Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ريستور"... النسخة الأكثر تطرفا من الشعبوية البريطانية 

حزب خرج من رحم "ريفورم" وزاحم "المحافظين" في انتخابات عمدة مانشستر الكبرى

حزب "ريستور بريطانيا" أطلق رسميا في فبراير 2026 (غيتي) 

ملخص

في أقل من ستة أشهر على تسجيله رسمياً، تجاوز حزب "ريستور بريطانيا" بزعامة النائب روبرت لو، "المحافظين" في أكبر انتخابات فرعية شهدتها البلاد، حين نال مرشحه أكثر من 46 ألف صوت في اقتراع عمدة مانشستر الكبرى مقابل 41 ألفاً للمحافظين. الحزب الذي ولد من خلاف شخصي داخل "ريفورم"، وتغذى على منصة "إكس" وبرنامج سياسي يعادي المهاجرين والأجانب، يقدم نفسه بوصفه الصوت اليميني "الذي لم يجبن"، لكن صعوده يرافقه ملفان ثقيلان: حجم التطرف اليميني بين صفوفه، والغموض الذي يحيط بمصادر تمويله.

نهاية شهر يوليو (تموز) الماضي، أعلنت النتائج الرسمية للانتخابات الفرعية لمنصب عمدة مانشستر الكبرى، وهي أكبر انتخابات فرعية أجريت في تاريخ بريطانيا بجسم ناخبين يتجاوز 2.1 مليون شخص. حل مرشح حزب "ريستور" مارلون ويست رابعاً بنسبة 8.7 في المئة من الأصوات، متقدماً على مرشح "المحافظين" فيل إيكرسلي الذي نال 7.7 في المئة. مما فجر أسئلة كثيرة بشأن هذا الحزب القادم من أقصى اليمين.

انتخب روبرت لو نائباً عن دائرة "غريت يارموث" في يوليو 2024 ضمن كتلة "ريفورم" التي ضمت خمسة نواب. وفي 7 مارس (آذار) 2025، علق "ريفورم" عضويته وسحب منه صوت الحزب، بعد اتهامات بتوجيه تهديدات بالعنف لرئيس الحزب حينها ضياء يوسف، وشكاوى موظفات في مكتبه من تصريحات تمييزية. كذلك أحال الحزب الملف إلى الشرطة، ووفق تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أحالت شرطة العاصمة الملف بدورها إلى النيابة. ونفى لو وموظفوه الاتهامات في رسالة مفتوحة وصفوها بأنها كيدية، ولفتوا إلى أن التعليق جاء غداة انتقاده العلني لزعيم الحزب نايجل فاراج. وفي الـ21 من مارس 2025 كشفت رسائل مسربة نشرتها "بي بي سي" أن فاراج وصف سلوك لو بـ "مقزز" و"حقير"، فيما رد لو بالحديث عن "مطاردة ساحرات".

نهاية يونيو (حزيران) 2025 أطلق لو "ريستور بريطانيا" كمجموعة ضغط وليس حزباً، بالتزامن مع إطلاق النائب الأوروبي السابق بن حبيب حزب "أدفانس المملكة المتحدة". وجمع الكيان الجديد نحو 600 ألف جنيه استرليني عبر التبرعات لإطلاق تحقيق مستقل في ملف عصابات الاستدراج الجنسي، وهو ملف اجتذب إليه نواباً محافظين بينهم نيك تيموثي وإستر ماكفي وغافين ويليامسون، وانضمت إلى مجلسه الاستشاري رئيسة كتلة "المحافظين" في جمعية لندن سوزان هول. وفي فبراير (شباط) الماضي أعلن لو تحويل كيانه إلى حزب، فغادره كل من هول وويليامسون فور الإعلان. واكتمل التسجيل لدى لجنة الانتخابات في 20 مارس (آذار)، وانتقل لو رسمياً إلى مقاعد الحزب في مجلس العموم بعدها بثلاثة أيام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

برنامج وانتشار

يقوم برنامج الحزب على وثيقة من 133 صفحة تحمل عنوان "الترحيل الجماعي: مخطط عمل"، أعدها لو بالتعاون مع "مركز ضبط الهجرة". وتتضمن أهداف الحزب المعلنة هجرة صافية سالبة، وترحيل المقيمين بلا صفة قانونية، فضلاً عن ترحيل مهاجرين نظاميين إذا تلقوا إعانات أو لم يتقنوا الإنجليزية. ويطالب باستفتاء ملزم على إعادة عقوبة الإعدام، وحظر البرقع والنقاب، وسحب التمويل العام من "بي بي سي"، وإلغاء الذبح الحلال و"الكوشير"، وتوسيع صلاحيات التوقيف والتفتيش، وإلغاء سياسات صفر انبعاثات.

تقول تقارير إعلامية إن الحزب يتبنى رواية "الاستبدال العظيم"، ويحدد عام 2070 موعداً لتحول "البريطانيين الأصليين" إلى أقلية. أما مدير الحملات والمتحدث باسم الحزب تشارلي داونز فقد كتب مرة أن "الترحيل ضرورة سياسية وديموغرافية".

يقوم انتشار الحزب على 3 أعمدة، الأول هو منصة "إكس"؛ فقد ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" في 7 مايو (أيار) الماضي أن المنصة كانت "حاسمة" في اتساع نطاق الحزب، وأن حساب لو وحساب الحزب بلغا مجتمعين أكثر من مليون متابع. والثاني "البنية المظلية"، فلا يقدم الحزب نفسه هرماً مركزياً بل مظلة لأحزاب محلية شريكة، وقد تحدثت منظمة "هوب نوت هيت" في تقرير لها صدر يوم الثامن من أبريل (نيسان) الماضي، عن انضمام مسؤولين سابقين في الحزب الوطني البريطاني و"الديمقراطي البريطاني" و"لأجل بريطانيا" وحركة "البديل الوطني" إلى "ريستور"، وقالت إن حركة "بريطانيا أولاً" اتفقت على عدم منافسة الحزب في المناطق نفسها.

العمود الثالث هو الانشقاقات؛ ففي شهر فبراير الماضي أعلن "ريستور" انضمام مستشارين محليين من مجلس مقاطعة كنت ومجالس ليستر شير ووارويك شير وشمال نورثامبتون شير، معظمهم من "ريفورم"، وإن عاد أحدهم إلى حزبه بعد يومين. ويقول الحزب إن عضويته قفزت من 50 ألفاً في منتصف فبراير إلى 123 ألفاً في مارس، غير أن "فايننشال تايمز" لفتت إلى أنه لم يقدم أدلة على ذلك.

قيادة الحزب

الوجه الأبرز لـ"ريستور" هو زعيمه روبرت لو، المولود في مدينة أوكسفورد عام 1957، والمصرفي ورجل الأعمال السابق الذي ترأس نادي "ساوثهامبتون" لكرة القدم بين 1996 و2006 ثم بين 2008 و2009، كما كان عضواً في البرلمان الأوروبي عن غرب ميدلاندز بين 2019 و2020. بعده يأتي مدير الحملات والمتحدث الرسمي باسم الحزب تشارلي داونز، ولد في يونيو 2001 تخرج من جامعة لندن، ويكتب في صحيفة "ديلي ميل" ومجلة "ذي يوروبيان كونسرفتيف" ويظهر دائماً على قناة "جي بي نيوز".

في الواجهة الانتخابية برزت أسماء أخرى في "ريستور"، منها المستشارة ماريا باوتيل أول عضوة مجلس محلي تنضم إلى الحزب، وسيدة الأعمال المحلية ريبيكا شيبرد التي خاضت أول اختبار برلماني للحزب في "مايرفيلد"، والممرض السابق مارلون ويست الذي تعرضت ابنته لاعتداء على يد عصابة استدراج.

في أبريل (نيسان) الماضي، نشرت صحيفة "التايمز" تقريراً قالت فيه "إن قادة فاشيين جدداً بارزين يدعمون ريستور بدلاً من ريفورم". ونقلت عن سايمون بيركت، وهو مسؤول سابق في "الحزب الوطني البريطاني"، قوله إن ثمة فارقاً شاسعاً بين الحزبين. كذلك ذكرت أن الناشط ستيف لوز دعا أنصاره إلى الترشح والعمل داخل الحزب لبناء معقل فيه.

