من شرق البحر المتوسط بكل دسامتها وفرادتها".
وبما أن الفن التشكيلي لغة بصرية عالمية، يعقّب صفوان ويضيف: "فالمتلقي غالباً ما يحمل العواطف نفسها. وقد حظي المعرض الصيني باهتمام مختلف الطبقات والفئات العمرية. صحيح أن المتلقي لديه وجهات نظر مختلفة تبعاً لثقافته واطّلاعه، لكن جمهور الفن التشكيلي في أنحاء العالم يكاد يكون متقارباً من حيث الذائقة".
اعتمد داحول في معارضه الأحجام الكبيرة لأعماله، جنباً إلى جنب مع قياسات صغيرة. من تلك القياسات التي تتمكن من السطوة على المتلقي، وصولاً إلى أعمال "لوحة الجيب". لكن هل ثمة ما يقال هنا عن تقنية التكبير والتصغير؟ وهل يعكس ذلك دراسة جديدة لأثر عملك الفني في نفس المتلقي، أم أن الغرض منه تسويقي بحت؟ يجيب: "بالتأكيد، لا علاقة لهذا بالتسويق. فقد تعرض لوحة صغيرة لا تجد مقتنياً لها، ويمكن أن تجد لوحة كبيرة الحجم يكون لها أكثر من مقتنٍ. أعتقد أن الإخراج البصري للمعرض لا يمنع من أن تكون هناك أعمال بأحجام كبيرة جداً إلى جانب لوحات صغيرة جداً. فمثلاً، لا يمنعني وجود جدار كبير من أن أعلِّق عليه لوحة صغيرة. قد يُبرز هذا نوعاً من الفراغ المطلوب في الشكل النهائي للمعرض. بكل الأحوال، أعتقد أن هذا يعود إلى ذائقة الفنان وحساسيته ".
مساحات بيضاء وسوداء
يحدد صفوان تقاطع خطوطه عبر مساحات لونية بيضاء وسوداء وتشكيلة متنوعة من التدرجات الرمادية. دعنا نتعرّف أكثر إلى وصفتك السحرية للحفاظ على توازن اللوحة؟ مثلاً هل تعتمد نسبة مثالية لتوزّع هذه المساحات اللونية، أم أنك تترك لكل لوحة تحديد نسبتها الخاصة بها؟ نسأل ويجيب: "هناك تقاطعات كبيرة بين الفنون سواء في الكتابة أو الموسيقى وكما هو في اللوحة أيضاً. العمل الفني خاضع للتبديل والتغيير في المساحات في كل مراحل إنجازه. يمكن أحياناً أن تكون هناك دراسة للعمل تبدأ منها بصفتك رساماً، ثم تنفّذه على مساحة كبيرة، ويمكن أن يكون هناك ارتجال أثناء الاشتغال على اللوحة. في آخر لحظة كنت أنحاز إلى الأبيض أو الرمادي. أعتقد أنه من الجيد أن يترك الفنان الحرية لحدسه. يعني هناك فنانون يعتمدون على الدراسة وتصميم العمل الفني وإنتاجه بالدقة والمساحات ذاتها التي تكون في الدراسة الأولى للعمل، وهناك رسّامون يفضلون الارتجال. شخصياً أحب المفاجآت في الرسم حتى لو وضعت للعمل دراسة معينة. لهذا أترك نسبة معينة من المفاجآت التي تحدث أثناء الرسم. باعتقادي يجب على الفنان بعد تجربة طويلة أن يتبع حدسه ويصغي لعالمه الداخلي. وبالتالي، أدواتي اللونية موجودة، لكن حدسي يجب أن يكون متأهباً أيضاً بالانفعال ذاته".
ولكن هل يعكس غياب العمق البصري في مجمل أعمال داحول نزوعاً نحو فن شرقي من مثل رسوم المنمنمات في مقامات الحريري؟ أم هو تأثر بما يسمى المنظور اللولبي أو انعدام المنظور؟ أم أن المنظور في أعمال داحول هو بقصد التلاعب في آليات القرب والابتعاد؟ يشرح صفوان: "غالباً ما أفضِّل انعدام المنظور في اللوحة، فليست لدي مشكلة مع القريب والبعيد في العمل الفني. دعني أخبركَ أنني منذ فترة عثرتُ على لوحة قديمة أنجزتها عندما كنت طالباً في كلية الفنون. فرحتُ كثيراً بأن عملي على المنظور كان واضحاً منذ سنوات دراستي".
وبالنسبة لتأثره بفن المنمنمات في الفن المشرقي يقول: "هذا موجود في أعمالي عبر انعدام المنظور، لكنني لا أعتقد أنني تعاملتُ مع هذه التقنية مباشرة أو تأثرتُ بها، فعندما تُعدم المنظور في لوحتك تخلق جمالية مختلفة عن الواقع، وتصبح لديك حرية أكبر في التلاعب بالسطوع والظلال. فلا تتقيد بتحديد منابع الضوء إن كانت آتية من فوق أو من اليمين أو اليسار. لعلني أجد في هذه التقنية صناعة لواقع مختلف في اللوحة عنه في العين الواقعية التي ترى عبر ثنائية القريب والبعيد. لا شك أنها خدعة، لكنني أنتمي إليها وأشعر أن فيها جماليات سحرية".
إتجاهات الضوء
ويجهد مُشاهد أعمال هذا الفنان في اكتشاف النظام الذي يوزّع من خلاله الضوء. ويبدو أن توزيعه للضوء، أو لنقل اللون الأبيض، يتم على نحو اعتباري، وحجته الأساسية تفاوت المستويات بهدف إثراء سطح اللوحة ليس إلا. ما تعليقك على ذلك؟ يجيب: "أشعر فعلاً أنني أمتلك الحرية الكاملة في توزيع اتجاهات الضوء، وليس عندي مشكلة أن يأتي من منطقة واحدة، يمين أو يسار. في الغالب أُفضِّل كثيراً أن أشتغل بحيث تكون الأجزاء الكبيرة والصغيرة من العمل بالأهمية ذاتها، فالتفاصيل الصغيرة لها إضاءتُها وكذلك التفاصيل الكبيرة لها معالجتها المختلفة. وبالتالي هذه التقنية ساعدتني في تحقيق خصوصيتي، مما أتاح لي حرية التلاعب بإنارة اللوحة، ولذلك أعتقد أن هذه التقنية منحت أعمالي بصمتها الخاصة".
وبين المساحات المتفاوتة السطوع من الأبيض والأسود وما بينهما من درجات لونية، ثمة مساحات متفاوتة الإضاءة وخطوط حادة متفاوتة التوتر أيضاً. فهل تعتمد في ذلك على الحدس أم على النظام والعقل؟ يجيب: "لا شك أن الحدس هو من يخلق مفاجآت جميلة في اللوحة، ولكن الانضباط والتنظيم يشكّل، بالنسبة إليّ، وصفة سحرية، شرط ألا يكون النظام كاملاً ومثالياً، وألا تكون الحرية المطلقة في اللوحة، بمعنى الحدس، وحدها من تدير العمل على اللوحة. بالنسبة لي، لم أنسَ يوماً التنظيم والدقة ولا سيما في مجال الخطوط والتكوين المنضبط جداً، والحدس في اللوحة فيه أيضاً بعض التفاصيل. طالما أتحدث عن عملي فأنا ملتزم في النهاية بأي طريقة تخدم هذا العمل، وأي إشارة تخبرني أن اللوحة أصبحت منجزة".
منذ قرابة ثلاثين عاماً من عملك، يمكن ملاحظة تحولات في نهجك الفني. فهل يمكن أن يصير أسلوب الفنان قفصاً، أم أن هذا الأمر لا يشغل بال صفوان كثيراً؟ بمعنى آخر هل يمكن أن يغير الفنان من توجهه الفني ضمن وحدة أسلوبية لا تتغير مهما امتدت السنون؟ نسأل ويجيب: "لطالما سُئلت هذا السؤال، وهل أنا ملتزم بالأسلوب أو مضطر أن أُبقي على الأسلوب ذاته؟ في الحقيقة، لم أفكر يوماً في هذا الأمر، ولم يأخذ هذا التساؤل من وقتي، فأنا دائماً أضع نفسي رهن بحث مطوّل مع العمل، ولم أتوقع في يوم من الأيام أن أشرع في رسم لوحة أو إقامة معرض وأصل إلى هذا العمر وأنا أبحث عن الخطوة التالية".
ويوضح صفوان أنه في أثناء دراسته وزيارته للعديد من متاحف العالم، اكتشف في نهاية المطاف أن هذا البحث غير المنتهي هو السبيل الوحيد لاستمراره كفنان: "أعتمد على الزمن الذي يتغير وليس الموضوع، فالموضوع هو مجموعة من المراحل والخطوات التي يراها البعض متشابهة في الأسلوب، ولكن الزمن يمر وأنت مستمر في هذه السيرورة، وهذا برأيي ما يجعل من العمل الفني متغيراً على الدوام، حتى لو كان ينتمي إلى البحث الفني ذاته. أعتقد أن الظروف المحيطة المتغيرة مع مرور الزمن هي التي تقدّم إنتاجاً غير ثابت، واللوحة في كل يوم، بل في كل لحظة، هي كائن متغير. دعني أصدقك القول: أحياناً أحنُّ إلى أعمالي القديمة، ولكنني حين أعود إليها أتخيلها في صياغات مختلفة عما كانت عليه، ومرد ذلك أن كل شيء من حولي قد تغير مع مرور الزمن".
كأن أسلوبك الفني صار ملهماً للعديد من الرسامين الجدد. كيف تعلّق على ذلك؟ يجيب: "لا شك أنني عندما انتسبت إلى كلية الفنون الجميلة في دمشق عام 1979 بدأتُ أعرف من خلال زياراتي للمعارض المحلية، ومن خلال اطلاعي على مراجع في مكتبة الكلية، وكانت عندها مكتبة ضخمة للغاية، أقول بدأت أكتشف أن ميولي الفنية في هذا الاتجاه أو ذاك، سواء في الاطلاع على المدارس التعبيرية أو الانطباعية أو السريالية. هذا كله لم أكن أدركه جيداً في مرحلة الشباب التي تمتاز كما هو معروف بالحماسة والاندفاع. غالباً ما يكون ميل الفنان في تلك الفترة من العمر عفوياً نحو مدرسة معينة أو فنان معين، لكنني مع الوقت اكتشفت مدارس معينة تشبهني، وتشبه طريقة تفكيري في اللوحة. ومع مرور الزمن وتراكم التجارب، اكتشفت أن دهشتي باتجاه فني معين كنت قد تأثرت به في البدايات، انقلبت، فأصبحت مؤثراً فيه. أظن أنها دائرة من التأثر والتأثير ستبقى تدور إلى ما لا نهاية، وهي مستمرة منذ أيام العصر الحجري وفن الكهوف، وصولاً إلى فنون اللحظة الراهنة".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن هل يمكن القول إن شراكته الطويلة مع "غاليري أيام" تصب في هذا السياق؟ بمعنى كيف يمكن أن تؤثر علاقة رسام بصالة عرض في نتاجه؟ وهل يمكن أن يحدّ سوق بيع اللوحات من خيال الفنان وتمرده حتى على أسلوبه الذي اشتهر به؟ يعقب: "عملتُ مع (أيام) منذ عشرين عاماً، لكن أكبر مصيبة أن يخضع الفنان للصالة، وهذا باعتقادي ليس من مصلحة الصالة ولا من مصلحة الفنان على حدٍ سواء، فإن لم تكن رساماً متجدداً في عملك مع كل خطوة تخطوها، فستواجه مشكلة كبيرة في تقديم نفسك، ولا أعتقد أن الصالة تستطيع أن تفرض على الفنان الحقيقي أي التزام. هذا مستحيل وغير منطقي وغير إيجابي. حتى في حالات معينة تستطيع الصالة أن تعمل لمصلحتها مرة أو اثنتين، لكن الفنان بعدها سينضب إن لم يقدم ما في داخله بصدق وبعيداً من مسار الصالات. العالم الداخلي للفنان هو كنزه. شخصياً أحلم أن يمتد عمري لثلاثة آلاف عام حتى أتمكن من رسم كل ما يجول في خلدي. أتمنى من أي فنان أن ينتبه إلى هذا الأمر مبكراً، لأن الرسام، في النهاية، هو من يفاجئ جمهوره كلما أعلن عن معرض جديد. وبالتالي، يجب أن تكون العلاقة بين الصالة والفنان واضحة وحازمة في ما يتصل بالتدخل في طبيعة العمل الفني وأسلوبيته".
حركة تشكيلية عربية
يصف داحول ظروف الفن العربي عموماً، والسوري خصوصاً، بأنها صعبة للغاية، ويضيف: "عدد الفنانين والفنانات السوريين كبير، فيما عدد الصالات والمتاحف المتوافرة في البلاد ضئيل للغاية. وبالتالي، فإن معاناة تكوين حركة تشكيلية في بلد عربي ما تحتاج إلى بحث واهتمام كبيرين. خذ، مثلاً، إلغاء الموديل العاري أخيراً في كلية الفنون الجميلة في دمشق. أتذكر أنه منذ عام 1979 وهو عام قدومي إلى كلية الفنون كان الموديل الحي العاري ممنوعاً في الكلية. لكن زملاءنا الذين سبقونا قالوا لنا إن هناك قاعة كانت مخصصة لرسم الموديل في قسم التصوير، وكنا كطلاب نذهب نحو اجتهادات شخصية لرسم الموديل الحي العاري، بحيث كنا ندرس مادة التشريح نظرياً من خلال الكتب، وفي بعض الأحيان كنا نعتمد على رسم تماثيل كفينوس العارية ورامي القرص".
ظروف الحركات التشكيلية في العالم العربي صعبة للغاية، بحسب داحول، الذي يضيف: "لا أظن أن رسم الموديل الحي العاري مسموح به في أي كلية من كليات الفنون العربية. وللأسف، نحن بحاجة إلى الكثير من الاهتمام وإعادة النظر في مسائل كثيرة داخل كليات الفنون. فالفنان لديه حقوق مثله مثل الطبيب الذي يتدرب على تشريح الجثث ليتعلم الطب. هذا ليس ترفاً في دراسة الفن، فكيف يستطيع فنان رسم ملحمة معينة أو إظهار شخص في حزنه وفرحه وموته من دون أن يتعلم رسم الموديل؟".
تبدو المباغتات البصرية الأولى عند داحول مستقاة من حماة، مدينة جدّه لأبيه، ومن السلمية، مدينة جدّه لأمه. وعن ذلك يقول: "لا شك في أننا، خلال مرحلة الشباب، كنا نرسم لنتعلم؛ نفرح بحضور معرض هنا وبرسم لوحة جديدة هناك، ولكن من دون الوعي للتأثيرات الخفية للطفولة. الطفولة هي أهم مخزون يلجأ إليه الفنان في أعماله، ولهذا ربما ما زلتُ أعتبر أن الدائرة الكبيرة التي كنت أراها تدور في نهر العاصي، والتي سُمّيت مجازاً ناعورة، هي من أبرز مشاهداتي عندما كنتُ يافعاً. كنتُ على الدوام أتساءل ما هي هذه الدائرة التي تدور في وسط مدينة حماة بشكل مهيب إلى ما لا نهاية؟ لا شك أن تأثيرات الطفولة راسخة في ذاكرتي، وفي ما بعد سأكتشف أنها مركز مهم في كل أعمالي، بل أظن أنها سترافقني ما حييت".
تبدو المرأة في لوحات صفوان كأنها منكمشة ومغلولة في تأطيرات شبه هندسية صارمة، فهل هذا انعكاس لظروف المرأة الشرقية في المجتمعات المحافظة، أم أنه حالة تعبيرية رمزية عن الحميمي والشخصي في حياتك الواقعية؟ نسأل ويجيب: "أحياناً أسأل نفسي: هل أرسم المرأة حقاً، أم أنني أرسم شخصية ما؟ مع الوقت اكتشفتُ أن المرأة أداة تعبيرية قصوى يمكنني أن أعبّر من خلالها، وأن أُلبسها أحياناً أشياء تتجاوز الشكل البصري الموجود في اللوحة. تتراءى لي المرأة أحياناً كمدينة أو كتاريخ عبرتُ منه، والأهم أنني أعتبرها بمثابة الراوي الذي من خلاله أتحدث عن كل المشاعر التي أعيشها في كل الأوقات، سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل".