ملخص
"ما يحدث كارثة بيئية"، بحسب ما يصف خبير المناخ والبيئة الدكتور تحسين شعلة، قائلاً إن "الأشجار من العوامل الرئيسة التي تقلل الانبعاثات الكربونية وتخفف الإحساس بدرجات الحرارة، لو افترضنا مثلاً أن درجة الحرارة 37 درجة مئوية فإنها تقل في مناطق الظل تحت الأشجار أقل بخمس درجات مئوية"، منوهاً أن المتعارف عليه علمياً أن نسبة 50 في المئة من الأوكسجين يأتي من الأشجار والنسبة الأخرى من المياه والبحيرات، وهو ما يفسر سر ذهاب المواطنين إلى المتنزهات والحدائق العامة والشواطئ في أثناء ارتفاع درجات الحرارة.
في شرفة منزله المطل على شارع جامعة الدولة العربية بحي المهندسين بمحافظة الجيزة المصرية، وقف السبعيني محمد المنصوري (اسم مستعار) يتأمل بحسرة ما حل بالحي الراقي ومسطحاته الخضراء، بعد أن طاولته لوادر الحفر والماكينات لتقتلع أشجاره العتيقة من جذورها، وتمحي معها أيضاً شريطاً طويلاً من الذكريات ارتبط بها رفقة زوجته، حين كانا يجلسان سوياً في البلكونة كل صباح، للاستمتاع باستنشاق الهواء النقي في أثناء احتساء أكواب الشاي والقهوة الساخنة.
من زقزقة العصافير إلى ضجيج اللوادر
تبدل الحال، وفق المنصوري، إذ تحولت الجزر الوسطى الممتدة من شارع السودان إلى ميدان سفنكس من متنفس ينبض بالحياة الخضراء وونس دافئ مع الأشجار المعمرة، ويتباهى سكانه أمام قاطني الأحياء الأخرى بأنه شبيه بـ"شانزلزيه باريس" إلى كتل وأسطح خرسانية صامتة، واندثرت "المظلات الخضراء" التي كان يحتمي بها سكان الحى من لهيب الشمس الحارقة بعدما صار مدى الطريق عارياً وتجرد من ردائه، وتبدلت أصوات "شقشقة العصافير" بضجيج أصوات عربات جمع جذور الأشجار ومخلفات الردم.
لم تكن معاناة المنصوري وجيرانه من قاطني الأحياء المجاورة بـ"الدقي والعجوزة" مقصورة عليهم فحسب، إذ مر أيضاً محمود (اسم مستعار)، أحد سكان مدينة العبور بمحافظة القليوبية المصرية بالتجربة المريرة ذاتها، بعدما استيقظ على أصوات آلات حادة وصخب غير معتاد ليفاجأ بقطع أشجار كان يستظل بها من لهيب الشمس الحارقة في أثناء انتظاره أتوبيس شركته لنقله لمقر عمله. "المساحات الخضراء كانت أكثر ما يميز مدينتي، وسبب تمسكي بشراء الوحدة السكنية، لكن قطع الأشجار أصبح أمراً مألوفاً ومشهداً مزعجاً، وافتقدت الشوارع والمنتزهات لروحها، أصبحت أجد معاناة في استنشاق نسمة هواء نقية وصافية، بعد أن كانت تلك الأشجار تكافح وحدها عوادم السيارات وملوثات الهواء وشوائب المصانع القريبة من المدينة؟" يقول محمود.
وخلال الآونة الماضية، وثقت كاميرات مواطنين من سكان أحياء محافظتي القاهرة والجيزة في مناطق متفرقة مشاهد عدة لقطع أشجار، وتحولت غروباتهم الخاصة عبر أثير منصات التواصل الاجتماعي لما يشبه بـ"سرادق عزاء" اعتراضاً على ما وصفوه بـ"قطع جائر"، متسائلين "إلى متى يستمر نزف الأشجار ووقائع تجريف ثروة مصر الخضراء؟".
زراعة أم اقتلاع: الشجر بين متناقضين
من جانبها، تستنكر أستاذة العمارة والتصميم العمراني بهندسة القاهرة الدكتورة سهير زكي حواس مشاهد قطع الأشجار التي طاولت بعض الأحياء أخيراً، محذرة أن فقدانها "يتسبب في "انعكاسات سلبية على الصعيدين الصحي والبيئي"، معربة عن اندهاشها مما يحدث حالياً من عمليات قطع واقتلاع للأشجار بالجزر الوسطى لشارع جامعة الدول العربية بالمهندسين وفي أماكن أخرى، كونه يتناقض مع تصريحات المسؤولين الرسمية ونهج الدولة في شأن مشروع زراعة مليون شجرة.
يشار إلى أن مصر كانت قد أطلقت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مشروعاً قومياً لزراعة 100 مليون شجرة على مستوى الجمهورية، بالتزامن مع استضافة قمة المناخ COP27، يهدف إلى "مضاعفة نصيب الفرد من المساحات الخضراء، وامتصاص الملوثات والأدخنة، وخفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وزراعة أشجار ذات عائد اقتصادي، وتحسين جودة الهواء والصحة العامة للمواطنين، على مدار سبع سنوات (2022 – 2023 / 2028 - 2029)، بحسب ما ذكر الموقع الرسمي للهيئة العامة للاستعلامات.
بنبرة لا تخلو من الحسرة، تقارن سهير بين تجربتها حين زات مدينة تونس قبل سنوات ووجدت ممشى طويلاً واسعاً يربط المدينة القديمة بالجزء الأحدث وتتوسطه جزيرة وسطى، وكذلك الحال في الرباط بالمغرب، وشارع جامعة الدول العربية بحي المهندسين في الجيزة الذي ينطبق عليه التوصيف نفسه، من حذف أجزاء كبيرة من الجزيرة الوسطى بالحفر وإزالة الأخضر وكثير من الشجيرات.
وعلى إثر الجدل الذي تشهد مصر من التوسع الآخذ في التمدد لظاهرة قطع الأشجار، الذي اتجهت معه الأنظار إلى شارع جامعة الدول، باعتباره أحد الشوارع الرئيسة، قال رئيس حي العجوزة محمود فؤاد، في تصريحات صحافية، لصحف محلية، إن "التعامل مع الأشجار لا يحدث بصورة عشوائية"، لافتاً إلى أن المنطقة بعد التطوير "ستضم باركات وجراجات وبارتشن واللاند سكيب".
وتطرح أستاذة العمارة تساؤلات عدة تبقى الإجابة عنها ضرورية، خصوصاً أنها تأتي في سياق اجتماعي وبيئي وكذلك عمراني، إذ تقول: هل يجري مراعاة حقوق المشاه أو سكان العمارات على جانبي الشارع خلال استخراج نواتج الخفر؟ ما طبيعة المشروع الجاري تنفيذه والهدف المراد تحقيقه؟ وهل ما يحدث مباركة للتصحر أم تجاهل لمفاهيم أنسنة الفراغات العمرانية السائدة حالياً في العالم؟ كيف نربي أولادنا على ثقافة زراعة الأشجار والحفاظ عليها، وفي المقابل نقوم بإزالتها وتدميرها؟ وهل لا تملك الدولة أجهزة متطورة تكنولوجياً للحفر حول محيط جذور الأشجار لاستخراجها سليمة ثم إعادة زراعتها في أماكن أخرى بدلاً من تدميرها نهائياً؟
الأزمة الأخطر، في رأي خبيرة العمارة، أن فقدان أية شجرة معمرة يصعب تعويضه مجدداً، لأن العمر الافتراضي للأشجار أطول من متوسط عمر الإنسان، ويحتاج إلى سنوات عديدة حتى تنمو الشجرة وتتمدد أفرعها، مستشهدة بأمثلة "توجد شجرة في مدينة شبين الكوم عمرها يعود لعصر محمد علي باشا، كما أن هناك أشجاراً أخرى معمرة في حي الزمالك وحدائق الحيوانات والأسماك والقناطر الخيرية يجب الحفاظ عليها"، مطالبة بضرورة مراجعة تلك الإجراءات، وأن تتماشى مع المواثيق الدولية للحفاظ على ثروات مصر الخضراء.
وتتباين تقارير المؤسسات الرسمية بمصر في شأن معدلات نصيب الفرد من المساحات الخضراء، فبينما قدر الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء (جهة حكومية) في 2020، متوسط نصيب الفرد في مصر من المساحات الخضراء 17 سنتيمتراً فقط، أعلنت وزارة البيئة في مايو (أيار) 2023 أنه يقدر بـ1.2 متر مربع، فيما توصي منظمة الصحة العالمية بأن لا يقل عن تسعة أمتار مربعة من المساحات الخضراء لكل فرد.
هل تنتظر مصر كارثة بيئية؟
الأخطار ذاتها عبر عنها أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق الدكتور علي قطب، إذ يرى أن البيئة ستتحمل الفاتورة الأكبر من الخسائر المستقبلية حال استمرار تجريف المسطحات الخضراء في مقابل مشاريع اقتصادية ذات مردود اقتصادي كبير، موضحاً أن إزالة الأشجار يترتب عليه تزايد الاحتباس الحراري وزيادة نسب غاز ثاني أكسيد الكربون ونقص الأكسجين، وهو أمر يسبب انعكاسات صحية سلبية حال حدث في مناطق تشهد كثافة سكانية عالية.
ووفق دراسة أعدتها المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عام 2022، فإن ظاهرة قطع الأشجار باتت تصاحب مشاريع بناء وتطوير المرافق الخدمية "بصورة لا تراعي الوظيفة البيئية للأشجار والمساحات الخضراء، بخاصة في المدن"، باعتبارها حلاً بدهياً منخفض الكلفة لعلاج مشكلات تلوث الهواء والضوضاء، وتوفير الظل في الشوارع، وتبريدها في ظل الزيادات القياسية لدرجات الحرارة في العقود الأخيرة.
ويشدد الخبير المختص في المناخ على ضرورة إيجاد حلول مختلفة تكون بديلة عن القضاء على مشاريع المسطحات الخضراء، حفاظاً على البيئة وصحة المواطنين، وتنفيذاً لما أوصت به المنظمات العالمية بضرورة الحفاظ على الأشجار كشرط ضروري لتحسن الهواء، معتبراً أن الإقدام على اقتلاع الأشجار أمر يتعارض مع نصوص القانون، وما أقره الدستور المصري في بنوده.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويجرم قانون العقوبات المصري في مادته 367 "كل من اقتلع شجرة أو أكثر أو أي نبات آخر أو قطع منها أو قشرها ليميتها وكل من أتلف طعمة في شجرة" بالحبس مع الشغل، فيما ينص قانون البيئة رقم 4 لعام 1994، والمعدل بالقانون رقم 9 لعام 2009، على معاقبة كل من يتعدى على الأشجار بالقطع، بالحبس والغرامة، بينما ألزم الدستور المصري في نص مادته الـ45، أن "تكفل الدولة حماية وتنمية المساحة الخضراء في الحضر والحفاظ على الثروة النباتية".
"ما يحدث كارثة بيئية"، بحسب ما يصف خبير المناخ والبيئة الدكتور تحسين شعلة، قائلاً إن "الأشجار من العوامل الرئيسة التي تقلل الانبعاثات الكربونية وتخفف الإحساس بدرجات الحرارة، لو افترضنا مثلاً أن درجة الحرارة 37 درجة مئوية فإنها تقل في مناطق الظل تحت الأشجار أقل بخمس درجات مئوية"، منوهاً أن المتعارف عليه علمياً أن نسبة 50 في المئة من الأوكسجين يأتي من الأشجار والنسبة الأخرى من المياه والبحيرات، وهو ما يفسر سر ذهاب المواطنين إلى المتنزهات والحدائق العامة والشواطئ في أثناء ارتفاع درجات الحرارة.
ويرى شعلة، الذي يشغل أيضاً رئيس قسم التكنولوجيا الحيوية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، أن الأشجار هي الحل المثالي لاستنشاق هواء نقي، لأنها أفضل متنفس للهواء وتمتص الشوائب والعوادم الناتجة من حركة السيارات والمصانع، مطالباً بالاستعانة بتطبيق التجربة الإسبانية بزراعة أشجار الفاكهة والموالح في الشوارع والميادين في المحافظات، على أن يقوم مسؤولو كل محافظة بتجميع المحصول، ثم تسويقه، وبيعه ليكون بمثابة مصدر دخل لأبناء المحافظة.
ويلفت أستاذ التصميم البيئي بكلية التخطيط العمراني بجامعة القاهرة الدكتور عباس الزعفراني النظر إلى أن إزالة الأشجار قد يعزز مما يسمى بـ"الجزيرة الحرارية العمرانية"، التي تزيد من نسبة سخونة حرارة المدن بمعدل ست درجات مقارنة بالأطراف، مما يؤدي إلى زيادة نسب استهلاك الكهرباء، فتدفع المواطن إلى شراء "المكيفات" ويزداد الضغط على موازانة الأسر المصرية.
ويوضح الزعفراني، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن قطع الأشجار يحرم المشاة من عدم وجود مكان ظلال يحتمون بها من أشعة الشمس الحارقة، مما يشكل عبئاً إضافياً على من لا يملكون سيارات خاصة، علاوة على أن تناقص المساحات الخضراء يرفع من درجة سخونة الأرصفة التي ترتد انعكاساتها ليلاً، داعياً إلى تعزيز التشجير وحماية المساحات الخضراء، باعتبارها جزءاً من الحلول الطبيعية للتأقلم مع التغيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة المتواصل، مطالباً بضرورة أن تكون المسطحات الخضراء عنصراً أساساً في التخطيط العمراني مع توزيعها بصورة مناسبة.
التطوير ضرورة حتمية، لكن شريطة أن يكون هناك تنظيم في التعامل مع ملف التشجير، وفق رؤية الخبير المختص في الإدارة المحلية بمصر الدكتور رضا فرحات، موضحاً أن زيادة المساحات الخضراء ينبغي أن يكون القاعدة الرئيسة، أما الاستثناء هو الإزالة في حالات الضرورة القصوى، لافتاً إلى أن هناك أشجاراً قديمة ومعمرة يمتد عمرها إلى أكثر من 50 عاماً وفروعها تغطى مساحات ظلال واسعة ويصعب على الأشجار البديلة أن تحل مكانها، موضحاً أن قطع الأشجار من دون دراسة الأثر البيئي وبموافقة الجهات المختصة أمر مجرم بكل الصور.
يشار إلى أن محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، كان قد أصدر تعليمات في يوليو (تموز) 2024 بمنع قطع الأشجار بكل أحياء العاصمة، أو التقليم الجائر لها نهائياً، والرجوع إلى رأي اللجنة التي شكلت في حالة الحاجة إلى نقل أشجار، ويكون ذلك تحت إشراف وزارة البيئة، ووجه رئيس هيئة النظافة بإقامة مشتل بكل حي على أن يجري بيع الأشجار فيه بأسعار رمزية للمواطنين ليتمكنوا من زراعتها والعناية بها.
ويرى فرحات، الذي سبق وتقلد منصب محافظ القليوبية والإسكندرية السابق، أن وزارة البيئة المصرية كانت أصدرت كتيبات دورية لإنشاء نظام متكامل لإدارة الأصول الخضراء وإعداد أكواد خاصة بها للتعامل معها أسوة بالأصول المسجلة، منوهاً أن هناك لجاناً مشكلة في كل محافظة منوط لها الحفاظ على البيئة وحمايتها من القطع الجائر للأشجار.
يأسف خبير المحليات من بعض التجاوزات التي طاولت المساحات الخضراء بمصر وما آلت إليه بعض الحدائق التراثية التي امتدت أعمال التطوير فيها إلى أسوارها لبناء مشاريع استثمارية على أطرافها، متمنياً أن يعوض مشروع 100 مليون شجرة ما فقدته الدولة من مساحات خضراء خلال الفترة الماضية.
البرلمان يسأل: ما المعايير ومن المسؤول؟
ودخل البرلمان المصري على خط الأزمة، إذ تقدمت البرلمانية المصرية هايدي المغازي، بسؤال لوزيرة التنمية المحلية والبيئة، مطالبة بالكشف عن المعايير التي تجيز قطع الأشجار، والجهة المختصة بإصدار القرار، ومدى إلزام الأحياء بإجراء معاينة وإعداد تقرير فني والحصول على موافقة مسبقة قبل تنفيذ الإزالة، وإصدار بيان بعدد الأشجار التي جرى قطعها أو إزالتها في محافظتي القاهرة والجيزة خلال العامين الماضيين، مؤكدة أن "القضية لا تتعلق بواقعة منفردة، إنما بضرورة وجود سياسة واضحة ومنضبطة لإدارة الرصيد الشجري داخل المدن".
فيما دعا عضو مجلس الشيوخ الدكتور باسل عادل إلى فتح حوار مجتمعي حقيقي مع الأهالي والمجتمع المدني والخبراء قبل اتخاذ أي قرارات من شأنها تغيير طبيعة المساحات الخضراء داخل المدن، مؤكداً أن "التنمية الحقيقية لا تعني فقط إنشاء طرق ومبان ومشاريع، إنما أيضاً أن يعيش المواطن في مدينة أكثر خضرة وصحة وإنسانية".
وبين تقرير صادر عن مركز حلول للسياسات البديلة التابع للجامعة الأميركية بالقاهرة في ديسمبر (كانون الأول) 2022، أنه خلال الفترة بين عامي 2017 و2020 تراجعت المساحات الخضراء في القاهرة بنحو 910 آلاف متر مربع، لتصل إلى 6.9 مليون متر مربع في 2020 انخفاضاً من 7.8 مليون متر مربع في 2017، وانخفضت حصة الفرد من المساحات الخضراء من 0.87 متر مربع إلى 0.74 متر مربع بفعل زيادة عدد السكان إلى جانب قطع الأشجار، ووفق المركز ذاته، فقدت القاهرة نحو 910894 متراً مربعاً من مساحاتها الخضراء المحدودة بالفعل، ومنطقة مصر الجديدة نحو 272274 متراً مربعاً، بينما منطقة شرق مدينة نصر نحو 311283 متراً مربعاً من مساحاتهما الخضراء.