الاتهامات التي أخرجت لو من "ريفورم" لم تفض إلى ملاحقة قضائية، إذ خلصت النيابة إلى عدم كفاية الأدلة. ودعم شخصيات متطرفة لحزب لا يعني بالضرورة قراراً حزبياً بضمها، وقد وصف الحزب وزعيمه تقرير "التايمز" بأنه "حملة تشويه مثيرة للشفقة"، فيما رد لو، على وصفه بـ"اليمين المتطرف" و"العنصري" بأن الحزب "لا يبالي" بهذه التسميات.

 

المال الغامض

وفق تحقيق نشرته "بايلاين تايمز" في 10 يوليو الماضي، بدأ الحزب نشاطه برأسمال قدره 2.5 مليون جنيه استرليني، ولا يلزم القانون لو بالكشف عن مصدره لأن الأصول المملوكة لحزب وقت تسجيله لا تخضع لقواعد شفافية التبرعات. وأكدت الصحيفة أنه لا توجد شبهة مخالفة مالية، لكنها وصفت الأمر بأنه ثغرة قد تسمح بتدفق "أموال معتمة".

تقوم أداة التمويل الرئيسة على "نادي كرومويل" الذي تبلغ رسوم العضوية فيه 2500 جنيه سنوياً، وتقل عن عتبة الإبلاغ الإلزامي لدى لجنة الانتخابات البالغة 11180 جنيهاً في السنة التقويمية. ومن بين الذين أعلنوا انضمامهم إلى النادي رجل الأعمال جون مابين، والمطور العقاري جيمس هولمز، والشريك المؤسس لشركة استشارات إداري أشتون وارد.

أشارت الصحيفة إلى تبرعات وردت من أوساط العملات المشفرة، وإلى شهادة خطية قدمتها منظمة "سبوتلايت أون كورابشن" إلى البرلمان بشأن مبالغ تتجاوز 35 ألف جنيه من مشروع "حديث بريطاني"، فيما قال متحدث باسم "ريستور" إنه أعاد كل بنس تلقاه من ذلك المشروع. وفي المقابل، أظهرت السجلات تبرعات شخصية للو نفسه، بينها 33 ألف جنيه من مارغريت هيبورن المقيمة في موناكو، وخمسة آلاف جنيه من كريستوفر نيومان، وألفا جنيه من مونيش شارما. وقالت الرئيسة التنفيذية لمنظمة "الأفضل لبريطانيا" ناومي سميث إن مصادر تمويل "ريستور" غامضة، داعية إلى اعتماد التمثيل النسبي قبل الانتخابات المقبلة.

شعبية الاستطلاعات

في استطلاع مؤسسة "يوغوف" لنيات التصويت بين 16 و17 أغسطس (آب) الجاري، حل "ريستور" عند 4 في المئة، مقابل 24 في المئة لـ"ريفورم" و22 في المئة للعمال و19 في المئة للمحافظين. غير أن الصورة تتغير حين يذكر اسم الحزب صراحة في قائمة الخيارات؛ فقد أظهرت استطلاعات "فايند آوت ناو" تصاعداً من 7 في المئة في فبراير إلى 8 في المئة في مارس ثم 9 في المئة في أبريل. وينبه موقع "بول تشيك" إلى أن معظم مؤسسات الاستطلاع لا تدرج الحزب في قوائمها، ما يدفع مؤيديه إلى خانة "أخرى".

أما دراسة الناخبين الكبرى التي نشرتها "يوغوف" في يوليو الماضي، فرسمت ملامح قاعدة الحزب: 90 في المئة من مؤيديه يضعون الهجرة بين أهم القضايا، و57 في المئة يقولون إن السبب الرئيس لتأييدهم هو أنه "الحزب الوحيد الصادق"، و48 في المئة يثقون به في إدارة ملف الهجرة، و37 في المئة يذكرون قيادة لو نفسها. وأظهرت الدراسة أن 88 في المئة من مؤيديه ينظرون إليه بإيجابية شديدة، مقابل 49 في المئة فقط من ناخبي "ريفورم" ينظرون إلى فاراج النظرة ذاتها. وفي المقابل، ينظر 67 في المئة من مؤيدي "ريستور" إلى فاراج نظرة سلبية، ولا يبدي سوى 36 في المئة منهم استعداداً للتصويت لـ"ريفورم" مستقبلاً.

 

العابرون للأطلسي

الداعم الأبرز للحزب خارج بريطانيا هو مالك منصة "إكس" إيلون ماسك، الذي دعا متابعيه إلى الانضمام إلى الحزب ووصفه بأنه "الأمل الأخير والوحيد" لبريطانيا. وفي التاسع من يوليو الماضي، ذكرت "التايمز" أن زعيم "ريستور" التقى ماسك خلال زيارة إلى الولايات المتحدة شملت تكساس وواشنطن. وعلى الضفة الأوروبية أوردت منظمة "المشروع العالمي لمناهضة الكراهية والتطرف" أن لو من أوائل الموقعين على مبادرة "قانون إنقاذ أوروبا" التي أطلقتها أوساط "الحركة الهوياتية"، إلى جانب القيادي في حزب "البديل من أجل ألمانيا" بيورن هوكه، والنائب الإيطالي روبرتو فانانتشي، وزعيمة "منتدى من أجل الديمقراطية" الهولندي ليدفاي دي فوس. وذكرت مجلة "سيرتشلايت" المتخصصة في رصد حركة اليمين المتطرف أن المتحدثين البريطانيين في قمة "الترحيل العكسي" التي عقدت في البرتغال أخيراً كانوا جميعاً مرتبطين بالحزب.

في 2 أغسطس الجاري، وبعد يومين على نتيجة انتخابات عمدة مانشستر، نشر لو مقطعاً دعا فيه فاراج إلى تنحية "الشخصنة" والخلافات السابقة، وحدد خمسة شروط لأي تعاون بين الحزبين هي، تأمين الحدود عبر ترحيل واسع، وحظر البرقع، واستفتاء على عقوبة الإعدام، وضبط الإنفاق بخفض حاد للرعاية الاجتماعية، واستبعاد وزراء محافظين سابقين من أي حكومة مقبلة، وفي مقدمهم روبرت جينريك وسويلا برافرمان.

رد فاراج بأن الانتخابات المقبلة خيار ثنائي بين "ريفورم" وحزب العمال، وأنه يبني "ائتلافاً عريضاً"، لكنه "لن يدير ظهره لفريقه"، وهي عبارة تسقط عملياً شرط استبعاد الأسماء. وقال إنه منفتح الذهن، وإنه تواصل مع لو طالباً اتصالاً هاتفياً. وفي 3 أغسطس نشر لو لقطة من رسالة قال إنها من فاراج ولا تتضمن سوى 3 كلمات هي "سأتصل لاحقاً"، متهماً إياه بالكذب الصريح في شأن محادثات خاصة، ومؤكداً في الوقت نفسه أن العرض ما زال قائماً.

والتحالف الانتخابي مع "ريفورم" أحد الخيارات المطروحة أمام "ريستور" لكنه يفقد ورقته الأساس، أي كونه الخيار الذي لم يساوم. والخيار الثاني بقاؤه مستقلاً، وهو ما يمنحه هوية صافية ونسباً لا تترجم مقاعد في نظام الغالبية البسيطة، مع كلفة إضافية على "ريفورم" في الدوائر المتقاربة. أما الثالث فهو أن يتحول ملف تمويله وحلفائه من أقصى اليمين إلى عبء انتخابي، وهو احتمال أشار إليه متحدث باسم "هوب نوت هيت" حين قال إن نتائج الحزب تأتي دون توقعاته المعلنة. في الحالات الثلاث يبقى الاختبار الأدق للحزب اليميني المتشدد ليس في نسب الاستطلاعات بل في السؤال الذي طرحته مانشستر: هل يستطيع حزب عمره أشهر أن يكرر تقدمه على حزب حكم بريطانيا 14 عاماً؟

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير